المقالات
السياسة
مستقبل السودان بين عناد الإنقاذ وتشدد المعارضة
مستقبل السودان بين عناد الإنقاذ وتشدد المعارضة
11-19-2013 08:37 PM

قاد شباب السودان سلسة قوية من الإحتجاجات ضد نظام الإنقاذ . ألحقت تلك التظاهرات بجسارتها خسائر مادية ومعنوية فادحة بالنظام. أفقدت الإنقاذ ثقتها المفرطة في نفسها وفي أدوات قمعها . فتحت الطريق لحدوث هبات مماثلة. أحدثت شقوق داخل النظام نفسه .إنسلخت بعض قياداته و تسعى لتكوين تنظيم سيكون خصم على الحزب الحاكم. والأهم أن هبّة سبتمبر اعادت الثقة إلى جماهير الشعب السوداني .جددت في دواخلهم الأمل بإمكانية حدوث تغيير سياسي حقيقي. نبهتهم إلى ضرورة التمسك بالأمل وبحتمية التغيير كسنة من سنن الله في الأرض.
دائما ما يدعي الحزب الحاكم إن غالبية جماهير الشعب في صفه. يفعل ذلك بالدعاية المكثفة حتي يصدقه الناس .لكن الأخطر هو أن يصدق النظام كذبته. يمكن إكتشاف ذلك بسهولة عند تذكر مشاهد سقوط الديكتاتوريون. المشاهد التي تزدحم بالملايين تنجلي عن قلة بعدد أصابع اليد الواحدة. الهبة الأخيرة في الشارع السوداني أكدت للمتشككين قلة الموالين للنظام.
الإنقاذ واصلت نهجها المتعنت في إقصاء كل من لم يؤيدها . محاربة كل من لا يتفق معها .استمرت في هذا الوقت المهدر من الطرفين في إصدار الكثير من القرارات الخاطئة . وهي قرارات ليست خاصة بالإنقاذ وإنما تمس كل أفراد الشعب السوداني.
عناد النظام وتمسك المعارضة. هو ما أوصل الأمور لهذه المنطقة الحرجة .المعارضة ترفع سقف أعلى لا ترضى بغيره . تطالب بتفكيك النظام بالكامل ومحاسبة كل من قام به أو شارك فيه أو تعاون معه أو أيده أو حتى تعاطف معه في مرحله من مراحله. وهو مطلب على الرغم مشروعيته إلا انه يبدو معقدا جدا ويصعب تنفيذه والأهم إن ثماره لا خير فيها. الإنقاذ حكمت السودان لأكثر من اربعة وعشرين عام. شارك فيها عدد من الناس إستعانت وتعاونت مع العديد من الناس وأيدها الكثيرون . حتى لو أمكن محاكمة الجميع فإن ذلك لا يعطى للسودان شيئا . فقط يلبي رغبة في الإنتقام والتشفي لدى البعض. وهذه لا تمنح السودان بداية طيبة.

رغم مرور مياه كثيرة تحت الجسر إلا ان كثير من أطروحات المعارضة ظل كما هو لم يتجدد. لا تريد تقديم حلول منطقية يمكن القبول بها .وتتمسك بطرح بدائل قاسية لايبدو ان النظام سيوافق عليها وأن وافق قد لا يلتزم بها .والسبب واضح. لاتوجد لدى المعارضة وسائل ضغط لإجبار النظام على الرضوخ. الإحتجات رغم قوتها إلا إنها غير متواصلة. وليس هنالك إضرابات متزامنة أو عصيان مدني مؤثر. حتى الخيار الدولى لا يبدو ممكن ..

لا يبدو أن المعارضة بشقيها التقليدي والشبابي قد فكرت في كيفية إسقاط النظام بالتحديد ومآلات السودان بعد ذهاب الإنقاذ. يجب ان تقدم المعارضة مقترحات عملية . حلول يمكن تطبيقها. توجد فقط أفكار مثالية تتلاشى سريعا عند إصطدامها بأرض الواقع الجديد . هذا مصير بلاد بأكملها .يجب الإتفاق على أفكار عملية يمكن تطبيقها.
.حلول شاملة وليست جزئيه .حلول تسندها ضمانات قوية يعتد بها وليس أمنيات تغذيها رغبات غير مفيدة.
نظام الإنقاذ فعل في السودان ما يمكن حصره..يكفى أنه أوصل العباد والبلاد إلى هذه المرحلة الحرجة . لكن مسألة تفكيك النظام ليست بالسهولة التي يتصورها البعض.
الأمر أشبه بجراحة حساسة. جراحة تحتاج إلى تشخيص دقيق ينجح في تفكيك النظام دون أن تفكيك السودان. ودون تمزيق النسيج الإجتماعي الهش ودون الإضرار بمصالح السودان العليا . ودون إهدار الوقت والموارد.
تمسك كل طرف بما يعتقده الأصوب هو مدخل العناد المدمر. هذا يتطلب الجلوس للوصول للإتفاق على الحد الادنى على الأقل حتى لا يتضرر فرد في السودان. تقديم القليل من التنازلات تساعد كثيرا في إلتقاء الأطراف في الوسط.

أغلب قوى المعارضة تفكر فقط في إسقاط النظام.ربما عليها أن تنظر بتأن إلي دول الربيع العربي. سترى ان هذه الدول لازالت تتأرجح بفعل الخيارات المثالية . خيارات حالمة وغير عملية . وهو أمر ليس في صالح إستقرارها وإستمرارها وتنميتها. لا تشكل حكومات الربيع العربي أمثلة لما بعد ذهاب الديكتاتورية . تونس ومصر هما فقط من تمتلكان إرادة وحكمة .فلا زالت الدولتان رغم عناد الإخوان في كليهما. دولتا قانون. تواجها بإرادة قوية ووعي بذور الفتنة و عوامل التخريب .هذان هما أهم عناصر الحروب و التخلف .

والسؤال الخطير هو كيف نجنب السودان الصوملة والعرقنة والسورنة واللبينة واليمننة ؟
القادة الحقيقيون هم من يفكرون بهدوء في وسط الأزمات. ينتجون حكمة تجمع الجهود في تيار توسطي تقبله الغالبية. يؤسس لدولة قانون حديثة. يحتاج ذلك لرؤية وإخلاص وإرادة وصبر ومثابرة.

الأهم الآن هو الحفاظ على السودان واحدا ومعافى . الوطن يحتاج لجهود كل أبنائه وبناته وأصدقائه ليؤسس لدولة القانون الحديثة. ينهض بوعي ليلحق بركب الدول التي سبقته ويعمل بجد ليحتل مكانه الطليعي والطبيعي. لن يحدث ذلك بالرغبة في التشفي والإنتقام وتصفية الحسابات القديمة. هذه تتسبب في المزيد من الجراحات. تولد المزيد من المرارات. تؤدي للمزيد من التخلف. بالتفكير المثمر فإننا سنجد ان النظام نفسه يحمل الكثير من الموارد والخبرات. هذه يمكن أن تفيد السودان كثيرا بدلا من رمي كل ما في سلته بعيدا.
بناء سودان جديد لا يبدأ من الغد يبدأ من اليوم. لنجعل ذلك ممكن يجب علينا إخلاص النوايا والتسامي فوق الجراحات. ساعتها تنداح الخواطر الحبلى بالأفكار المثمرة. إتحاد العزائم القوية والأفكار الجيدة يؤسس للمشاريع العظيمة . من ذلك بناء دولة حديثة تسع الجميع.

اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن


منير عوص التريكي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1172

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




منير عوص التريكي
منير عوص التريكي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة