المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. محمد بدوي مصطفى
تجليات: تعريب المناهج الجامعية ... إلى أين؟
تجليات: تعريب المناهج الجامعية ... إلى أين؟
11-20-2013 03:27 PM





منذ فترة قرأت مقال للزميل الفاتح جبرا "عادي بالزبادي". تطرق فيه الزميل الفاتح لموضوع مهم ألا وهو موضوع تعريب المناهج الجامعية الذي تحدث عنه السيد الرئيس في الأيام القليلة المنصرمة كما تصدى له وزير الصحة د. حميدة في بدايات فترة توليه لمنصبه الجيد، علما بأن كليته تدرس المناهج بالإنجليزية ولم يكن في ذاك شك منذ التأسيس، فمالكم كيف تحكمون؟

إن موضوع التعريب موضوع شائك ووعر ولقد تصدت له منذ عهد زهيد مجامع اللغة العربية المتعددة والمتضاربة المناهج بكل العواصم العربية المعروفة: ببغداد، دمشق، القاهرة، الأردن وأكاديمية التنسيق للتعريب بالرباط، لكن وبكل أسف لم يفلحوا إلا في إخراج بضع معاجم تُجَمِّلُ رفوف مكتباتها وهي لا تسمن ولا تغني من جوع إذ أن اللغة كائن حي يحكمها في هذا وذاك قوانين طبيعية ولا تتخبط في سيرها خبط عشواء. أقول هذا الكلام وكنت قد عالجت اشكاليات التعريب بأطروحة الدكتوراه وزرت المجامع المذكورة أعلاه وناقشت في ندوات علمية، إشكالياتها العامة والخاصة ووقفت على خلاصة ما أخرجته هذه المؤسسات التي تخضع تحت اسم الألسكو (المنظمة العربية للثقافة والعلوم) وكان رئيسها السابق استاذنا الجليل الدكتور محي الدين صابر. لكن كل ما أخرجته للأسف هو نقطة في بحر بلا شط؛ والعبرة لمن اعتبر. أتعرفون أن شركة القواميس الفرنسية لاروس قد وضعت لجنة من ٣٠٠ عالم لوضع معجمها الأخير وكل في مجاله، في الطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلم النفس والأحياء ووو فمن بربكم يستطيع ترجمة هذه "الآفة العلمية" إلى لغة تختلف أدواتها ذات الطابع السامي عن أدوات اللغات الأخرى، كالإنجليزية مثلا؟ بالنظر إلى العبرية الحديثة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لعمل جاد في التعريب إذ أن العبرية لغة سامية وتستقي من اللغات الغربية، الإنجليزية والألمانية، كمّا هائلا من الاصطلاحات العلمية ذات المضامين الثابتة، لكنهم في الجامعات العبرية انتبهوا لهذا المشكل فاتاحوا الدراسة بالإنجليزية كأمر لا بد منه؛ فهل لنا في عملهم من عبر؟

كما أسلفت لقد عجزت كل هذه المؤسسات فضلا عن جلّ القوانين التي صاغتها المؤسسات اللغوية العربية بصورة تعسفية لتسيير اللغة مسارا آخرا غير مسارها الطبيعي الذي كتبه الله لها، ذاك برفض وتفنيد كل ما دخل بصورة طبيعية عبر استخدام البشر للغة الاصطلاح الغربية جملة وتفصيلا؛ يريدون أن يصنعوا لنا قوالبا شتى يعتقدون أنها جديرة بحل المعضلة وأنها قديرة باستيعاب ملايين المصطلحات التي تصلنا عبر الإعلام وغيره، منها:

١. الاستنباط: وهو أن نستنبط من لغة العرب القدامى كلمات قد اندثرت لنطلقها على مفاهيم حديثة، فكلمة (قطار) كانت تعني (قافلة الجمال)؛ سيارة (كوكب)؛ البسط، المقام، القاعدة، الخ
٢. الاستعارة: فأرة (لفأرة الحاسوب)؛
٣. النحت: قبمداري (قبل ومداري) وقبمدرسي (قبل مدرسي – التعليم)؛
٤. التعريب: جوال لموبايل، وتلفاز لتلفزيون، وحاسوب لكمبيوتر وووالخ.

ربما تكون قد نجحت هذه المنهجية في تعريب حفنة قليلة لا تذكر مقارنة بالكم الهائل للمفاهيم الآتية من حضارة الغرب، لكن اللغة العربية لا ولن يمكنها استيعاب الكم الهائل للأفواج المصطلحية التي تولد آنيا في كل لمحة ونفس. إذ أن مورفولوجيتها أي بناءها السامي (كالعبرية والحبشية والآرامية) يعتمد على الجذور الثلاثية (جلس، قعد، كتب، الخ) والرباعية (تلفن، فاكس) والخماسية مثل ("دمقرط" - شبه معدومة) لا يشابه البناء الهندوأوربي للغة المعطاءة التي تعتمد في بناءها الصرفي على اللواحق والسوابق والدواخل. إضافة إلى أننا نسبة لهيمنة الاستعمار الإنجليزي والفرنسي في مجال التكنلوجيا نستورد من لغتين مختلفتين (الإنجليزية والفرنسية). فالمغرب العربي مثلا يدرّس هذه المناهج باللغة الفرنسية وعندما يعرّبون المصطلح فهم يعرّبونه انطلاقا من اللغة الفرنسية التي تعتمد في بنيتها النيورومانية طرقا أخرى مختلفة عن اللغات الإنجلوساكسونية. وعموما المغاربة يدرسون حتى في المدارس المواد العلمية بالفرنسية وهذا يؤهلهم لمواكبة الركب وإمكانية الدراسة أو البحث العلمي في أروبا وهذا فائدة كبيرة يجب أن توضع بعين الاعتبار. لكن لغة الأغراض الخاصة في العربية المغاربية تختلف عنها في عربية أهل الشرق ولا مجال للنقاش في هذا الصدد، إذ أن كل فئة تودّ الدفاع عن مصطلحاتها دون الأخرى.

سيدي الرئيس، إن الاختراع والنمو الفكري هو الحل الوحيد لإنتاج المصطلحات العلمية. وأنتم أعلم مني بأن العرب عندما كانوا في أوج حضارتهم استعار منهم أهل أروبا كل المصطلحات والتقنيات ولغات الأغراض الخاصة التي أدت بدورها إلى بلوغ أوربا أوج حضارتها وكانت العربية لغة العلم والتقنيات الحديثة. وكمثال لهذا التمازج العلمي اتخذ منهجيّ الطب لابن سينا والرازي وهي كتب من ٨ مجلدات كأول مناهج للطب في جامعات جنوب فرنسا وإيطاليا وكان آنذاك الملك فريدريك الثاني الذي حكم جزيرة بليرمو الإيطالية في القرن الثالث عشر يستقطب علماء العرب ويجزل لهم العطاء لكي يوطدوا مناخا علميا ومعرفيا في مملكته حتى بلغت هذه الأخيرة أوجها وصار يضرب بها المثل في العلم والحضارة.
لماذا لا نستقطب الخبراء والعلماء لنستفيد من علمهم فدول الخليج فطنت منذ عهد بعيد لهذا الأمر، فابصروا وارجعوا البصر كرتين لتروا ماذا فعلت قطر فاونديشن وأمراء الخليج في استقطاب أرباب العلم والمعرفة إلى جامعاتهم ومؤسساتهم العلمية، والنتيجة بينة وسوف تتضح الرؤى أكثر وأكثر في القريب العاجل ونرى الفرق بيننا وبينهم كالفرق بين السماء والأرض.

لا ضير أن تعرب بعض المصطلحات لتسهيل الحياة اليومية أو أن تدخل بطريقة توافق صرف ونحو اللسان العربي، فكلمة "تلفاز" جميلة و"تلفزة" و"تلغراف" وكلها تحمل اللاحقة التي تعني "تل = الاتصال عن بعد). للغة العربية مقدرة في استيعاب الجذور "تلفن" و"تلفز" و"ترجم" و "أكسد" و"كربن" الخ. لكنها قد تكون عاجزة في استيعاب الألفاظ المنحوتة "راديوفون وراديوفوب وراديوسكوب إلكتروغرام وإلكتروإنسفلوغرام"، الخ فترجمة تلك اللواحق تسبب اشكالا كبيرا في استيعابها في النظام الصرفي للغة الضاد.

فيا أيها القائمون على أمر التعليم بالبلد فالعيب فينا وليس في لغتنا فنحن ربما يمكن أن نترجم تاريخ الطب ولكن الطب الحديث من يمكن أن يتصدى لترجمة مصطلحاته وفروعه وتشعباته إذ أن الطب علم تخصصي وليس الطب الذي يعالج وجع الراس والسكري فقط. فيا سادتي الكرام ينبغي علينا أن نعالج الموضوع بالتوأمة مع جامعات مرموقة في هذا المجال ويجب على وزارة التربية والتعليم أن ترفع من ميزانية التعليم والابتكار والابداع وتنشيط البعثات العلمية والورش المشتركة لأنها هي الألف والياء في توطيد مناخ معرفي بالبلد، تفتقد إليه بكل شدة. وما التوفيق إلا من عند الله فاعملوا ...!

Mohamed-Badawi.com


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1702

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#834472 [الكلس]
5.00/5 (1 صوت)

11-22-2013 03:32 AM
مسالة تعريب الدراسة في الجامعات السودانية هي ليست بهدف تحسين التحصيل الاكاديمي اطلاقاً وانما هو امتداد لمشروع الاستعراب الذي يسعي الي حسم خلافات الهوية التي ظلت تعاني منها الدولة السودانية... وهذه حقيقة مرة لكن يجب ان نقولها حتي يعلمها الجميع لان هذا المشروع ظهرت تجلياته من خلال ميكنيزمات التمركز الثقافي وقضايا الاقصاء للثقافات غير العربية في السودان..... وقد صرح الرئيس بذلك لاكثر من مرة وقبله رؤساءكثر قد ابطنوا هذا الحلم من خلال التباكي علي التاريخ العربي وامجاده سعياً منهم لاثبات ان السودان دولة (عربية ) رغم ان ذلك يعني الغاء الكثير من الثقافات الاصيلة في هذا البلد والتي تعتبر وحسب التاريخ اقدم من (العرب) الذين قدموا الي السودان كنازحين ومهاجرين وووو...الخ.
وبذلك تكزن الجامعات قد دخلت حلبة الصراع الثقافي والسياسي وانتهت المعرفة فيها تماما .. لانه ومعلوم للكل ان مصادر العلم الحديث كلها باللغات الاجنبية وبالاخص الانجليزية... وده موضوع محتاج منابر عشان يتم شرحه وتوضيح مخاطره لانباء شعبنا من اجل الحفاظ علي وحدة وترابط الشعب


ردود على الكلس
United States [الكاتب] 11-22-2013 10:41 AM
بسم الله أوله وآخره،

أخي الفاضل سوداني وأخي الكلس، مشكورين على المبادرة الجليلة، والتعليق الجدير بأن أضعه في عين الاعتبار. نعم، سياسة التعريب، لم تعط أكلها إلا الآن – كما ذكرت في المقال – وإن أردنا أن نلحق بركب الأمم المتقدمة – كأضعف الإيمان –فلابد لنا أن نعيد النظر في لغة الدراسة بالجامعات. من جهة فهي تفتح آفاقا واسعة لأبناء السودان في الاختلاط بأهل العلم خارجه، ومن جهة أخرى تضعنا في موقف جدير بالمشاركة في أمور العولمة التي صارت كلها بلغة العم سام.

نحن مع التعددية الثقافية والعرقية والرجوع إلى إرث السودان الأصيل، لكني يا أخي الكلس لا أشاركك الرأي في مسألة اتخاذ اللغة العربية كأداة وخلطها بمسألة الهوية. فالدول الأفريقية تعلّم في المدارس لغات استعمارية كالإنجليزية والفرنسية – دون الوقوع في مشكل الهوية – وهي فقط أداة معرفية لجأوا إليها لأن لغاتهم المحلية لا تستطيع سد الثغرة هذه، وهكذا الحال بالسودان.

مع خالص احترامي وتقديري
أخوكم
محمد بدوي – كونستانس - ألمانيا


#834016 [سوداني]
5.00/5 (1 صوت)

11-21-2013 03:04 PM
صدقت يا اخي د. محمد بدوي فأنت رجل متخصص في هذا المجال, و لكن لا حياة لمن تنادي , فالإنقاز حكومة تجهيل و ليست تعليم و هي لا تدري. أنظر إلي البشير و عقليته, فلا يستقيم الظل و العود أعوج.


د. محمد بدوي مصطفى
د. محمد بدوي مصطفى

مساحة اعلانية

الاكثر مشاهدةً/ق/ش




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة