المقالات
السياسة
الجنرال في هذيانه..!
الجنرال في هذيانه..!
11-23-2013 09:36 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

شاهدت علي قناة الBBC)) العربية قبل فترة قصيرة، البشير وهو يتحدث في لقطة قصيرة وعابرة، عن نيته تعيين أوجه شابة في تشكيلة جديدة للحكومة، وتحدث أيضا في تلك العُجالة، عن ضرورة السلم الأهلي ونبذ الفرقة والفتن، والشروع في إنهاء عهد الحروبات الداخلية! او هذا ما فهمته من تلك العُجالة! خصوصا وأن الخبر مر سريعا، ولم يكن هنالك تركيز شديد عليه كالعادة، بإعتباره جزء من هامش الأخبار التي ترد علي تلك القنوات! أي من الأخبار الأقل أهمية أو البلاد الأقل جاذبية لدي المُتابع، لو جاز التقدير! واللوم الحقيقي لا يقع علي عاتق تلك القنوات، بقدر ما يطال الذين قزموا بلادنا، وطردوها من دائرة التأثير والإهتمام، او حولوها كمصدر للكوارث والأزمات! علي كلٍ، ما يخُصنا من هذه المادة المُشاهدة هو فحوي الخبر، والأهم من ذلك هو من أطلق هذا الخبر! لأن ذاك الحديث إذا ما أُطلق بالصورة أعلاه، ومن البشير بالذات، وهو يعتقد فيه! فهو أمر بالتأكيد لأ يحتاج لتعليق، أكثر من وضع علامات التعجب الي ما لا نهاية!! لذلك كل ما يُذكر أدناه هو من نافلة القول لا محالة! فكون السيد البشير يدعو للتجديد، وتقديم وجوه شابة الي المُقدمة، لتتقلد زمام الامور وتضطلع بالمسؤوليات الجسيمة، فهو يشير بطريقة غير مُباشرة، الي الفشل في تحقيق المشروع الحضاري المزعوم، الذي وصل الي طريق مسدود! و آل الي محض مصالح خاصة، وفتن مُجتمعية، و تدهور وتفكُك للدولة السودانية! هذا من ناحية. ومن الناحية المُقابلة، يشير الي عجز تلك القيادات التنفيذية الديناصورية، التي إستمرت طوال الفترة الماضية، مُمسكة بالسلطة بكلتا يديها، ومحتكرة لإصدار القرارات المصيرية وتنفيذها بكل حُرية! دون مشاركة بقية قطاعات الشعب، صاحبة الوجعة الحقيقة! وهي تدعي صراحة حينا وتلميحا في أحاين كثيرة! عن أفضليتها الموروثة دنيويا وعصمتها دينيا، بوصفها مالكة لجينات القيادة ونقاء دماء سلالة السيادة، وقيَّم النُبلاء وإمتلاك مُستقبلات المدد الإلهي!
وهذا الحديث المذكور آنفا، يطعن ضمنيا في الطريقة التي تُدار بها الدولة ككل، أي أسلوب الشموليات و فرض الرأي الحزبي الواحد والمصلحة التنظيمية الواحدة، علي مجموع الشعب، والذي بالتأكيد لحقت به أضرار لا حصر لها، من شاكلة تلك القرارات المُبعد عن المشاركة في إصدارها! ولا يَعْلَم مَنْ أصدرها عن مُعاناته ورغباته شئ، ناهيك عن المساهمة في حلها او تلبيتها! او علي الأقل الإعتراف بها، بدلا عن الإنكار المُقدس الذي تعتنقه تلك الأنظمة المُستبدة ويحترفهُ رُعاة الإستبداد! وكل هذا يعني بالضرورة، أن الطريقة التي أُديرت بها البلاد، والبشير بالطبع علي رأسها ومسؤول عن قيادتها مسؤولية مُباشرة، هي طريقة غير جديرة بالبقاء والإستمرار، وهذا إذا لم يُفرض النقد والمُحاسبة علي كل تلك الفترة التي قضتها في إدارة البلاد، كآلية عاجزة عن إنتاج الفوائد العامة، ومن ثم بسطها للجميع علي قدم المساواة، وفشلها في التأسيس لمُستقبل أكثر مقبولية، بدلا عن تحطيم الحاضر، وبناء جدار اليأس والإحباط، في طريق العبور للمستقبل الآمن، وهو جدار داومت علي صناعته وإدامته، تلك الطريقة الشُمولية السرطانية الخبيثة في إدارة البلاد!
وإذا صدقت هذه الدعوة، كحالة شاذة لنظام أدمن إطلاق الوعود الكاذبة، والتعيُش علي وقع الشعارات الجوفاء، القرارات العاطفية الهوجاء، التي لا تسندها أي معقولية او مصداقية، تُنبئ بأن هنالك أي إمكانية لإنزالها علي أرض الواقع. المهم إذا صدقت هذه الدعوة وهي لا محالة كاذبة، وإذا كان هنالك إتساق بين الأقوال والأفعال، كشأن الأنظمة المُحترمة والرؤساء المُحترمين! فيترتب عليها بالضرورة توقف النظام بصفة عامة و الرئيس بصفة خاصة، عن الإستمرار في السلطة، والترجل فورا عن سدة الحُكم، وإعلانه بصورة داوية وصريحة عن عجزه و فشله في القيام بمهامه، ويقدم إستقالته ونظامه وحكومته، مُتيحا الفرصة للشعب في أن يقرر من يحكُمهُ، والطريقة التي يُحكم بها. والسبب أن كل المسؤولين الذين يحملهم مسؤولية الفشل، ويُلمح لنيته في التخلص منهم! كانوا تحت إدارته وبصيرته ورهن إشارته. بمعني أنه جزء أساسي من الفشل، ومُشارك بالقدح المُعلي في هذا التدهور والخراب الذي أنتجهُ نظامه، ولا سبيل أمامه للتنصل منهم الآن، او إستخدامهم ككبش فداء، او توهم أن مجرد إبعادهم يشفي صدور شعب من الغِلْ المُستحق، كرد متوقع علي تذوقه الأمرين علي أيديهم جميعا! وذلك لأن مسؤولية الفشل تشاركية بينهما، وبنفس القدر الذي يحسب به، النجاح(المتوهم) ألذي أحرزه! وكم الإحتفاء والإبتهاج بمشاريع الفساد والهدر المالي، التي تُسلط عليها الأضواء وتفرِض نفسها، في أي مُجادلة تبريرية ضد الخصوم، والتي كما هو معلوم يصُب ناتجها في جيبهم الخاص، ولاعزاء للفقراء والمُعدمين والموهومين! والدليل أن كل المجموعة التنفيذية، التي يشير من طرف خفي الي فشلها، كانت حريصة كل الحرص علي إرضاءه بصورة شخصية واولية، ومن بعد ذلك تأتي لمصلحتها الخاصة، وأخيرا إذا ما كان هنالك زمن وفائض من المال والجهد، يمكن ان يوجه للصالح العام! والذي عند هذه النوعية من أنظمة الحُكم، يتخذ نوع من العبء الثقيل والمُجاملة المُكلفة، لخدمة جموع الشعب الكادح المُفقر، الذي ليس له تأثير علي قدر ونوعية الإمتيازات، التي تتحصل عليها نماذج تلك المجموعة التنفيذية! بمعني إن الجماهير وطموحاتها ومشاغلها، تتحول الي مجرد أدوات او جسور يتم عبورها، لنيل المغانم الشخصية! وبهذا المعني نجد أن هذه النوعية من السُلطات، تستند في حمكها علي فلسفة بسيطة مفادها، خداع الجماهير وتسويق مشاريع التخدير لها! وشغلها بمعارك وهمية لا ناقة لها فيها ولا جمل! وبتعبير آخر إنتفاء المسؤولية تجاه الجماهير، وإهدار حقها في الإختيار والمحاسبة! وفي نفس الوقت إحضار الرئيس كشخص مادي وكسُلطة معنوية، في الخاطر والفكر علي الدوام، وتاليا إنتاج القرارات وإصدار الأوامر علي مقاس مزاج الرئيس!! أو ما تظن تلك الجماعات التنفيذية والتشرعية، أنهُ يوافق إنعاش مزاجه وطمأنة مخاوفه!! بمعني أن عقل وإحساس وأدوات عمل هذه النوعية من الأنظمة، يقوم علي منهجية واحدة، وهي عدم تعكير صفو مزاج السيد الرئيس، والبصم علي كل حركاته وسكناته! وما يلي هذه الغاية، مجرد ديكور او رتوش او نوافل، تحفظ ما تبقي من كرامة طاقم التنظيم، وما يعطي إحساس أن هنالك دولة قائمة وسلطة حاكمة! وهي في حقيقتها دولة الفرد او دولة الرئيس، وبالأصح دولة غياب الدولة والشعب ومعني وقيمة الحياة!
أما ما يخص مسألة إتاحت الفرصة للشباب، فغياب الشباب يُماثل الجانب الآخر من العُملة الإحتكارية، التي رهن البشير ونظامه البلاد لقبضتها، وتاليا العجز عن إدارتها، وبالأصح تحطيمها او خلق صعوبات وزرع ألغام لا حصر لها، في طريق معالجة إشكالاتها او ردها الي جادة الطريق و الصواب، وفي رواية أدق إقامة دولة الديمقراطية والقانون والمؤسسية، بكافة مُلحقاتها ومضامينها. ويُحمد له أخيرا إستجابته لحكمة آخر العمر، حتي ولو لفظيا!! وهي أن الشباب كطاقة خلاقة ونشطة، قادرون علي تحمل المسؤولية، إذا ما وجدوا الفرصة الحقيقية. كما أن إتاحت الفرصة للشباب، تماس بشكل او بآخر مفهوم تداول السلطة، كقيمة ديمقراطية أصيلة، وهذا إذا كان مفهوم تداول السلطة يعني فيما يعني، تجديد الدماء، وتاليا الرؤية والحافز للعطاء، وفتح أبواب المُنافسة العادلة علي مصاريعه، ليلج منه أصحاب المُبادرات والقدرات والمواهب الخاصة، التي يجب أن تؤطر او توجه بصورة تصب في مسار الصالح العام، وتُحصن ضد داء الغرور والفرعنة، كمقبرة تحيل نعمة مردودها الي نقمة علي أصحابها والبلاد!! كما أن مبدأ إتاحت الفرصة او تداول السلطة، يربط العطاء بالمسؤولية، أي كما أُتيحت الفُرصة، بنفس الكيفية يمكن إنتزاعها في حالة عدم الوفاء بمتطلبات الفرصة(الوظيفة)، حتي ولو كانت الرئاسة! وبكلام آخر، تداول السُلطة يعني رد الإعتبار للمناصب وشاغلي المناصب، لأن إستقرار المناصب وشاغلي المناصب من إستقرار الدولة، وتاليا قدرتها علي الإيفاء بواجباتها او مطلوبات وظيفتها او متطلبات الشعب، صاحب الحق والمرجعية، في تحديد نوعية المناصب او شاغلي المناصب، وحدود عمل المناصب، ونكرر بما فيها منصب رئيس الجمهورية! بل هو يُمثل المنصب الأهم ، لأنه وأجهة للبلاد، وعنوان لمدي تطورها او تدهورها!! وكل ذلك يقودنا الي سؤال محدد لرئيس النظام نفسه، هل أنت من جيل الشباب؟! بمعني آخر، هل الدعوة لإتاحت الفرصة للشباب تطال سيادتك؟! بوصفك لا تنتمي لهذه الشريحة! إلا إذا كانت هنالك شهادة تسنين، تثبت إنتماءك لهذا الجيل، او إمتلاكك لقدرات خارقة لسنن الكون، وقادرة علي هزيمة الزمان وعدوان الليالي والسنين، للمُحافظة علي الشباب الدائم كما في الأساطير!! وفي هذه الحالة فنحن مطالبين، بإلغاء عقولنا وكتم ضحكاتنا، لتقبُل هذه الوضعية الكاريكاتورية المغلوطة والصورة المقلوبة، التي رهنا وجودنا وبقاءنا تحت وطأة قسوتها وسُخريتها، منذ أن تقبلنا وجود هذا النظام بين ظهرانينا، وسلمناه زمام قيادتنا حتي ولو بالإكراه. لأن وجود نظام بهذا الإفلاس وإستمراره طوال الفترة الماضية، يؤرخ لمرحلة إلغاء العقول وخوار القوي الشعبية وضمور الوعي والإرادة النخبوية، وتدجين وقهر المجتمع، من التاريخ السوداني المعاصر!! المهم لن يستقيم ظل هذه الدعوة الشبابية او لتصدر الشباب المشهد السياسي، إلا بإستقامة عود تأكيد الدعوة، والذي لا يعني أكثر من ذهاب البشير غير مأسوف عليه، من سدة الحكم الي غير رجعة، ودون تسويِّف او مُماطلة! او إنتظار جيل مهدوي من شباب الكيزان. والسبب بسيط، لأن منظومة الكيزان/الإسلاموية عقيمة وراثيا وبنيويا، وممتنع لديها إنتاج الجديد او المعاصر، بمعني أنها تستمد منهجها وطاقة بقاءها وإستمرارها من موردين هامين، أولهما الماضي السحيق بكل عجزه ومحنه. والثاني رغباتها الخاصة ومتعها الوقتية بكل تجاوزاتها وفظاعاتها! والمُحصلة تشكُل منظومة، مُشوهة المظهر مُشوشة الفكرة مُضطربة الأداء، تتنفس المُغالطات والتبرير للأخطاء، وانعكس كل ذلك بعد إستيلاءها علي السلطة بكل عاهاتها! في صورة كارثة للوطن وتعاسة علي المواطنين. وأصبح العجز وعدم القدرة علي إضافة المفيد للوطن والشعب، سمة من سماتها أو خصلة مرتبطة بها او جزء من تكوينها الذاتي، بل أصبح مجرد الإعتراف بكوارثها كخطوة في طريق الإصلاح أمر دونه خرت القتاد! أي هي منظومة فاقدة للقدرة، ناهيك عن الجيل الذي يحمل هذه القدرة من بعدها! وبكلام وأضح ومحدد، إن الإشكالية ليست في الأفراد او أعمار الإفراد او خُلق وتدين الأفراد، رغم أهمية كل ذلك، ولكن الإشكالية في الكيفية التي تُحكم بها البلاد، وطريقة الوصول السلمي الي السلطة، ومعرفة الوسائل الأقل تكلفة والأكثر كفاءة، في أفراز الأفضل والأنسب من بين جموع الشعب، لأداء الوظائف التي تتلاءم مع مقدراتهم. وتدير ثروات ومقدرات البلاد، وتطلعات القاعدة العريضة بالصورة المثلي. والتجربة الإنسانية وبعد مسيرتها الطويلة ومعاناتها الأطول وأكلافها الأعلي، في معالجة هذه الإشكالية بالتحديد، توصلت الي وضع خطوط عريضة، يُسهل الإلتزام بها، الوصول للغايات المرجوة، والمقصود الإلتزام بالنهج الديمقراطي سلوكا وممارسة، حكما ومعارضة، مع كفالة الحريات الشخصية والعامة، وإتاحت الفرص للمجتمع والأفراد، للتعبير عن آراءهم ومخاوفهم الوجدانية ومبادراتهم الذاتية، بكل أريحية، لتتفاعل في فضاء الدولة الديمقراطي، وتصل بقوة دفعها الذاتي، لتوافقات تسمح لها بالتعايش السلمي، ومن ثم البقاء للقيم الأصلح والأفكار الأقدر، علي تقديم أجوبة مُقنعة وحلول عملية، لأسئلة ومعضلات الواقع المُحيط. والتي تساعد علي دفع المجتمع أولا والدولة ثانيا الي الأمام، ليسلكا طريق الترقي والتطور بخطي ثابتة و روح نشطة و واثقة. وبتعبير آخر، هنالك بديل جاهز ومجرب، لنظام الحكم القائم، الذي أثبت فشله وعجزه بشهادة رئيسه، الذي يدعو للتجديد (بعضمة لسانه)! ولا أعتقد أنه بقوله هذا، ترك فرصة أخري للمُزايدة، من مناصري الرئيس والنظام بالباطل او بالباطل!! والطريق الوحيد المفتوح أمامهم، هو المزيد من إراقة ماء كرامتهم علي أعتاب إسترضاء الرئيس, عبر دعوته للمزيد من الإستمرار والبقاء في الحكم، لإنعدام البديل الأمثل لسيادته، في الوقت الحالي(علما بأنه وقت لا نهاية له)! وكأنه باني النهضة الحديثة! او مؤسس لنظام حكم يسمح بمشاركة الجميع ومن ثم إحترامهم! وليس عسكري قام بإنقلاب علي سُلطة شرعية، ومُطارد من محكمة العدل الدولية.
أما ما ذكرهُ بخصوص السلم الأهلي، وإنهاء الإحتراب الداخلي! او شئ من هذا القبيل، كما فهمت من تلك العُجالة الخبرية السابق ذكرها مررا. فهذه المسألة وكما ذكرنا سابقا، تتخطي مرحلة التعليق، وتصلح لتفسير المرض الرئاسي او المرض بالرئاسة! أي عندما تتحول الرئاسة من منصب له شروط، تحدد طريقة الوصول إليه، وكيفية التعامل معه، وإستحقاقات توليه، وإمكانية الخروج منه عبر العزل او غيره. الي نوع من الإحتياج الخاص، الذي يستكمل شروط التوازن النفسي، لأولئك الرؤساء، الذين يتحكمون في بلدانهم بشكل مُطلق، عبر الإنقلابات العسكرية والآليات الإستبدادية، ويستمرون في الحكم لعهود طويلة، لا تنتهي إلا بانقلاب مضاد او الثورة عليهم او الموت! بمعني أن شرط وجوده في المجتمع، إرتبط بتسنمه هذا المنصب، أي حدثت نوع من المُماهة بين المنصب وشخصه أي أصبحا حالة واحدة لا يمكن فصلها، وتاليا يعجز عقله وإحساسه عن قبول الفصل او مجرد تخيُله! او إمكانية رؤية شخص آخر يحل محله في هذا المنصب، لإستحالة وجود مكافئ لشخصه في بلده، أي إستحالة تحوله الي مواطن عادي، بعد أن تحول من حالة المواطنية الي حالة الرئاسية او المعبودية لوجاز التعبير، أي تخطي مرحلة مشاركة المواطنين الي إلهامهم، وبوصوله الي هذه الحالة او بإستفحال مرض الرئاسة والإعجاب بالذات، يتحول شرط وجوده في المنصب، الي معادل موضوعي، للمُحافظة علي إستقرار البلد، وحمياتها من التفكك والإنهيار، و تعرض التكوينات الإجتماعية الأقل أهلية وأهمية للتصادم والضياع! بمعني آخر إن وجوده في المنصب، ليس بسبب الرغبة الشخصية، والأنانية المُتأصلة في نوع محدد من البشر! ولكن وجوده بسبب وطنيته الفائضة والواجب المُقدس، الذي يُملي عليه البقاء في المنصب!! أي منح إمتيازاته الشخصية ومتعه الذاتية وإستمتاعه بوجاهة منصب الرئاسة وسطوته المطلقة، بعدا وطنيا وأخلاقيا ودينيا!! وتاليا يصبح هو الحريص الأوحد علي سلامة البلاد ورعاية مصالح العباد، كما تقتضي حالة التأليه والتزاعُم والتعاظُم التي تتلبسه! أي مساعيه لا تنبع من نزعة إنسانية خيرة، يمكن أن يطورها الشخص ذاتيا، وفق طرق وأساليب تتلاءم مع طبيعتها ولا تعاديها او تناقضها، بمعني إنسجام الغاية(قوة الدفع الخيرة) مع الوسيلة(إلتزام السلم وحرية الإختيار) في الوصول الي السلطة كمثال، لإنزال تلك النزعة الإنسانية الخيرة علي أرض الواقع او تقديمها الي الشعب، وسباحتها مع تيار مصالح الجماهير، أي خلق هذه المصالح بعد الإستجابة لنبض الجماهير وتفهم مطالبها، ومن ثم الإلتزام بها وتطويرها، حتي تؤدي غرضها في المرحلة التاريخية المُحددة! وأكثر ما يُميِّز المرض الرئاسى، او المرض بحب السلطة حتي الفناء في محرابها، وتجاوز كل المحاذير للوصول إليها! هو إستناده علي إيديولوجية او عقيدة، تُكسب سلوك وممارسات المبتلي بالرئاسة البعد النبوي الرسالي، وتاليا فهو واجد لا محالة عند الرب او الشعب الثواب الأعظم!! نظير مجاهداته وبذله في سبيل الله والوطن! لذلك فهذه النفسية المريضة بالسلطة او إحتكار القيادة والزعامة، تستنكر وجود أخطاء في حُكمها او مشاكل في مُجتمعها، او عجز في سياساتها او فشل في إدارتها للدولة، وتاليا فهي تُرحل الخراب السائد والتدهور العام، والصراعات الأهلية والفتن الدينية والمجتمعية الي الآخر! والذي إذا لم يوجد، فلابُد من إيجاده وشيطنته، حتي يرتاح بال تلك النفسية، المُتعالية علي إرتكاب الأخطاء او الإعتراف بها، وحتي تنسجم مع وهم الزعامة والعظَمَّة الذي يخترقها حتي العظم! علما بأنها المتسبب الأول في معظم هذه الأخطاء والمشاكل، مرة بخلقها او عجزها عن حلها، ومرة أخري بمراكمتها وتحويلها من مشاكل بسيطة يسهل حلها، الي مشاكل مُعقدة ومُركبة، وتتداخل بين عدة حقول، سياسية إجتماعية إقتصادية...الخ، إضافة الي أن وجودها نفسه مُشكلة، هذا من ناحية، ومن الناحية المُقابلة، إستمرارها يعني هدر مزيد من فرص الحل للمشاكل، وضياع للزمن وهو أهم عامل في حل أي مشكلة! وبعد أن يحاصرها الإخفاق من كل جانب، وحتي تُضفي علي نفسها المتوحشة المريضة، أبعاد أكثر إنسانية ورحمة! تحاول أن تظهر بمظهر، الخائف علي الوطن من التفكك، والسلم الأهلي من الضياع...الخ من الدعاوي والمطالب والمناشدات، التي تدعو لوضع السلاح وقبول الحوار، وإبداء نوع من الرغبة الشكلية في التنازل عن السلطة لمصلحة البلد...الخ وغيرها من الأساليب التي خبرها المجتمع السوداني كثيرا، لدرجة أصبح فيها شعب معلم، يدرس الشعوب الأخري، المبتلي بهذا النوع من السلطات والزعامات، الي عدم الركون لدعواتها التي لا يُصدقها العمل، او تصديق شعاراتها التي يحملها الهواء، او الأمان لها بوضع كل البيض في سلتها او السلطات المطلقة في يدها! او الغفلة عن إمتلاك ادوات الرقابة والمحاسبة والعزل، التي تُمكنها من أخذ السلطة منها، والحيلولة دون إحتكارها للسلطة وتأبيدها في طرفها! كما تشتهي ويصور لها وعيها الوصائي، وشبقها السلطوي، الذي لا يشبع من الإمتلاك الكامل للدولة، او يخضع لحُكم الضعف البيولوجي للأفراد!!
والخلاصة، إن مثل هذه الدعوات تعكس، حالة عجز الدولة، عن القيام بوظيفتها وواجباتها، حتي في الحدود الدنيا، توفير الأمن والقوت للشعب! ومن ناحية أخري تعكس إفلاس البشير بصورة شخصية ونظامه بشكل عام، وتاليا محاولتهم تحويل العجز او نقله الي الآخر المُشارك، سواء أكان من العناصر الرخوة في التنظيمات المُعارضة المُتحالفة معه، او من الفتية الأغرار او من تظهر عليهم أعراض الطموحات السلطوية المبكرة، داخل تنظيمهم العاطل عن إنتاج الكفاءات والفوائد! بمعني أن الرئيس والمجموعة القيادية التنفيذية المُحيطة به إحاطة السوار بالمعصم، أي الذين تسببوا في كل هذا الدمار. يحاولون الآن إشراك الآخرين المُقربين!! للمُساهمة في هذا العجز، وتاليا تعميم العجز وجعله يطال كل الأفراد والمجتمع اي يصبح حالة عامة( تعبير مُشابه لتعبير أطلقه المفكر السوري يس الحاج صالح في سياق مختلف، إذا ما صدقت الذاكرة ولم تخلط ما بين الأقوال والأشخاص). مما يعني الهروب من مسؤولية مواجهة عجزهم، بعد تصوير العجز وكأنه أمر مفروض او لابد منه، أو هو جزء من طبيعة مشاكل وتعقيدات قضايا البلد، أي كحالة مُلازمة للشعب وجزء من تركيبته، او تصويره كثمن لابد من دفعه في هذه اللحظة التاريخية المفصلية من عمر البلاد، وتاليا هم مجرد أدوات، سعت بكل جد لمواجهة العجز/ المستحيل المتوارث، لإيقاف عجلته وتحسين الأوضاع بشكل عام! والدليل علي ذلك هولاء الشركاء الذين لطالما عارضوهم من الخارج او إنتقدوهم من الداخل، ولكنهم ما أستطاعوا تغيير شئ عندما أُتيحت لهم الفرصة!
والغرض من إشاعة هذه الحالة التعجيزية، هو نفي التمايُزات بين البشر(أخيار وأشرار وما بينهما) والفروقات بين المشاريع السياسية(موضوعية مرتبطة بالواقع او طوباوية غارقة في الأحلام والتمنيات، أي ناجحة او فاشلة)، وتاليا لا قيمة فعلية لإبدال مشروع محل آخر او نظلم بدل آخر او رئيس بدل آخر، وهنا مربط الفرس، أي النتيجة واحدة، مفادها أن مشروعهم الحضاري لا بأس عليه، وكذلك رئيسهم البشير، وإن الأخطاء البسيطة او عجزهم اللاإرادي، هو تحصيل حاصل او من طبيعة الأشياء، التي لا تدعو للقلق! وهي نوع من الإبتلاءات في دربهم، تؤكد صحة منهجهم وسلامة طريقتهم، وليس العكس الذي يردده الحاقدون المخربون، الذين يدعمون مشاريع الإستهداف الخارجي لهوية وعقيدة البلاد. بل هم يستحقون الفرصة تلو الفرصة، والإستمرار في الحكم المُطلق، حتي ينجزوا ما شرعوا فيه(لبنت وما بدوها بغاث الطير)، خاصة وأنه لم يتبقَ منه إلا القليل، لإكماله نهائيا! لتجني البلاد ثمار صبرها، وجهد نظامها وحكومتها، وبطولة ونزاهة قادتها!! وهكذا يستمر مسلسل نكران الوقائع، وتغبيش الحقائق وخداع الذات، حتي تقع الواقعة! وعندها تظهر الإعتذارات، وعدم معرفة الرئيس بحقيقة الأوضاع(ولا يعلم أنها كارثة أكبر من معرفتها)، وانه ضُلل من قبل المسؤولين تحته، وأن غرضه كان شريف!! وإستباقا لكل هذه المهازل، فعلي البشير ونظامه، الترجل الآن، والإعتذار للشعب السوداني، وتسليم السلطة لحكومة إنتقالية، او حكومة كفاءات. لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومن ثم الإعداد لنظام أكثر ديمقراطية وحرية وإحترام لحقوق الإنسان، بعد الإستفادة من كل الأخطاء السابقة، التي عجلت برحيل أنظمة ديمقراطية، عمدت بدماء الشهداء، أي تهيئة البيئة الديمقراطية، قبل تمكين التجربة الديمقراطية، حتي تعينها علي الأستمرارية و البقاء. و حتي لا نُفرط فيها، لنبدأ رحلة البحث عنها من جديد!! لنعيد أختراع العجلة في كل مرة، او نعيد تجربة البوربون كما يحكي عنها التاريخ، وهذا او الطوفان.


عبدالله مكاوي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1386

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة