المقالات
السياسة
رئيس شورى الإسلامية بين ضفتي التناقض
رئيس شورى الإسلامية بين ضفتي التناقض
11-29-2015 08:27 AM


استمعت لحديث الأستاذ مهدي إبراهيم، القيادي في حزب المؤتمر الوطني و رئيس مجلس شوري الحركة الإسلامية " التي تساند السلطة الحاكمة، باعتبار هناك الآن حركات إسلامية" في الندوة التي أقيمت في شرق النيل، كواحدة من فعاليات الحوار المجتمعي، و هو حديث يحتاج إلي التعليق، باعتبار إن السيد إبراهيم ليس من المؤلفة قلوبهم، إنما كان ناشطا طلابيا في الاتجاه الإسلامي، و أحد قيادات الجبهة الإسلامية القومية، و الذي كانت قد اختارته الهيئة البرلمانية للجبهة الإسلامية و مجلس الشورى لكي يكون رئيسا للهيئة، و زعيما للمعارضة في العهد الديمقراطي، و لكن الدكتور حسن الترابي جاء إلي الاجتماع متأخرا، و غير الوضع، حيث جاء بعلي عثمان محمد طه بدلا عن مهدي إبراهيم، و ليس مستغربا عند المفاصلة أن يختار السيد مهدي كفة السلطة بدلا عن كفة الحزب. و السيد مهدي ليس عضوا يردد شعارات، و يسير تحت رايات، أنما هو شخص قارئ واسع الإطلاع و غزير المعرفة، و خطيب يطوع الكلمات، لذلك التعليق علي حديثه هو تعليق علي اتجاه بدأ ملحوظا يبرز داخل دائرة رواد الحركة الإسلامية، و خاصة عندما يكون هناك قصدا عن تغييب الحقائق، خدمة للمصلحة السياسية، و ابتعادا عن تعاليم الإسلام.
قال الأستاذ مهدي في حديثه كان يجب أن يكون هذا الحوار الجاري أول أجندة الحركة السياسية بعد الاستقلال، و لكنها لم تفعل ذلك، و رغم ذلك، يجئ الحوار الوطني بعد ستين عاما بعد الاستقلال، و قال إن الحوار الوطني يعتبر واحد من المنعطفات المهمة في مسيرة الوطن، و هو الذي سوف يحقق السلام في البلاد، بعد النزاعات و الحروب التي انتظمت البلاد، و المدارسة لمعرفة أسباب الرجوع إلي البناءات الأولية القبلية و العشائرية و غيرها، و يحاول السيد مهدي إبراهيم أن يحمل القوي السياسية إهمال قضية الحوار الوطني، و هنا نطرح سؤلا للسيد إبراهيم أنت كنت جزءا من نظام، و ما تزال فيه، لماذا رفض النظام أكثر من ربع قرن أن يستجيب لدعوات الحوار الوطني؟ بل النظام الحاكم هو الذي كان سببا مباشرا في الحروب التي اندلعت في كل مكان في السودان. عندما أعلن السيد رئيس الجمهورية في خطابه المشهور في مدينة بورتسودان قائلا ( من يريد السلطة عليه بحمل البندقية) و إننا لا نقبل المعارضة إلا بعد أن تتوب و تغتسل في البحر الأحمر. أليس هذا كان خطاب السلطة فيه كثير من التحدي، و دفع الناس دفعا لحمل السلاح، لماذا صمتت عضوية الحركة الإسلامية، و انتقدت هذا الحديث الذي يؤدي لنزاعات و حروب، و لماذا طوال هذه السنين العجاف لم تعلن الحركة الإسلامية أو النخب الإسلامية في السلطة ضرورة الحوار الوطني كمخرج، و وسيلة لحل المشكل، أم بريق السلطة كان يسدل غشاوته علي القلوب و يعمي البصيرة، أم غواية الشيطان و وعده لرب العزة ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) نعرف إنها مدافعك و الفائز من اعتصم بحبل الله .
إن واحدة من قبول التوبة عند الله أن يعترف العبد بخطيئته، و يسأل الله الغفران، و في السياسية لا يمكن أن يكون هناك إصلاح و النخب الحاكمة تحاول أن تبرر لأخطائها، و تبحث عن شماعات لكي تعلق عليها هذه الأخطاء، و النقد للسلبيات، لا تنتقص من الشخص، أو من الحزب السياسي، أنما هو دليل علي الوعي، و تأكيد علي قوة الإرادة علي التغيير، و لكن السيد مهدي إبراهيم يحاول أن يرمي بالأخطاء علي الآخرين. و إن الحوار الوطني الجاري الآن، أو الذي سوف يجري بصورة أكثر فاعلية و مشاركة في الغد بعد عودة الرافضين بسبب، ليس منة من أحد، و ليس هو نابع من نخبة المؤتمر الوطني، إنما هو نتيجة لنضال الحركة السياسية السودانية الرافضة لدولة الحزب الواحد التي يؤمن بها السيد مهدي، و يكرس لها جهده، و يحاول أن ينظر لها، و لكن بعد أن تعلقت في الذاكرة كثير من المأساة الإنسانية بفعل النظام، و نقول إن التوبة ربما تجب ما قبلها إذا كانت بحق، و ليس بسوق المسوغات و لوي عنق الحقيقة.
قال السيد مهدي إبراهيم إن الأخوة الجنوبيين هم الذين شوهوا صورة السودان في الخارج، و هم الذين جاءوا بالأجندة الأجنبية، و هذا حديث يجافي الحقيقة تماما، كان الجنوبيون يقاتلون السلطة المركزية من قبل الاستقلال منذ عام 1955، كما قال السيد إبراهيم و لكن لم تكن صورة السودان مشوهة كما هي الآن، رغم إن هناك دول و مؤسسات أجنبية كانت تدعم الحركة المسلحة الجنوبية، و لكن ارتكبت الإنقاذ أكبر أخطائها، عندما فصلت ألاف المواطنين من وظائفهم لشيء جنوه، إنما لأنهم ليس أعضاء في حركته، و جاءت الحركة الإسلامية بأهل الولاء ضاربة بحق المواطنة الحائط، و فتحت لهم باب الهجرة، و هؤلاء تم إعادة توطينهم في عدد من الدول الأوروبية و أمريكا و كندا و استراليا و غيرها، و أصبحوا مواطنين في تلك الدول و لهم حق التصويت و تسمع لهم السلطة في بلادهم الجديدة أكثر من أن تسمع لموظفي الدول الأخرى، و هيئاتها الدبلوماسية، هؤلاء هم الذي شكلوا حصارا علي النظام، و استطاعوا أن يشكلوا عليه حصارا خارجيا، أما تشويه صورة النظام، جاءت من بيوت الأشباح التي شيدها النظام، و التي كانت تمارس فيها كل انتهاكات حقوق الإنسان في عهد الدكتور نافع علي نافع، إضافة لمحاولة اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا، إلي جانب الشعارات التي كانت مرفوعة ضد "أمريكا و روسيا" التي قلتم دنا عزابهما، شنت أجهزة الدولة حرب إعلامية ضد دول الخليج في حرب الخليج ألولي، و خاصة المملكة العربية السعودية، كل هذه و تلك كيف يجد لها السيد مهدي تبريرا، و هي تجري تمارس تحت سمعه و بصره، و لكن الرجل كان من الذين جعلوا أصابعهم في أذانهم و استغشوا ثيابهم و أصروا و استكبروا استكبارا ، و يعتقد إن الذاكرة الشعبية خربة، لذلك يحاول أن يرميها علي الآخرين، مما يؤكد إن عملية الحوار الوطني في ذهن السيد مهدي إبراهيم هو عملية تكتيك، يحاول أن يستغفل بها الناس، لكي يعيد أنتاج نظام فشل في كل شيء، و قد أزكم فساده انوف الناس، رغم رايات الإسلام المرفوعة، هل تريد أن تتهكم فقط علي عقولنا؟ و إذا كان كذلك، أين موقع الآيات التي تحاول الاستدلال بها من الفعل السياسي اليومي، أليس الله يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، أم تعتقد إن السلطة هي رفاهية للقابضين عليها دون الآخرين، و هي عربات فارهة و فنادق غالية السعر تفوق فنادق الخمس نجوم، دون مسؤولية، و تحس الانتهازيين و المتملقين علي التصفيق، أو رفع للسبابة للتأييد دون واعز ضميري يحاسب من القي السمع و هو شهيد، و لكن كانت النخبة الإسلامية التي في السلطة لها أعين تتغافل الأخطاء، و لكنها مسألة يوما عند الله، عندما يقف الآلاف من المظلومين خصوما يوم القيامة، الآيات القرآنية هي دليل و عبرة للمتقين و تصحيح مسار و هدي و هداية، و ليس بهدف تزين الخطابات السياسية. يقول الله سبحانه و تعالي في سورة عمران ( إن الذين يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قيلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة و لا يكلمهم الله و لا ينظر إليهم يوم القيامة و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم) فكان من الأفضل للسيد مهدي أن يقف وقفة مراجعة مع الذات، و أمام الخالق الذي يردد آيات قرآنه، و يقر بالأسباب الحقيقية التي أدت لتشويه صورة السودان في الخارج، بدلا عن إرسال مسوغات للناس تعرف إنها غير حقيقية، أليس هو العقل السوداني الذي جاء بالتهكم علي الإسلاميين في السلطة " أدخلونا الجامع و ذهبوا هم للأسواق" إن من الفضائل العظيمة التي تدفع بالغفران قولة الحق حتى علي النفس و ليس الهروب غلي الأمام.
و في ذات الحديث يعرج السيد مهدي لكي يوضح ما هو الهدف من الحوار الوطني و يقول ( إن الحوار الوطني يجب أن يصل فيه المتحاورون لوفاق وطني، و ميثاق بينهم، و ثوابت وطنية تضمن في الدستور، و لكنه لا يتحدث عن ديمقراطية، أو إطلاق الحريات، أو عملية تحول ديمقراطي، التي تؤدي إلي تبادل السلطة بطريق سلمي، من خلال صناديق الاقتراع، لآن السيد مهدي فكره كله قائما علي دولة الحزب الواحد، علي الشمولية، و الزعامة بعيدا عن دولة المؤسسات، لذلك يهرب عن ذلك و لا يعرج علي هذا الطريق.
يا ليته السيد مهدي إبراهيم أن يخرج من عباءة السلطة، و ينظر حوله، و يتلمس خطي الآخرين، فالرجل يشغل رئيس مجلس شورى الحركة الإسلامية الموالية للنظام، و يتفقد شباب إسلاميون جدد في تفكيرهم و في تصوراتهم، كيف يديرون حوارات في غاية الأهمية حول مراجعات فكرية، يتخطون مقدسات مصنوعة صناعة من البعض حماية لمصالحهم الذاتية، شباب يعتقدون إن القدسية هي فقط للقرآن و الحديث و السنة المحمدية، و أية اجتهاد إنساني هو خاضع للدراسة و التمحيص و النقد، و لا يحاولون لوي عنق الحقائق لأنهم لا يبحثون عن سلطة بقدر ما يبحثون عن الحقيقة.
و أكد للسيد مهدي إبراهيم أنا واحد ضد أية استخدام للعنف، و الكفاح المسلح لأنها وسائل لا تصنع ديمقراطية، إنما هي تغذي مصادر الفكر الديكتاتوري، و النظم الشمولية، و نؤيد المراجعات الفكرية ليس فقط في وسط الذين مرجعياتهم إسلامية أنما لكل القوي ذات المرجعيات الأخرى، لأن المكتب السياسية السودانية رغم غني ممارساتها لكنها فقيرة في مخرجاتها الفكرية و في الأدب السياسي. و لكن ليس إيماني بالحوار مثل إيمان السيد مهدي الذي في حالة من الخصومة الشديدة مع قضايا الحرية و الديمقراطية.
و في الختام، نسأل السيد مهدي أن يفتح لنا صدره و ذهنه، و يجعلها أحدي إفرازات الحوار رغم محدوديته، و مراجعة للذات و الفكر، و تربطني بالسيد مهدي علاقة طيبة عرفني عليه صديقي الدكتور الصادق الفكي " الصادق الفقيه" سفير السودان الحالي في الأردن، عندما كان السيد مهدي يشغل وظيفة مدير الإعلام في منظمة الدعوة الإسلامية، و وكم جلسنا مع الرجل في داره العامرة في الصافية في جدال حول السياسة، ثم بعد أن أصبح نائبا برلمانيا في العهد الديمقراطي، و كنت في ذلك الوقت في إدارة الأخبار و السياسة بالإذاعة السودانية، و لكن لم انقطع الوصل بعد انقلاب الإنقاذ، و أظهر السيد مهدي رؤى جديدة و تحول في الفكر و الذهنية تناصر النظام الشمولي. و نسال الله لنا و لهم الهدي و الهداية و حسن البصيرة.
نشر في جريدة الجريدة الخرطوم
[email protected]






تعليقات 0 | إهداء 4 | زيارات 1909

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة