المقالات
منوعات
إلي أميرة إسمها أم درمان
إلي أميرة إسمها أم درمان
11-25-2013 04:24 PM

إلي أميرة إسمها أم درمان

عادل عثمان عوض جبريل

لندن ايسلنجتون
[email protected]


اهداء
الي كل شوارع ودنوباوي و حي القلعة


" من بلد الغربة والوحدة في الزحام
يريد أن
يرجع
يهرب
لكن كيف ؟
يريد ان يعود لبلاده
للصيف
وأن يبلله كالقمح والأشجار مطر الخريف
يريد ….....لكن بينه وبينها ينحفر الأخدود
وتشمخ القارات والبحار والحدود
وفي الظلام يسقط الجليد ...
يسقط الجليد "
عبدالرحيم أبوذكرى


قدرنا ان نهاجر...............نرحل و لكننا لم نترك الوطن خلفنا.........لقد اخذناه معنا.....

أمدرمان ياسادتي .... مدينة مدهشة ... زهرة لا تشبه إلا نفسها
فارقتها قبل عقدين من الزمان وكنت أردد كل لحظة في الغربة مع عمر البنا
امتي أرجع لامور وأعودا
أشوف نعيم دنيتي وسعودا
وعندما أعود إليها أحس أنني لم أبرحها لحظة حيث تستقبلني
بحب شمس صباحاتها العذبة تغسلني من هجير المنافي القاسية
قال محمد المكي ابراهيم في ديوان أمتي:
من جميع المطارات ...
بين الحقائب والنوم والإنتظار عبر تلك الدهاليز والمكرفونات ...
عبر وجوه المضيفات ... كان قلبي يذكرني إننا منك ندنو ...
وتدنين منا مع كل ثانية تستطار ... ثم أرجع القاك واقفة في المطار ...
طفلة في المدائن ، سيدة في القرى يغضب الصيف منها
وتجلدها الشمس كالذاجرة
ثم تأتي الأماسي ساعة بالنسيم الحنين
تطيب خاطرها وتمسح عن وجنتيها الغبار!”
أما امسيات امدرمان الفرايحية فتطوف بي سماوات السلطنة والطرب
فأكاد اغرق منتشياً في حقيبة فنها
الليلة كيف أمسيتو
ياملوك أم درمان يبقي لينا نسيتو
جلسن شوف ياحلاتن فزر في ناصلاتن
الناعسات كاحلاتن
وأورد مع العبادي وسرور
برضي ليك المولى الموالى
وعاذة الفراق بي طال وسال الدمع هطال
وفي حلتنا حي القلعة لا اترد لحظة في الإنضمام لجوقة كرومة وابو صلاح في (بيت اللعبة) ونغني:
العيون النوركن بجهرا غير جمالكن مين السهرا
يا بدور القلعة وجوهرا
وعندما يرد سلطان الطرب كرومة
ياليل أبقالي شاهد على نار شوقي وجنوني
تصل النشوة في ليل أمدرمان سدرة منتهاها فيصيح الشيخ الجليل قريب الله .... الله .... الله .... الله .... الله
في محراب جمال أمدرمان يغرق ويتيه الجميع ما بين ظبية المسالمة وشاكي لي ودنوباوي وخمسين البيان والفرع المال في بيت المال ويأخذني محمد بشير عتيق إلي بيت فرح في حي السيد المكي في البيان وننضم إلي جوفه المغنواتية ، وهنالك
قضايا ليلة ساهرة إتضمنت محاسن
من كل روضة عينة ومن كل عينة زهرة
الجو نسيمة رايق والغيم نشر مظلة
ما أحلا ديك مناظر فيها البيان تجلا
وعندما يشتد بي الوجد والشوق لأمدرمان أصرخ
حليل أمدرمان حليل ناسا .... وكيف أنساها وأتناسى
فيأتين صوت عبدالمنعم عبدالحي
أنا السودان تمثل في ربوعي
أنا ابن الشمال سكنتو قلبي على ابن الجنوب ضميت ضلوعي
ويهرول عبدالله محمد ذين من بوابة عبدالقيوم تجاه الطابية حيث يغاذل محبويته عند ضفة النيل الخالد عند الغروب
أنا أمدرمان لسان حالك
أريتك تدري بي حالي
وحبك بدري أوحالي .... أنا القدرت أحوالك
أقوم بأعظم الأدوار
وأكون الساحة للثوار
أنا الطابية المقابلة النيل .
وأنا العافية البشد الحيل
انا أمدرمان أنا الأمة وصوت الأمة وإحساسها
أنا التأسيسها بي تم وأنا للميت شتات ناسها
مزجت شمالها بجنوبها وسكبت شروقها في غروبها
والإنسان السوداني شديد الإرتباط بالأرض ويألف المكان الذي يعيش فيه و يحزن كثيراً على فراقه لأن إحساسه بالمكان أعمق وأقوى من إحساسه بالزمان . وصور الشاعر مصطفي عوض الكريم والذي عاش في لندن لفترة من الزمان ، حنينه إلي وطنه وإلي قريته كرمة في شمال السودان بقوله:
فلو كنت في عليا الجنان منعما تنادمني كواعب ضمر
يقدم لي الغلمان خمراً عتيقة يمازجها ماء الغمام المقطر
وزادى تدينة الملائك يانع من العنب المسحور بالخمر يقطر
ويقرا لي الأشعار جبريل منشداً بصوت رخيم والنبيون حضر
لقلت : أرب العرش عد بي لكرمة مني النفس فيها والنعيم المقدر

يرجع إسم اميرتي أمدرمان كما يشير المؤرخ محمد ابراهيم أبو سليم إلي عصر العنج السابق لعصر الفونج حيث كانت هنالك إمراة لها ولد يدعى (درمان) كانت تسكن منزلاً مبنياً من الحجر في منطقة بيت المال الحالية .
أمدرمان يا سادتي هي اللوحة البديعة التي باركها الإمام المهدي وبناها خليفتة عبدالله التعايشي وأسهمت في نهضتها كل قبائل السودان المتعددة دينياً وعرقياً وثقافياً بل إمتزجت في نسيجها كل الجماعات المهاجرة من غرب وشرق أفريقيا والإنجليز والمصريين والاتراك ، الشراكسة ، الشوام ، الأغريق ، الهنود ، الاقباط الإيطاليين اليهود ، الارمن والمغاربة .
أم درمان .... ستبقى وستظل أميرة النبل والعزة والكبرياء .... أقوى من كل جلاديها على مر العصور .... مدينة مدهشة لا تتوقف لحظة عن العطاء تماماً كالنيل الذي أستاذنها الجوار والقرب كما شهد بذلك عبدالله محمد ذين .


أنا أمدرمان سقاني النيل
رحيق العزة من كاسو
أنا اللى مجدو كنت دليل
وآية وحدة لناسو
أنا الفي الشاطي الغربي
وسقوط غردون مهر حربي
أنا النيل الطلب قربي
ومزج بين كافة الألوان
مدينة .... تشع معرفة وعلم ونور وثورة والإنتماء الحقيقي لها يعني الوقوف بصلابة مع جماهير شعبنا في كل قضايا الصراع السياسي والإجتماعي دون مساومة من أجل إنتزاع كل الحقوق كاملة غير منقوصة . هكذا علمنا العبقري خليل فرح (في عازة وفلق الصباح والشرف الباذخ) وتوفيق صالح جبريل وأولاد عشري وأولاد الكد وعلى المك .
تطوي أمدرمان إجنحتها علينا كل مساء وتجمعنا كالأطفال لتحكي لنا عن: المهدي وكرري وود تورشين وثورة أربعة وعشرين والمدرسة الأهلية ومؤتمر الخريجيين والأزهري والمحجوب وأكتوبر وأبريل ديمتري البازار وصديق منزولي وبرعي القانون والشيخ عوض عمر وخلوة بولس والمسالمة .
يا أحياء أمدرمان أم درمان القديمة باشقائق النعمان يا الملازمين وبيت المال والفتيحاب والعرضة والعمدة والعباسية يا فرسان أمدر الأشاوس .... يا أبوعنجة ودنوباوي وأبو روف وأبوكدوك . يا الحيشان والشوارع والساحات المرشومة الصدر بأوسمة الفخار والعز لا تنسوا أن تكتبوا على كل الطروقات بأن (الغزاة لم يمروا سالمين من هنا) لأن مهرك يأ أمدر كان آلاف الشهداء وكانت شهادة الأعداء في (معركة النهر) قلادة شرف وفخار لايدانيها شرف فأنت رغم حداثة سنك إلا أنك أصبحت أم المدائن وست الدنيا يا مدهشة .... تماماً كانت حبوبة فاطمة تردد أم درمان "إتولدت بسنونها" . في كرري كان صوت تكبيرات الأسود الإشاوس يختلط بغبار المعركة وهم يتسابقون لفداء الوطن العزيز كما أنشد عبدالواحد عبدالله
كرري تحدث عن رجال كألأسود الضارية
خاضوا اللهيب وشتتو كتل الغزاة الباغية
والنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانية
ما لان فرسان لنا بل فر جمع الطاغية
ولأن محمد عمر البناء أنشد:
الحرب صبر و اللقاء ثبات والموت في حق الإله حياة
وأصوات تأتي من ناحية النهر:
(يا بنية جرى الكلام للأسد الما بنضام .... أبوى مما تب قام .... أبوى قدحو سبق السلام)
(يابنية جري القدح ... للأسد الما إنفضح ... أخوى مما قام قرح ... وبحر المالح طمح)
(أنا ليهم بجر كلام ... دخلوها وصقيرها حام ... سم اب درق الجدادي ... تكل الجدري البعادي) (متين يا علي تكبر تشيل حملي ماياك على الخلاك أبوى دخري ... ما داير الك الميتة رماداً شح ... دايراك يوم لغي بدماك أتوشح ... أحي يا علي سيفو البحز الروس) .
أمدرمان .... سادتي هي أميرة الكرم والعطاء المتدفق كالنهر . دست في حقائب سفري للمنافي البعيدة حنين خرافي لا ينضب بل يزداد كل يوم . هي كالأم تماماً وطالما كانت تأخذ بيدي بعطف وننتصر سوياً على قساوة المنافي ومشقاتها بعزم وثبات في بلاد (تموت من البرد حيتانها) ونحن نرتشق القوة سوياً وهي ترتجف من البرد وتضحك بشدة وأنا افتح خزائن ذكريات ذلك الزمن الجميل.
أتذكري يا أمدرمان بعض شقاوة الطفولة والشباب عندما كنا نخرج في مظاهرات عارمة من المدرسة الأهلية العليا حيث نتيجة أولاً لمجمع مدارس الثورة (شارع المدارس) ونتعمد إخراج مدارس البنات ليكونوا خلفنا فى المظاهرة حتى نثبت ونركز من مواجهة قوات البوليس والإحتياطي المركزي ولكي نشجع الطالبات على مواصلة التظاهر لأطول فترة كنا نقطع الهتافات الرئيسية ونردد بصوت عالي (بنات العام حاجة تمام بنات العالي عرس طوالي) فتتعالى الهتافات والصفير وتتواصل المظاهرة (يا بوليس ماهيتك كم ورطل السكر بقى بي كم) ... و(لن يحكمنا البنك الدولي) .... وبعدها يبدأ الصدام مع قوات الأمن وغالباً ما كان ينتهي بنا المطاف في القسم الشمالي .
وعندما إكتشف البوليس مكرنا ودهاؤنا أصبح يقف حاجزاً بيننا وبين (شارع المدارس) .
أم درمان ...... سادتي هي نجمتي ونبعي وفخاري ..... هي بطاقة هويتي .... لقد توحدت وذبت فيها ...... صرت بعض من أبنيتها القديمة .... حكاويها القديمة ... روائحها العتيقة (ريحة ترابها ... أبرى رمضان ... خبيز العيد ...ريحة البخور والطلح والصندل ... غبار الدافوري ... ريحة سوق الجلود والملجا) .
كما قال ايليا ابو ماضي
فالمرء قد ينسى المسئ المفتري والمحسنا
والخمر والحسنا والوتر المرنح
والغنا ومرارة الفقر المذل
بلى ولذات الغنى
لكنه مهما سلا هيهات يسلو الموطنا
في كثير من الاحيان كنت اتعمد تجاهل هويتي وأعرف نفسي بها وبشوارعها وبحكاياتها ونكاتها فهى رغم بعدي عنها صارت إسمي ومهنتي وعنواني وأسماء أولادي وأحفادي لاحقاً ، ويحكي الفنان الجقر أن الشاعر عبدالله محمد زين أسمي إبنته أم درمان تأكيد لعشقه بها وبعد إلحاح وتدخل الكثيرين إستبدال الأسم بعازة .
أمدرمان ... يا أمي إني لن أخبئ فجوري وعقوقي وسوأتى خلف ظلال الكلمات وفي دهاليز الحواشي واذقة العبارات الشمطاء . لا ... لن افعل ذلك ... بل أدين نفسي إدانة كاملة في كل ساحاتك العامرة ... في حوش الخليفة وميدان البحيرة وساحة العرض وحمد النيل واستاد الهلال والمريخ والموردة وسجن الساري . وفي كل أسواقك السوق الكبير والجديد ... سوق الموية... سوق الشجرة ... سوق التشاشة ... سوق الطواقي ... سوق أم سويقة ... ودكاكين الطاهر .
كيف تتملكني الجراة و العقوق بأن أهجرك عقدين كاملين هل هنالك جرم أكثر من هذا؟!!!!
كيف أبيع الذهب واللاذورد بفتات التراب
لقد أصابتنا بعدك يا أمدر لعنة المنافي والشتات ... وأصبحنا كطائر الكبلانق الذي لا ينام ... فما أن نستقر في إحدى محطات الشتات ردهة من الزمن حتى نسرج خيل الترحال إلي منفى جديد مرة أخرى ... إنقطع حبلنا السري بالأرض التي لا تشبه ترابك وإنتفت كل قوانين الجاذبية.


خسران ... يا سادتي وإن جمعت في غربتي عشرة أضعاف وذني ذهباً وشيدت هنالك القصور والحدائق الغناء ... فالحياة في ربوع أمدر ... هناء ... رضى ... يقين قناعة وراحة بال . وما أقسى وأتعس ليالي الغربة ففيها كما قال الحلنقي ومحمد الأمين (صبحت دمعتنا وسادتنا وكده حاول أعرف لينا خلاص...)
أميرتي أمدرمان ... لا تربتي على رأسي وتضميني إلي صدرك الحنون يا رائعة ... لا تمسحي دموعي وتقبليني ... لا تعددي لي الأعذار ... إنت بهذا تزيديني شقاوة وعذاب . دعيني أقضي بقية عمري ، أكفر عن ذنبي و خطئي ... سأحلق رأسي (نمرة واحد) وأعدو حافياً في كل شوارعك وحواريك أطلب السماح والعفو من الترزية والسمكرجية والنواتية والاسطوات والعمال والطلبة وبائعات الكسرة وستات الشاي ... سأغرق في جوقات المغنواتية والمسحراتية والزفة وبيوت الظار وبيوت تعليم العروس. سأتمرغ في تراب حلقات الذكر في حمد النيل وأردد الأوراد مع الإسماعيلية والختمية والسمانية والأنصار ... وفي ليلة (قفلة المولد) سأختفي من الحشود وأعبر (بالطرق الشاقي الترام) حتى أصل ملتقى النيلين ... أغوص في النهر ... أتطهر من داء المنافي والشتات ... أسأل الله العفو والعافية ... أشاهد في منامي الخليفة يقطع بحصانة النهر ويطير ومن معه وأصواتهم وتكبيراتهم تعلو... تعلو تلامس أطراف السماء ….. و اسمع محمد عبدالحي يردد :
أروح جدودى تخرج من فضة أحلام النهر
ومن ليل الأسماء تتقمص أجساد الأطفال
تنفخ من رئة المداح وتضرب بالساعد عبر زراع الطبال
الليلة يستقبلني أهلي: أهدوني مسبحة من أسنان الموتى
ابريقاً جمجمة مصلاة من جلد الجاموس
رمزاً يلمع بين النخلة الأبنوس
لغة تطلع مثل الرمح
من جسد الأرض وعبر سماء الجرح .
قبل شروق اليوم التالي بقليل أخرج من قاع النهر قبالة الطابية وبوابة عبدالقيوم عارياً من ذنوبي كما ولدتني أمي مرتدياً الجلابية (العلالا) ومركوب النمر... أصحوا من نومي تملؤني طمأنينة مدهشة لاحدود لها أرفع يدي إلي السماء وحبيبات الثلج تقرع نوافذ غرفتي ... أردد... يارب ... يارب ... يارب.
أميرتي أمدرمان... المدن كالنساء تفرح ... ترقص وتخاف وترسم على مقلتيها لوحات متعددة للعشق والهيام . .. كل مدينة أنثى ... تبرز مفاتنها ... تغنج ... تحكي معسول الكلام ... وتهئ نفسها لزمن القطاف ... في المنفى ما أكثر الأشجار البكر المتدلية الثمار ... تنتظر خيول العشق ... تطرق بوابات الصبح القرمزية وتراود نسمات الفجر عن نفسها ... لكن يا أمدر ... وانت ترخين جدائل عشقك حولي كالملائكة ... ويحرقني شوقي اليك كالمريد في معراج الطاعة وتغطيني أنوارك... أدرت وجهي عن المدن المشتهاة ... المغطاة بأجنحة الحرير الشفاف تتسلل بأريج عطرها خلسة داخل سراديب الروح ... كل مدن المنافي خراب لأني وحدي قيسك ياليلتي يا أمدرمان أصابتني لوثة العاشقين منذ آلاف السنين جعلتني ... أطوف بين المحار وأزقة القصائد أبحث عن صدف الكلام وجنيات البحر التي تأخذني اليك ... يا مدينة تشبهينني وأشبهها ... في كل شيئ ... فرحي وحزني ... مخاوفي وظنوني ... في التفاتتي وطريقة تصفيف قوافي قصيدتي ... تشبهنني حتى في نكهة قهوتي الصباحية .
لقد جعلتني خطيئتي يا أمدر أن أرفعك إلي مرتبة القديسين وأن أتطهر من خطاياي بالسعي في مدارج عشقك وأرتقي أعلى مراحل العشق والهيام وأسميك المدينة الإفلاطونية الفاضلة . لقد تسكعت في مدن كثيرة في شوارعها ... في متاحفها .... في حاناتها ... في زخمها و فوضويتها ... لقد أحبتني أمستردام بجنون وفاضت على بكريم عطاياها ... لكنها بكت حرقة عندما أخبرتها محال أن أعشق أمراة غيرك يا امدرمان …..
تسكعت في مدن عظيمة وارفة الظلال تمثل مراكز إشعاع للمعرفة والحضارة الإنسانية والحداثة ... باريس ولندن ونيويورك ... وبقدر ما تمثل هذه المدن العقل ... أنت روحي
يا أمدرمان أليست أنت حفيدة الحضارة النوبية القديمة؟!!!
اعترف بأنني أحبك وأعشقك حتى الجنون لك مقدرة هائلة على الإغواء ...
لقد همستي في روحي وجعلتيني ذلك السندباد الذي ينطلق من أرضك أرض ألف ليلة وليلة ... أجوب العالم وأعود إليك بعد كل رحلة أليست أنت الحضن والدفء والرحم؟ !!!
لقد أصبحت أنا أرغوان و أنت يا أمدر إلزا وباريس .

يرى د. عبده بدوي إن طائفة من الشعراء السودانيين إنبهروا بشقروات وحسان الغرب واوروبا وأكثر ما كان يفتنهم منهن هو الشعر الأصفر فكتب محمد سيد النور شعراً في يونانية وحسن عزت في المانية و باخريبة في إسبانية.
قال محمد الواثق:
متى أمر على باريس منطلقاً حيث الأنس وحيث العيشة الرغد
وقد كنت القى بها (مونيك) يعجبني جمالها الغد من لين ومن أود
ويقول يوسف التني في حسناء سويسرية

إن في شعرك المذهب معنى
عسجدياً وثنية ذوب شعاع
قلت: من أبدع المفاتن هذى
فأجابت في ضحكة وتداعي
أبدعتها أم الجمال سويسرا
وسويسرا عظيمة الإبداع

و يقول محمد أحمد المحجوب:
ذات شعر مصفف وقوام
وحديث كأعذب الألحان



لكن يا أمدر ... لم يسحرني الغرب بكل حسانه شقرواته عنك ياحلوة العينين ...
تأملي بوح يوسف التني لأمراه (مشلخة)
فينوس من ساق الجمال مصوراً في ذي غادة
يضي على قسماتها نور الملاحة والقصادة
وقول محمد المهدي المجذوب:
وحفرة بدخان الطلح فاغمة تندي الروادف تلوينا وتعطيراً
لمحت فيه وما أمعنت عارية تخفي وتظهر مثل النجم مذعوراً
مدت بنانا به الحناء يانعة ترد ثوباً إلي النهدين محسوراً
قد لفها العطر كالغيم منتشرا بدر الدجى وروى عن نورها نوارا
كم أنت رائعة يا صديقتي أمستردام وكم كان حب أم درمان وعشق أهل وحواري وحكايات أم درمان يجري في دمك .... أتذكري تلك الليلة الرائعة التي أهديتني فيها ديوان أم درمان: المنجل والسيف والنغم لشاعر المقاومة الفلسطينية توفيق زياد .... أحضرتي ذلك الديوان من بيروت وكان هدية عيد ميلادي .... كم كنتي جميلة وسعيدة وأنت تقرأي قصيدة حبيبتي أم درمان بلغة هولندية عذبة وسط تصفيق الحضور :
أعطني حبة سكر .... منذ عامين وفي حلقي مرارة .... أعطني حبة سكر
أم درمان تناديني .... وفي قبضتها سيف معطر
وأنا أشعر نفسي سيدا ينهي ويأمر .... رأيت تكبر من الشمس
وتكبر وكياني كله يخضر نشوان ويخضر
ويتواصل التصفيق:
أتركوني وحدي الآن أغني .... أم درمان على الباب .... أتركوني
أتركونا وحدنا هذا النهار .... أنا والحب الذي جاء على غير إنتظار
أتركونا وحدنا هذا النهار ....
أعطني حبة سكر .... وسلاماً أنت يا فاتنتي السمرا سلاما !!!
لك من كل الصعاليك اليتامى وإماما أنت يا زهرة راياتي إماما ....!!
أشعر بدفء جارف وطمأنينة وراحة بال وأنت تستقبلينني في كل زيارة للوطن عند ذلك النيل الخالد وقدماي تطأ أرضك الطاهرة ...... أحس أني أملك الدنيا و ما فيها وأنت بجواري تمدين نحوي جسور خرافية من المودة والحب وتسألينني عن أحوال الغائبين …... لم تهتمي مطلقاً بالهدايا التي قدمتها إليك وكانت كلماتك برداً وسلاماً ... عودة أبنائي أكبر هدية ألستم أنتم أنا!!!!
أحس أني وجدت أمي بعد أن ضعت منها في ليلة " قفلة المولد" وبعد أن وجدتها تشبثت بثيابها بقوة وغمرتني أمواج عطفها وأمومتها ... كأني أريد أن أعود إلي رحمها مرة أخرى هروباً من كأبة العالم ووحشته .
أي جنون أنت ... أي عشق أنت يا أمدرمان!!! .
أمدرمان ... ياوردة مفتوحة الصدر ... باذخة العطاء لنحل ذكرياتنا يمتص رحيق الحنان كما يشاء وترقص أجنحته إعتذازاً وطرباً أتوسل إليك ببركة شيوخك الأتقياء ود أم مرحى والصائم ديمة والشيخ دفع الله والشيخ الجعلي و الشيخ قريب الله وود أرو وقدح الدم أستسمحك كل صباح أن تسقي أصيص الورد على شرفات شتائي ووحدتي بعد أن تجمعي شعرك الطويل وتتشري عطرك في أرجاء سراديب غربتي .
أعتذر عن تطاولي وجرأتي بالكتابة عنك يا أمرأتي ... فكلماتي لا ترتقي مكانك السامي ...
أنا لست الخليل ولا على المك وغيرهم ممن عشقوك ولكن في محراب جنانك وعشقك وحبك أزاحمهم بالمناكب وأحكي لكل الدنيا عن عناقيد حكايتك المدهشة ... الكتابة فيك لها سحرها الخاص تشفيني وتطيل أيام عمري ... أنت تماماً في مقام دمشق نزار قباني وقاهرة نجيب محفوظ وطنجة محمد شكري ... لك مقدرة ساحرة على استثارة مشاعري ... تغويني دائماً بالكتابة عنك يا أمدر ... تدفعينني دائماً إلي البوح ... تغويني أكثر مما تغويني المدن الحديثة حيث جبال الأسمنت والحديد والزجاج التي مهما تزينت بالأصباغ وأحمر الشفاه الا أنها مدن عديمة الروح .

أم درمان يا حلوة العينين ... ستضحكين كثيراً عندما تعلمي أنني سأقضي ثلاثة شهور كاملة في أرضك الطاهرة ضمن برامج العودة المؤقتة للكفاءات المهاجرة والذي تشرف عليه منظمة الهجرة الدولية بالتنسيق مع الحكومة الهولندية ويهدف إلي إدماج المهاجرين في مجتمعاتهم الأصلية مرة أخرى . هؤلاء الأوروبيين (داقسيين) حقاً .
فأنا وأنت شيئ واحد مهما باعدت بيننا المسافات وإمتدت البحار والمحيطات ... لم تغيبي عني لحظة واحدة طيلة هذه السنوات ... (وأنا والأشواق في بعدك بقينا أكثر من قرايب ... ما بنغيب عن بعض أبداً ... ذي أعز أتنين حبايب) كما غني الأستاذ محمد ميرغني . وكان لي عظيم الشرف أن تستضيفنني جامعة الأحفاد والأكرمين آل بدري . فهذه الجامعة تعتبر رائدة في مجال التعليم النسوي على المستويين العربي والأفريقي إضافة إلي سمعتها العالمية المرموقة . فعشرات الألاف من خريجات الأحفاد يحملن مشاعل العلم والمعرفة ، ويسهمن بجهد مقدر في مسيرة التغيير الإجتماعي والتقدم والتنمية . وتعتبر مؤسسة الأحفاد إضافة إلي المدارس الأهلية وجامعة أم درمان الأهلية تجربة أمدرمانية خلاقة تحكي عن عظمة هذه المدينة وأهلها . وكان لي الشرف ثانية أن تجتمع نصوص هذا الكتاب والتي كانت مثل العصافير التائهة في ظلال هذه الدوحة الوارفة ... جامعة الأحفاد ...في حي العرضة حيث مازالت أصوات جيوش المهدية تعطر أرجاء المكان ويأتي من بعيد صوت إحدى مغنيات الداون تاون (ناس الأحفاد بتحبوا يخشو للزول في قلبو) و (الجامعات البدورا أنا لازم أزورا) .
أم درمان ... يازهرة النارينج... أيتها الأميرة الرائعة الجميلة ... كم نحبك ونعشقك ... ستسهرين دائماً معنا وسندخن سوياً النرجيلة ونغني لفيروز ومحمد ميرغني وزيدان وماريا كيري وسلين ديون وسميرة دنيا وترباس ... سنحملك في حقائب سفرنا وستملين الإنتظار الطويل في صالات الترانزيت ... لكن أليس أنت البحر والحضن والرحم والحنان؟!!!!
وما انا إلا زهرة برية تنمو في شاطئك تبحث عن الدفء والهوية واليقين .
أمدرمان ... سيدتي ... يا نقية كشهداء كرري ... يا شامخة كسنديانة جذعها في الأرض وفروعها في السماء ... هل لكل أن تمنحيني مزيداً من الشرف والعزة والإنتماء بأن أزرع بذور حكاياتك في أصقاع المنافي البعيدة ؟؟؟!!!
أمدرمان ... حبيبتي ... أمي ... استسمحك أن أعزي نفسي كل مساء ... وأنعي ليل غربتي الطويل ... قدرنا أن نهاجر ... نرحل ولكننا لم نترك الوطن خلفنا ... لقد أخذناه معنا ... أستسمحك أن أردد مع خليل فرح تلك الكلمات التي سكب فيها عصارة وجدانه وحبه وإنتماؤه لأمدرمان وللوطن:

ما هو عارف قدمو المفارق
يامحط آمالي السلام
في سموح الصيف لاح له بارق
لم يزل يرتاد المشارق
كان مع الأحباب نجمة شارق
ما له والافلاك في الظلام
ويح قلبي الما إنفك خافق
فارق أمدرمان باكي شافق
يا أم قبائل ما فيك منافق
سقى أرضك صوب الغمام
الضريح الفاح طيبة عاب
السلام يا المهدي الإمام
من فتيح للخور للمغالق
من علايل أبو روف للمزالق
قدله يا مولاي حافي حالق
بالطريق الشاقي الترام
ما يئسنا الخير عودة سايق
الحي يعود إن أتي دونه عايق
إلي يوم اللقا وأنت رايق
السلام يا وطني السلام

عادل عثمان عوض جبريل
امدرمان
جامعة الاحفاد
١٤نوفمبر٢٠١٠
[email protected]

ملحوظه
هذه هو نص من كتابي امدرمان يا مدهشة من اصدارات دار عزة بالخرطوم


تعليقات 7 | إهداء 1 | زيارات 2836

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#838561 [masood abdlwhab]
0.00/5 (0 صوت)

11-26-2013 10:39 AM
والله يا عادل ما عارف اقول شنو قلبت المواجع ابكيتني في هذا الصباح كما لم ابك من قبل فامدرمان عايش فينا مش عشن فيها شكرا لهذه القطعه الادبيه


#838434 [محجوب عبد المنعم حسن معني]
0.00/5 (0 صوت)

11-26-2013 08:55 AM
عادل السمح يا ود السمحين
شكراً كما قال العم شوقي بدري
اخوك محجوب معني


#838173 [shawgi badri]
0.00/5 (0 صوت)

11-25-2013 09:25 PM
عادل انا فقط اقول ، انني لم اجد ما اقول ، سوي شكرا


#838096 [kanzman]
0.00/5 (0 صوت)

11-25-2013 07:58 PM
`نحنا عايشيين فى امدرمان وما شايفيين البتقول فيهو دا
الظاهر الواحد لازم يطلع عشان يشوف الحاصل
الانقاذ دمرت اهم ما يميز امدرمان وهو انسانها الرائع


#838043 [سودانى طافش]
5.00/5 (1 صوت)

11-25-2013 07:07 PM
أخى عادل ..أنت عليل بعلة لاشفاء منها وهى معروفة ب(متلازمة) أمدرمان وهى نفس الحالة التى أدت بشاعرنا أن ( يقدل) حافى حالق فى الطريق الشاقيهو الترام ..!
إن رجعت ( أمدرمان ) فلن تتعرف سوى على ( الأطلال ) فالشوارع ليس هى نفس الشوارع والأزقة ليست هى نفس الأزقة حتى المقابر وساكنيها الذين كنا نزعجهم بمرورنا بينهم من ( الأهلية) وحتى مجمع المدارس تغيرت وإستوى سور كالح مابين الموتى والأحياء ..!
حتى ان ألقيت التحية على أحدهم سيبحلق فى وجهك ببلاهة وكأنه يتسائل فى قرارة نفسه ماهذا الفضولى ومن أى كوكب أتى .. ! هل تعرف عندما أذهب لأمدرمان أتعمد أن تكون مواصلاتى ( الباصات ) ولكنى أصاب بالخيبة فلاأحد يدفع عنى ( قرشا ) ولاأتعرف على أحدا لكى أدفع بالأنابة عنه ..!
لاأحد يحكى لك عن أمدرمان فكل ( الجميلين ) رحلوا فلن تجد ( محى الدين فارس ) يحكى لك بكل بساطة عن ماحدث ليلة أمس فى ( الريفيرا ) وكيف أن أمدرمانيا لم يتجاوز ( الخلوة ) جعلة ينصت فى خشوع لشعر رصين لايستطيع أن يجاريه ولايجد فيه هفوة ..!
أخى ( البائس ) عادل .. إن كنت سترافقنى نجلس القرفصاء بسراويلنا عند الطابية وتحلق لى رأسى ( زيرو) وأحلق لك رأسك ونغمسهم فى النيل ووجوهنا نحو توتى وبعدها نذهب سوق ( الملجة ) نأكل عجور بالشطة فأنا معك .. وإلا دعنا نموت هنا فى هذه البلاد التى تموت من البرد حيتانها ..!


#838040 [monemmusa]
0.00/5 (0 صوت)

11-25-2013 07:02 PM
السلام عليك/اخي عادل مقالك هيج فيني الزكريات الجميلة والحميمية الاصيلة المتجزرة في أبناء امدرمان،كيف لا وكل ما اجتمع أبناء امدرمان في بلاد الغربة وهم لا هم لهم سوي تزكر امدرمان وايام امدرمان وحسان امدرمان وحواري امدرمان اتزكر عندما التقينا في مطار الخرطوم نحن ثلاتنا انت وعبدالمنعم (جاسوس) وشخصي الضعيف،انت قادم من بريطانيا وجاسوس قادم من امريكا وانا راجع الي المانيا.
لك مني كل الود والتحايا


#837929 [بشرى]
0.00/5 (0 صوت)

11-25-2013 05:11 PM
والله يا عادل مقالك يستحق القراءة والنسخ كلنا من امدرمان واصابتنا لعنة الغربة وعندما اجد مقال كهذا اقرأه عدة مرات .كنت اتابع مقالات شوقى بدرى عن امدرمان زمان.لكن مقالك ممتاز.اتمنى لك التوفيق فى غربتك وغدا سنعود لامدرمان وترجع الافراح والليالى الملاح.


ردود على بشرى
European Union [طه جعفلر] 11-26-2013 05:03 PM
من عشقي لامدرمان لن اقول غير .... رحم الله امي .... وابي .... اللهم ان كان قبري في بلادي فالتخرج جنازتي من امدرمان عبر شوارعها الضيقة في المسالمة مرورا بمدرسة الهجرة الابتدائية حتى قبر والدي وامي ... لاكون بقربهم وقرب احبابي واصدقائي ومن فقدهم واناخارج الوطن ...


عادل عثمان عوض جبريل
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة