المقالات
السياسة
معالم الهوية والبصمة الصوتية
معالم الهوية والبصمة الصوتية
11-29-2013 06:32 PM



مع مرور السنوات تتغير معالم الإنسان سواء بالتجاعيد أو الشيب أو الزحف الصحراوي على الرأس، وقد يصاب بالنحول جراء عله أو عنت الحياة الشاقة بعد أن كان قوي البنية مفتول اليدين كما قد تبدو عليه بسطة في الجسم ونعمة بعد أن كان نحيلاً وفقيراً، أو قد يتحول لونه إلى السواد الداكن بدلاً من اللون الفاتح الذي لازمه لسنوات. وكثيراً ما يتردد الشخص في التعرف على صديق الصبا الذي لم يلتقيه لسنوات إذا ما أصابته واحدة من هذه المتغيرات فيجد الشخص نفسه محرجاً خاصة إذا تعرف عليه الطرف الآخر وسرد شيئاً من ماضي الذكريات التي كانت بينهما دون أن تسعفه الذاكرة باسترجاع شريط حياته بهدف الخروج من المأزق.

قبل أيام التقيت، في بيت عزاء، بشخص أطلق لحية ناصعة البياض وبدت على جسمه بسطة فحياني بالإسم وأدلق عبارات تنم عن معرفة تامة بشخصي. تظاهرت حينها بمعرفتي له ولكنني لم أبدِ تجاوباً بذات الحميمية التي غمرني بها. وعندما جلس بعيداً سألني من كان يجاورني عما إذا كنت قد تعرفت بالفعل على ذلك الشخص أم لا. قلت له إن هذا الشخص ليس غريباً، ولكن إذا ما أزيلت لحيته وتم إنقاص بسطة جسمه قليلاً سيكون عبد الفتاح الذي باعدت بيني بينه السنوات. إندهش جاري لفراستي، لأن الإسم الذي ذكرته كان صحيحاً، ولاحقني بسؤال عن الوسيلة التي استخدمتها للوصول إلى التخمين الصحيح بهذه السرعة لأن ملامح ذلك الشخص تغيرت تماماً. قلت له إن صوته كان مفتاح السر لأنه الشيء الوحيد الذي لم يتغير فيه.

وكنت في أحد ايام الغربة ضيفاً على صديق، فرنَّ جرس الدار بفعل شخص أراد مضيفي أن يتحقق من شخصيته قبل السماح له بالدخول، فإذا بذلك الضيف يجادله بصوت مسموع مستنكراً التحقق. عندها قلت لمضيفي أن هذا الشخص من خلال نبرات صوته وأسلوب رده يذكرني بصديق يدعي عادل عباس فارقته لأكثر من ثلاثين عاماً، ففتح له الباب معتقداً أنني أعرفه حيث ولج ذات الشخص الذي ذكرته علماً بأنني لم أكن أعلم من قبل إنه مغترب أيضاً ويزور مضيفي من وقت لآخر. كانت المفاجأة حين تعانقنا وانبهم سيل الذكريات لأن صديقي عادل لا زال يحفظ لي مكاناً في ذاكرته خاصة وأن ملامحي لم تتغير كثيراً.

لكل إنسان بصمة أصابع تختلف عن بصمة الآخر وهي الوسيلة التى تستخدم في الأدلة الجنائية والتحقق من هوية الشخص وقد أضاف لها العلم الحديث بصمة العين التي تعتمدها بعض الدول في مطاراتها. وتأكيداً على فرادة البصمات، لكل شخص بصمة أو نبرة صوت تميزة عن الآخر كان الإنسان منذ فترة يميز بها بين الأشخاص إضافة إلى وسيلة اللمس أو الشم عند الكفيف. ومن ناحية علمية فإن بعض التقنيات الحديثة وأنظمة الحاسوب تستخدمها بديلاً لكلمة السر بل ربما يعتمد تطبيقها على الهواتف الجوالة فلا يتم تطويعها للإستخدام إلا بواسطة صوت صاحبها المسجل بديلاً لكلمة السر. ولما كانت بصمة الصوت مبذولة من خلال التخاطب للألتقاط والتخرين بواسطة الآخرين فقد اعتمد عليها الكثيرون في التفريق بين الناس، لكن مع إنها بصمة مميزة ربما تفلح قدرات وبراعة بعض الأشخاص في تقليدها لدرجات متفاوتة. فمثلاً يستطيع شخص أن يقلد مطرباً ولكن ليس إلى درجة التطابق التام. وأذكر ذات يوم ونحن نتسامر كأصدقاء بالحي، أن سمعنا من يغني في حفل زواج بصورة جعلت البعض يراهن على أنه الفنان زيدان إبراهيم, إلا أنني كنت مصراً على أنه ليس زيدان نسبة لنطق ذلك المغني كلمة واحدة بغير طريقة زيدان، فدخلوا معي في رهان إلى أن ذهبنا للحفل لنجد المغني شخصا آخر مما يؤكد أن لكل شخص بصمة صوت مميزة.


[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 977

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#843642 [صلاح يوسف]
1.42/5 (8 صوت)

12-01-2013 06:11 PM
شكرا أخي فيصل مصطفى القاص الذي جمعتني به لقاءات ومنتديات ودار حسن ابو كدك . لقد اغتربت فعلا أوائل الثمانينات ست سنوات بسلطنة عمان و بعدها أكثر من عشرين سنة بالسعودية وها أنا الآن بأرض الوطن.
وشكرا لك أيها الواحد الفنان فقد تابعت تعليقاتك على مقالاتي علما بأن ما ينشر هنا يكون قد نشر في ذات اليوم بجريدة الخرطوم مع صادق ودي لكما


#842975 [فيصل مصطفي]
3.78/5 (10 صوت)

12-01-2013 01:34 AM
هل أنت صلاح يوسف
الشاعر عضو تجمع أبادماك ؟
الذي إغترب في سلطنة عمان
خلال عقد السبعينات
أم شخص أخر ؟


#842099 [واحد فنان]
3.85/5 (10 صوت)

11-30-2013 12:02 AM
الاستاذ صلاح يوسف مقال له "بصمة" مميزة واسلوب شيق .. ونعرفك كتاباتك من أيام صحيفة الخرطوم في التسعينيات مع التقدير والاحترام.


صلاح يوسف
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة