المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
أسامة الخوَّاض
استعمال النص-الحلقة السابعة
استعمال النص-الحلقة السابعة
12-06-2013 09:56 AM

استعمال النص

الحلقة السابعة

الحياة الشخصية للمؤلفين و نصوصهم

درس "جين مورس" و "أمبارو"

يرتبط تطبيق منهج السيرة الذاتية للمؤلف بعدة مزاعم منها إثبات أن النص له علاقة وثيقة بالحياة و الواقع ،و كمضاداة للاتجاهات الشكلانية في مقاربة النصوص الإبداعه،مما يعكس طريقتين في مقاربة النصوص "الداخل و الخارج".و منهج السيرة الذاتية يرى ان النص المبدع هو انعكاس للحياة الشخصية لمؤلفه،و من هنا الاهتمام بالسير الذاتية للمؤلفين.و هناك من يتحرك من الخارج أي السيرة الذاتية و يفتش في النص عما يشابه الحياة الواقعية للمؤلف الفعلي،مما يعتبر شكلا من اشكال استعمال النص، و قد يقود إلى قسر النص لكي يتوافق مع الحمولة الخارجية من المعلومات الواقعية التي أتي بها "القارئ" مستعملا للنص.

و يبدو أن تضخيم ذات الكاتب ما تزال آثاره حاضرة إلى الآن. يقول ماريو بارغاس يوسا " في رسائل إلى روائي شاب"ص 7 عن دور الرومانسيين في صياغة مفهوم الكاتب في إطار حديثه عن "الميل الأدبي" (1) . و اكتسبت دراسات السيرة الذاتية أهمية جعلت منها العامل الرئيس في مديح القرّاء للنص "راجعْ جنيفر وول في دراستها عن سونيتات الشاعرة الفيتكتورية اليزابيث براوننق ".

و تبدو هذه المقاربة الميكانيكية التي تربط بين السيرة الذاتية للكاتب و نصوصه ،كما يرى غولدمان مناسبة مع النصوص البسيطة و المتوسطة التعقيد أي تلك النصوص الشفافة التي يمكن من خلالها أن نرى بسهولة انعكاسات الواقع فيها.لكن تلك المقاربة تفشل فشلا ذريعا في رؤية الواقع العياني في النصوص المعقدة.و لنضرب مثلا سودانيا:
هل يمكن انطلاقا من السيرة الذاتية لمحمد عبد الحي أن نقرأ "العودة إلى سنار"؟

و حتى محاولات الربط بين السيرة الذاتية للطيب صالح و مصطفى سعيد أو الراوي فشلت فشلا ذريعا،مما جعل المتبنين لمنهج السيرة الذاتية أن يبحثوا عن شخصيات أخرى واقعية يمكن أن تكون هي "مصطفى سعيد"،و فشلوا أيضا فشلا ذريعا،و لم ينجحوا في إثبات مزاعمهم،و قد شهدنا في محاولة البدوي مثالا ناصعا على ذلك الإخفاق النظري و التطبيقي.

من خلال محاولة تأسيس علم اجتماع الأدب،تم الانتقال من المفهوم الضيق للمؤلف من خلال سيرته الذاتية الى فهم عصره، باعتباره فردا من فئة اجتماعية محدده. فهو أي المؤلِّف–بحسب لوسيان غولدمان-يمثل رؤية العالم لفئة اجتماعية محددة .و هاجرت تطبيقات البنيوية التكوينية إلى الفضاء الثقافي العربي من خلال التونسي الطاهر لبيب في كتابه "سوسيولوجيا الغزل العربي-الشعر العذري نموذجا" و المغربي محمد بنيس في كتابه "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب-مقاربة بنيوية تكوينية"،باتباع مرحلتي الفهم و التفسير.

اهتمت المقاربات البنيوية التكوينية العربية بنقد المنهج البيوغرافي.يقول الطاهر لبيب في المقدمة ص 5 من الترجمة العربية عن المناهج النقدية القديمة التي تربط النص الشعري بذات الشاعر و سيرته الذاتية" إن هؤلاء الذين ينوي هذا العمل،اتفاقا،فحص منهجهم،هم أولئك الذين يذهبون مباشرة لملاقاة الشاعر بجعل نصه بساطا متحركا لا يؤدي إلا إليه! في حين أن الذهاب ليس بلا عودة،ما دام النص "لا يتضح" إلا في العودة،بمعنى أنه يتوافق-عن طريق تلازم قهري-مع ما يمكن جمعه من أخبار مريبة أو خرافية،أو من نوادر،عن الشاعر،من تاريخ الميلاد و مكانه،و الحالة المدنية،و الدفاع عن القبيلة،و البسالة الفائقة،و صحة المعتقد أو فساده،و مغامرات حب تعس، إلخ...و يتم هذا الذهاب و الإياب بين الشاعر و النص انطلاقا من الفكرة التي تعتبر الأثر الشعري نتاجا لذات فردية".

في سوسيولوجيا الادب لسكاربيت بدا الكاتب في بنية أوسع من مجرد سيرته الذاتية.إذ أضيفت إلى سيرته الذاتية عوامل انتاج و تسويق الكتب،و علاقة الطبقات و الفئات الاجتماعية بالكتب و النصوص الادبية. في سوسيولوجيا سكاربيت نجد مقاربة يتداخل فيها الكاتب في الزمان و المجتمع مع إنتاج و توزيع و استهلاك الكتاب،و عملية النشر و دوائر التوزيع و علاقة الأثر الأدبي بالجمهور و القراءة و الحياة و التي اشتملت على عوامل مثل ظروف المطالعة (2).

كما رأينا، فهنالك محاولات لتوطين مناهج ترمي إلى الربط بين المؤلف و الحياة أو المجتمع مثل المنهج البيوغرافي و "سوسيولجيا الأدب" في الثقافة العربية.لكن كل محاولة للتوطين يجب أن تراعي الفروقات الحضارية بين منشأ تلك المناهج و بين الأرض التي سيتم توطين فيها تلك المناهج. فالذين يتبنون منهج السيرة الذاتية في مقاربة نصوص المؤلف،ينسون أو يتناسون حقيقة أن مجتمعات محافظة مثل المجتمع السوداني،لم تتطور فيها النزعة الفردية كما حدث في المجتمعات الغربية.فالحقائق و المعلومات المسهبة عن المؤلف محاطة بتابوهات لا حصر لها،مما يجعل جهود توطين منهج السيرة الذاتية كما جرى في سياقه الغربي،أمرا لن يعطي نفس الثمار –على علّاتها-كما جرى الحال في الثقافة الغربية .

و يمكن أن نلمس في مقدمة الطبعة العربية ل"سوسيولوجيا الأدب" ، الفروقات بين المؤلفين في دول غربية و نظرائهم في ثقافات أخرى مثل الثقافة العربية .يقول مؤلفا الكتاب "شرف لهذا الكتاب أن يترجم إلى العربية،و تحد له أيضا أن يكون توليفة في سوسيولوجيا الأدب.في الحقيقة،حظيت خصوصية البحث و النقد هذه،منذ زمن،بأهمية خاصة في بلدان مثل ألمانيا و بريطانيا و فرنسا،أي في بلاد اكتسب فيها الكتاب و الكتابة الأدبية،منذ فترة طويلة،مكانة في الاقتصاد التجاري و كذلك مكانة في الاقتصاد الرمزي.تشهد على ذلك أعمال بيار بوردو و باحثن آخرين في الحقل الأوروبي و مؤسساته و تأثيراته الواسعة.غير أن الوضعية التاريخية ليست و لم تكن هي ذاتها في بلدان أخرى من العالم،و لا كانت حتمية الأبعاد الاجتماعية في الأدب مرئية فيها بمثل هذا الوضوح.كما أنه إذا كان لا يسعنا إلا أن نغتبط لانتشار كتاب معين انتشارا واسعا فإن علينا أيضا أن نتساءل عن أسباب ذلك".ص 5.

فالمؤلف كما يبدو في "موت المؤلف" لبارت،و "ما المؤلف" لفوكو،ليس هو المؤلف في الثقافة العربية مثلا.
و يبدو الأمر أكثر مدعاة للتفكُّر،حين يقول المؤلفان عن سوسيولوجيا الأدب في الثقافة الغربية في ص 9 "لهذا ليس هذا الحقل الخاص اليوم نظاما معترفا به بصورة تامه.فهو لا يشكِّل فرعا من البرامج الإلزامية،لا لطلّاب الآداب و لا لطلّاب العلوم الاجتماعية،و لم يخصّص له أي كرسي جامعي و لا أية مجلة".

بين الطيب صالح و أمبرتو إيكو:

يثبت المؤلفون أنفسهم أن البحث في الحياة الشخصية لهم لن يقود إلى شيء جدي له صلة بإبداعية النص. كثيرا ما تقع المقاربات التي تعتمد السيرة الذاتية في تناقض مع نفسها،حين يصرح المؤلفون عن عبث محاولة الربط بين حيواتهم الشخصية و نصوصهم الإبداعية،لكن تلك المقاربات،كما في حالة البدوي،لا تلقي بالا لذلك التصريح المهم.و أدناه شهادتان للطيب صالح و أمبرتو إيكو.

جين مورس: شهادة الطيب صالح

يقول الطيب صالح مخاطبا قارئة قد سألته عن بناته "سأقول لكِ شيئا،و هو سركبير أقوله لكِ الآن و لم أبُح به لأحد من قبل،و أقوله لكِ لأنكِ سألتني عن بناتي.السرّ الذي أفصح عنه هو: في "موسم الهجرة إلى الشمال" هنالك هذه الشخصية العجيبة و اسمها جين مورس.جين مورس شخصية حقيقية،و لكنها ليست نفسها في الرواية.تعرّفتُ عليها في الشهر الأول من وصولي إلى لندن عام 1952 في المتحف الوطني.قابلت فتاة جذابة حقا و كانت...(صمت) كان في المتحف آنذاك معرض عن الفن الانطباعي و بعدين...(صمت) تحدثنا مع بعض و سالتني من أين أنا إلى آخر ذلك...و كنتُ في ذلك الحين فتى يافعاً،لا بد أن تعترفوا بذلك و بعد أن خرجنا من المعرض و ذهبنا إلى مقهى و أمضينا بعض الوقت في الحديث عن أمور عامة،و بعد ذلك لم أرها قط،و اسم الفتاة جين مورس،و قد أحببت ذلك الاسم،و من ذلك اللقاء عَلِقَ اسمها في ذاكرتي و أدخلته في الرواية:الاسم و بعض الأمور الأخرى يعلم الله بها.فلذلك فالعمل الروائي،أو القصيدة،مليئ بالإشارات التي يحتاج الكاتب إلى أن ينفذ منها إلى ما هو أبعد و أعمق.لذلك يمكن أن يكون البحث عن الكاتب في كتاباته ضربا من العبث أحيانا.نحن نعلم الآن أشياء كثيرة عن فرجينيا وولف و خلفية بلومزبري.هذه الأشياء يتوق الناس إلى معرفتها و قد تنير السبيل أحيانا.و لكنني لا أعتقد أن حياة الإنسان الخاصة و هو ما يزال على قيد الحياة مهمة بالنسبة للقارئ.و لا أعتقد أنها يمكن أن تكون مفيدة له في قراءاته أعمال الكاتب" .

أمبارو: شهادة أمبرتو إيكو في محاضرات تانر

لقد كان كاسوبان في بندول فوكو عاشقا لفتاة برازيلية اسمها أمبارو Amparo، ولقد رأى فيها جيوسي موسكا إحالة ( مزحة ) على أندري أمبير الذي درس القوة المغناطيسية بين تيارين. لقد كان جيوسي فطنا أكثر من اللازم. لا أتذكر لماذا اخترت هذا الاسم، لقد أدركت فيما بعد أن الاسم ليس برازيليا ولقد كتبت :
"لم أفهم أبدا لماذا كان لحفدة الهولنديين اسم اسباني، هم الذين استوطنوا رِسيف واختلطوا بالهنود والزنوج السودانيين وكانت لهم مسحة جمايكية وثقافة باريسية".

وهذا يعني أني نظرت إلى اسم أمبارو كما لو أنه آت من خارج الرواية. ولقد سألني صديق لي بعد ظهورالرواية بشهور : لماذا أمبارو ؟ أليس الاسم اسم جبل ؟ وشرح لي بعد ذلك أن هناك أغنية تقول : Guajira Guantanamera تشير إلى جبل اسمه أمبارو. يا إلهي، إني أعرف هذه الأغنية جيدا، رغم أني لم أعد أذكر كلمة واحدة من كلماتها. لقد غنتها فتاة في أواسط الخمسينات، وكنت مغرما بهذه الفتاة. لقد كانت من أمريكا اللاتينية، وكانت جميلة جدا، ولم تكن برازيلية ولم تكن ماركسية، ولم تكن سوداء ولا هستيرية كما كانت أبارو. ولكن من الواضح أني، وأنا أبتدع فتاة جذابة من أمريكا اللاتيني، كنت لاشعوريا أفكر في صورتي الأخرى، صورة شبابي عندما كنت في سن كاسوبان. لقد فكرت في هذه الأغنية، وبطريقة ما ظهر اسم أمبارو ( الذي كنت نسيته تماما ) من لاشعوري وتسلل إلى الصفحة.

إن هذه القصة لا تأثير لها، على الإطلاق، على تأويل النص، ومع ذلك فإن النص بني انطلاقا منها، فأمبارو هي أمبارو هي أمبارو هي أمبارو".
*****************************************************************

(1) “و الميل بكل تأكيد،مسألة مبهمة،محاطة بعدم اليقين و الذاتية.و لكن هذا ليس عائقا يحول دون محاولة شرح الأمر بطريقة عقلانية،مع تجنب ميثولوجيا الزهو و البهرجة،المصبوغة بالتدين و الغطرسة،التي كان يحيطه بها الرومانسيون،جاعلين من الكاتب مختارا من الآلهة،و موسوما من قوة خارقة سامية،لكي يكتب تلك الكلمات التي تتسامى الروح البشريعة على شذاها،متجاوزة نفسها،و تتوصل بفضل ذلك التلوث و الجمال (مع التشديد بالطبع) إلى الخلود.ليس هناك اليوم من يتكلم بتلك الطريقة،عن الميل الأدبي أو الفني،و لكن برغم من أن التفسير الذي يقدم في أيامنا،هو أقل أبهة و غيبية،إلا أنه ما يزال ملتبسا".

(2) عن ظروف المطالعة،هنا مثال جيد يقدمه كيليطو "من شرفة ابن رشد" عن ورلان بارت "ص 46 "كان يوزِّع الكتب إلى كتب النهار و كتب الليل.أفكار باسكال تنتسب للصنف الأول: كان يقرؤها خارج البيت،في مقهى الفلور أو في الطائرة،في وضح النهار، وفي فضاء عمومي.و بالعكس،فمن العسير تصوّره يقرأ، وسط زبناء الفلور، جول فيرن الذي لرواياته صلة حميمة بالنوم.يصرِّح في لذّة النص،أنه لا يقرأ ليلا إلا روايات أو قصصا كلاسيكية".من الواضح أن هنالك فروقا في بارت القارئ الفعلي و بين بارت الذي يؤو<ِل النص كقارئ.

المراجع:

الطاهر لبيب،سوسيوجيا الغزل العربي-الشعر العذري نموذجا،ترجمة مصطفى المسناوي،دار عيون و دار الطليعة.

بول آرون و الان فيالا،سوسيولوجيا الأدب،ترجمة الدكتور محمد علي مقلد،مراجعة د. حسن الطالب،دار الكتاب الجديد المتحدة،الطبعة الأولى،كانون الثانييناير 2013.

روبير اسكاربيت،سوسيولوجيا الأدب،تعريب آمال انطوان عرموني،عويدات للنشر و الطباعة،بيروت،الطبعة الثالثة،1999.

عبد الفتاح كيليطو، من شرفة ابن رشد،ترجمة عبد الكبير الشرقاوي،دار توبقال للنشر،الطبعة الأولى،2009.

ماريو بارغاس يوسا،رسائل إلى روائي شاب،ترجمة صالح علماني،دار المدى للثقافة والنشر،الطبعة الثانية،2010.

محمد بنيس،ظاهرة الشعر المغربي المعاصر-مقاربة بنيوية تكوينية،دار العودة للنشر،الطبعة الأولى،1979.

محمد شاهين،تحولات الشوق في موسم الهجرة إلى الشمال،مرجع سابق.

Eco, Umberto, Interpretation and Overinterpretation, Op.Cit

Jennifer Kingma Wall, Love and Marriage: How Biographical Interpretation affected the Reception of Elizabeth Barrett Browning's "Sonnets from the Portuguese" (1850), http://www.victorianweb.org/authors/ebb/wall1.html


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1420

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أسامة الخوَّاض
أسامة الخوَّاض

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة