المقالات
السياسة
نيلسون منديلا العظيم .. وقيادات الانقاذ.. ود. فاروق محمد ابراهيم
نيلسون منديلا العظيم .. وقيادات الانقاذ.. ود. فاروق محمد ابراهيم
12-07-2013 07:06 AM


بعد إنتصار المؤتمر الوطني الافريقي علي حكم الابارتايدفي جنوب افريقيا وتنصيب الزعيم الافريقي نيلسون منديلا رئيسا للبلاد . أراد بعض الثوار تغيير العلم بعلم المؤتمر الوطني الافريقي ، لكن منديلا رفض ذلك .. ، وأمسك بالعلمين وجعلهما علما واحدا لجنوب افريقيا ..
وهكذا بدأ رحلة السلام والوفاق والتسامح والتصافي .. ، والمنتصر الحقيقي ليس هو المنتقم إنما ذاك الذي ينتصر للقيم والمباديء الانسانية الرفيعة .. والعفو عند المقدرة ..
أنهي منديلا عهود من الصراعات في هذا البلد العملاق .. ، وجعل من المحبة والوئام القاعدة الاساسية التي يقوم عليها الدستور وتبني عليها البلاد .. ، وليس التجهم والاستبداد والتسلط ..
مضي منديلا لثقافة السلام التي تتطلب التسامح والتصافي والقصاص لمن ظلموا .. أو عفوهم عمن ظلموهم .. وتعويض المتضررين .. ، وهكذا مضت ثقافة التصافي والتسامح الي نهاياتها ...
واليوم مضي منديلا الي رحاب ربه راضيا مرضيا عنه انشاء الله .. ، ولكن القيم التي غرسها في عقول وقلوب الاجيال ستظل باقية ليس في جنوب افريقيا وإنما في كل أرجاء المعمورة و ليضاف أسمه الي القادة العظماء الذين خلدهم التاريخ ...
* .. ما أحوجنا وأحوج قادتنا لهذه الدروس التي تركها منديلا .. ، وخاصة نحن في السودان نحتاج لتعزيز هذه القيم .. قبل كل الايديولوجيات وقبل كل الفزلكات السياسية ، فالمآسي التي تعيشها بلادنا ليست ناجمة إلا عن قيم ومفاهيم وسياسات تشبه الابارتايد مع الاختلاف في ان الذين يحكمون بلادنا .. هم من أبناء الوطن .. ّ! وياللأسف .. ويا للأسي .. كيف تأتي لهم قتل مئات الالاف في دارفور ؟ .. وكيف يضعون روؤسهم علي الوسائد وينامون مطمئنين .. بعد كل هذا القتل والتعذيب والتنكيل والتخريب وتقسيم البلاد وتجويع العباد ؟
في تذكر عملاق أفريقيا الراحل نلسون منديلا .. نتذكر الفرص الضائعة لتحقيق السلام في بلادنا .. إذ مضي مفهوم السلام الي التقاء القيادات السياسية وتوقيعهم لإتفاق .. مثل كل الاتفاقات التي أعتدنا عليها خلال ربع قرن من حكم الانقاذ كلها تبقي حبرا علي ورق .. الهدف منها كسب الوقت وإطالة عمر النظام .. ، لم يتحقق الأعتذار ولا التصافي ولا التسامح ولا تعويض الضحايا .. سواء في الجنوب أو الشمال .. ، وكان من الطبيعي ان يختار أبناء الجنوب الانفصال .. في ظل نظام لا يحترم حقوقهم كمواطنين ..
وما زالت مآسي وكوارث النظام ماثلة ومحدقة ببلادنا .. فبالأمس وعلي مائدة إفطار رمضاني في منزل الدكتور التجاني السيسي أعترف البشير بإن أياديهم ملوثة بدماء أهل دارفور ... الي آخر الرواية التي سمعها الناس .. ، حينما يصدر مثل هذا الاعتارف من رئيس الجمهورية .. كان يفترض تلقائيا يتحول هذا الاعتراف الي إعتذار .. وإلي فعل وإلي تقاضي .. " إذ1ا كان هناك رئيس قضاء .. ومحكمة عليا وقضاء حر ونزيه .. " ولكن القضاء هذه الا يام منصوب لحرائر الوطن اللواتي خرجن يطالبن بالخبز والامان .. وقام زبانية الامن والشرطة بتعذيبهن .. ومن ثم يأتي دور القضاء .. كما حدث للزميلة الصحفية والاديبة مروة التجاني وأشقائها الذين حوكموا بالغرامات .. الخ
كا يفترض ان تنتقل كل أجهزة الدولة " المهلهلة " الي دارفور ..، ويعملون علي إستعادة أبناء دارفور الذين يقيمون في العراء وفي المعسكرات بعيدا عن ديارهم .. ويعملون علي تسوية أوضاعهم .. ويردون اليهم حقوقهم المسلوبة .. وتسخير موارد الدولة لعودة الوئام والامان الي ربوع دارفور ... ، ولكن .. صدق بن لادن رحمه الله حينما قال ان ما يجري في السودان لا علاقة له بالاسلام وإنما له علاقة بالجريمة المنظمة .
ولاحت في الافق فرصة أخري للسلام والوئام عبر التحول الديمقراطي عام 2011م.. ، ولكن للأسف فإن قيادات الانقاذ أعمي الله بصيرتها ومضت لذات عاداتها المرزولة في الخداع والكذب والتذوير .. وأنتهت الانتخابات الي ( الخج ) .. حتي إن شخصي الضعيف عمل في هذه الانتخابات من خلال منظمات المجتمع المدني وكنا نقول : فليأخذوا كل ما يريدونه .. لكن عليهم ان يمنحوا الفرصة للسلام والاستقرار ..والتحول الديمقراطي .. ، لأن عيوننا علي الوطن وهو آخذ في التشرزم .. ، وعيوننا علي شعبنا المطحون ان لا تزداد مآسيه .. ولكن للأسف إنهم يديرون وطن في حجم قارة بعقلية شيطانية لا تضع أي إعتبار لهذا الشعب العظيم ..
ولأن الناس خبرت النظام ومقدراته علي التذوير أذكر إنني طلبت في ورشة عمل عن الانتخابات وتدريب الشباب علي كشف التذوير حيث أقمنا يوما كاملا لتمثيل عملية الانتخابات .. بكل ما فيها من رئيس لجنه وقاضي وشرطي ومراقبين .. ، طلبت من بعضهم ان يقوموا بالتذوير .. وطلبت من آخرين ان يسعوا للكشف عن التذوير .. ، وكانت المفاجأه .. إن المزورين قاموا بسرقة حتي صندوق الانتخابات نفسه .. ّ!! .. وعجز الجميع عن الاتيان به ثانية .. حتي انني رجوتهم ان يرجعوا الصندوق حتي ننهي هذ اليوم ..، إلي هذا الحد خبر الناس ما يقوم زبانية النظام الفاسد بفعله في الانتخابات بكل أشكالها .
*.. في رحيل العملاق منديلا .. تباغتني صورة المربي الفاضل ومعلم الاجيال .. أو هو " غاندي السودان كما أسميه " الدكتور فاروق محمد ابراهيم الذي قام د. نافع علي نافع وبكري حسن صالح بتعذيبه في بيوت الاشباح وطالب في رسالة للبشير عام 2000م ان يعتذرا بشكل صريح امام الرأي العام ويبديا أسفا ندما علي ما فعلوه به وبكل المعتقلين في بيوت الاشباح .. أو فإنه سيتقاضي أمام المحاكم السودانية إذا ما تعذر ذلك سوف يقاضيهما أما المحاكم الدولية لحقوق الانسان . وكانت تلك أيضا فرصة وبارقة أمل كان علي النظام ورئيسه ان يستثرونها والبلاد ماضية لتحقيق السلام أوانها .. ، كانت فرصة لقادة هذا النظام لكي يتطهروا ويطلبوا العفو والمغفرة من الذين مارسوا التعذ1يب والتنكيل بهم ..، ومن عشرات الالاف منأسر الضجايا الذين سقطوا في ظل هذا النظام وعلي امتداد سنواته وفي كل ربوع البلاد .. ولكن لاحياة لمن تنادي ..

وفيا يلي نص مذكرة الدتور فاروق محمد ابراهيم :

القاهرة 13/11/2000م

السيد الفريق/ عمر حسن البشير
رئيس الجمهورية ـ رئيس حزب المؤتمر الوطني
بواسطة السيد/ أحمد عبدالحليم ـ سفير السودان بالقاهرة
المحترمين
تحية طيبة وبعد
الموضوع: تسوية حالات التعذيب تمهيداً للوفاق بمبدأ ”الحقيقة والتعافي“ على غرار جنوب أفريقيا ـ حالة اختبارية ـ
----------------------------------------------------------------------------------------------------
على الرغم من أن الإشارات المتعارضة الصادرة عنكم بصدد الوفاق الوطني ودعوتكم المعارضين للعودة وممارسة كافة حقوقهم السياسية من داخل أرض الوطن, فإنني أستجيب لتلك الدعوة بمنتهى الجدية, وأسعى لاستكمالها بحيث يتاح المناخ الصحي الملائم لي وللآلاف من ضحايا التعذيب داخل الوطن وخارجه أن يستجيبوا لها, ولن يكون ذلك طبعا إلا على أساس العدل والحق وحكم القانون.

إنني أرفق صورة الشكوى التي بعثت بها لسيادتكم من داخل السجن العمومي بالخرطوم بحري بتاريخ 29/1/1990, وهى تحوي تفاصيل بعض ما تعرضت له من تعذيب وأسماء بعض من قاموا به, مطالبا بإطلاق سراحي وإجراء التحقيق اللازم, ومحاكمة من تثبت إدانتهم بممارسة تلك الجريمة المنافية للعرف والأخلاق والدين والقانون. تلك المذكرة التي قمت بتسريبها في نفس الوقت لزملائي أساتذة جامعة الخرطوم وأبنائي الطلبة الذين قاموا بنشرها في ذات الوقت على النطاقين الوطني والعالمي, ما أدى لحملة تضامن واسعة أطلق سراحي إثرها, بينما أغفل أمر التحقيق الذي طالبت به تماما. وهكذا ظل مرتكبو تلك الجريمة طليقي السراح, وتوالى سقوط ضحايا التعذيب بأيديهم وتحت إمرتهم, منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر, فلا يعقل والحال على هذا المنوال أن يطلب مني ومن الألوف الذين استبيحت أموالهم وأعراضهم ودماؤهم وأرواح ذويهم, هكذا ببساطة أن يعودوا لممارسة ”كافة“حقوقهم السياسية وكأن شيئا لم يكن.
إن ما يميز تجربة التعذيب الذي تعرضت له في الفترة من 30 نوفمبر إلى 12 ديسمبر 1989م ببيت الأشباح رقم واحد الذي أقيم في المقر السابق للجنة الانتخابات أن الذين قاموا به ليسوا فقط أشخاصا ملثمين بلا هوية تخفوا بالأقنعة, وإنما كان على رأسهم اللواء بكري حسن صالح وزير الدفاع الراهن ورئيس جهاز الأمن حينئذ, والدكتور نافع علي نافع الوزير ورئيس جهاز حزب المؤتمر الوطني الحاكم اليوم ومدير جهاز الأمن حينئذ, وكما ذكرت في الشكوى المرفقة التي تقدمت لكم بها بتاريخ 29 يناير 1990 من داخل السجن العمومي وأرفقت نسخة منها لعناية اللواء بكري, فقد جابهني اللواء بكري شخصياً وأخطرني بالأسباب التي تقرر بمقتضاها تعذيبي, ومن بينها قيامي بتدريس نظرية التطور في كلية العلوم بجامعة الخرطوم, كما قام حارسه بضربي في وجوده, ولم يتجشم الدكتور نافع, تلميذي الذي صار فيما بعد زميلي في هيئة التدريس في جامعة الخرطوم, عناء التخفي وإنما طفق يستجوبني عن الأفكار التي سبق أن طرحتها في الجمعية العمومية للهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم, وعن زمان ومكان انعقاد اللجنة التنفيذية للهيئة, ثم عن أماكن تواجد بعض الأشخاص - كما ورد في مذكرتي- وكل ذلك من خلال الضرب والركل والتهديد الفعلي بالقتل وبأفعال وأقوال أعف عن ذكرها. فعل الدكتور نافع ذلك بدرجة من البرود والهدوء وكأنما كنا نتناول فنجان قهوة في نادي الأساتذة. على أي حال فإن المكانة الرفيعة التي يحتلها هذان السيدان في النظام من ناحية, وثبات تلك التهم من ناحية ثانية, يجعل حالة التعذيب هذه من الوضوح بحيث تصلح أنموذجا يتم على نسقه العمل لتسوية قضايا التعذيب, على غرار ما فعلته لجنة الحقيقة والوفاق الخاصة بجرائم النظام العنصري في جنوب أفريقيا.

قبل الاسترسال فإنني أورد بعض الأدلة التي لا يمكن دحضها تأكيدا لما سلف ذكره:-
• أولاً: تم تسليم صورة من الشكوى التي تقدمت لسيادتكم بها للمسئولين المذكورة أسماؤهم بها, وعلى رأسهم اللواء بكري حسن صالح. وقد أفرج عني بعد أقل من شهر من تاريخ المذكرة. ولو كان هناك أدنى شك في صحة ما ورد فيها - خاصة عن السيد بكري شخصياً- لما حدث ذلك, ولكنت أنا موضع الاتهام, لا هو.
• ثانيا: أحال مدير السجن العمومي مجموعة الثمانية عشر القادمة معي من بيت الأشباح رقم واحد بتاريخ 12 ديسمبر 1989 إلى طبيب السجن الذي كتب تقريرا مفصلاً عن حالة كل واحد منا, تحصَّلت عليه وقامت بنشره منظمة العفو الدولية في حينه. وقد أبدى طبيب السجن ومديره وغيرهم من الضباط استياءهم واستنكارهم الشديد لذلك المشهد الذي لا يكاد يصدق. وكان من بين أفراد تلك المجموعة كما جاء في الشكوى نائب رئيس اتحاد العمال الأستاذ محجوب الزبير وسكرتير نقابة المحامين الأستاذ صادق شامي الموجودان حاليا بالخرطوم, ونقيب المهندسين الأستاذ هاشم محمد أحمد الموجود حاليا ببريطانيا, والدكتور طارق إسماعيل الأستاذ بكلية الطب بجامعة الخرطوم, وغيرهم ممن تعرضوا لتجارب مماثلة, وهم شهود على كل ما جرى بما خبروه وشاهدوه وسمعوه.
• ثالثا: إن جميع قادة المعارضة الذين كانوا في السجن حينئذ, السيد محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي والسيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة والسيد سيد أحمد الحسين زعيم الحزب الاتحادي والسيدان محمد إبراهيم نُقُد والتيجاني الطيب زعيما الشيوعي وغيرهم, كلهم شهود بنفس القدر, وكما يعلم الجميع فقد تعرض السيدان الصادق المهدي وسيد أحمد الحسين وغيرهم من قادة المعارضة لنفس التعذيب على أيدي نفس الأشخاص أو بأمرهم وكتبوا شكاوى مماثلة.
• رابعا: قام بزيارتي في السجن العمومي بالخرطوم بحري بعد انتقالي إليه مباشرة الفريق إسحق إبراهيم عمر رئيس الأركان وقتها بصحبة نوابه, فشاهد آثار التعذيب واستمع لروايتي كاملة, كذلك فعل كثيرون غيره.
• خامسا: تم اعتقال مراسل الفاينانشيال تايمز السيد بيتر أوزين الذي كان خطابي بحوزته, فكتب صفحة كاملة دامغة في صحيفته العالمية المرموقة عن ما تعرضت له وتعرض له غيري من تعذيب, وعن محادثته الدامغة مع المسئولين عن تلك الانتهاكات وعن تجربته الشخصية.

إنني أكتفي فيما يخص حالتي بهذا القدر من الأدلة الدامغة, ومع أن هذا الخطأب يقتصر كما يدل عنوانه على تجربتي كحالة اختبارية, إلا أن الواجب يقتضي أن أدرج حالة موظف وزارة الإسكان السابق المهندس بدر الدين إدريس التي كنت شاهدا عليها, وكما جاء في ردي على دعوة نائب رئيس المجلس الوطني المنحل الأستاذ عبدالعزيز شدو للمشاركة في حوار التوالي السياسي بتاريخ 18 أكتوبر 1998 (مرفق), فقد تعرض ذلك الشاب لتعذيب لا أخلاقي شديد البشاعة, ولم يطلق سراحه إلا بعد أن فقد عقله وقام بذبح زوجته ووالدها وآخرين من أسرته. كان في ثبات وصمود ذلك الشاب الهاش الباش الوسيم الأسمر الفارع الطول تجسيد لكرامة وفحولة وعزة أهل السودان. وكان أحد الجنود الأشد قسوة - لا أدري إن كان اسم حماد الذي أطلق عليه حقيقياً- يدير كرباجه على رقبتينا وجسدينا نحن الاثنين في شبق. وفي إحدى المرات اخرج بدرالدين من بيننا ثم أعيد لنا بعد ساعات مذهولاً أبكم مكتئبا محطما كسير القلب. ولم تتأكد لي المأساة التي حلت بِبَدرالدين منذ أن رأيته ليلة مغادرتنا لبيت الأشباح منتصف ليلة 12 ديسمبر 1989 إلا عند اطلاعي على إحدى نشرات المجموعة السودانية لضحايا التعذيب هذا الأسبوع, ويقتضي الواجب أن أسرد تلك اللحظات من حياته وأنقلها لمن تبقى من أسرته, فكيف بالله نتداول حول الوفاق الوطني بينما تبقى مثل هذه الأحداث معلقة هكذا بلا مساءلة.

أعود لمبدأ تسوية حالات التعذيب على أساس النموذج الجنوب أفريقي, وأطرح ثلاثة خيارات متاحة لي للتسوية.

الخيار الأول
الحقيقة أولا, ثم الاعتذار و”التعافي المتبادل“ بتعبير السيد الصادق المهدي

هذا النموذج الذي تم تطبيقه في جنوب أفريقيا. إن المفهوم الديني والأخلاقي للعفو هو الأساس الذي تتم بموجبه التسوية, ويختلط لدى الكثيرين مبدأ العفو مع مبدأ سريان حكم القانون ومع التعافي المتبادل. فكما ذكرت في خطابي المرفق للسيد عبدالعزيز شدو فإنني أعفو بالمعنى الديني والأخلاقي عن كل من ارتكب جرما في حقي, بما في ذلك السيدان بكري ونافع, بمعنى أنني لا أبادلهما الكراهية والحقد, ولا أدعو لهما إلا بالهداية, ولا أسعى للانتقام والثأر منهما, ولا أطلب لشخصي أو لهم إلا العدل وحكم القانون. وأشهد أن هذا الموقف الذي قلبنا كل جوانبه في لحظات الصدق بين الحياة والموت كان موقف كل الزملاء الذين كانوا معي في بيت الأشباح رقم واحد, تقبلوه وآمنوا به برغم المعاناة وفى ذروة لحظات التعذيب. إن العفو لا يتحدد بموقف الجلاد ولا بمدى بشاعة الجرم المرتكب, وإنما يتعلق بكرامة وإنسانية من يتسامى ويرفض الانحدار لمستنقع الجلادين, فيتميز تميزا خلقيا ودينيا تاما عنهم. فإذا ما استيقظ ضمير الجلاد وأبدى ندما حقيقيا على ما ارتكب من إثم, واعتذر اعتذارا صادقا عن جرمه, فإن الذي يتسامى يكون أقرب إلى الاكتفاء بذلك وإلى التنازل عن الحق المدني القانوني وعن المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به, بهذا يتحقق التعافي المتبادل. هذا هو الأساس الذي تمت بموجبه تسوية معظم حالات التعذيب والجرائم التي ارتكبها عنصريو جنوب أفريقيا ضد مواطنيهم.

إنني انطلاقا من نفس المفهوم أدعو السيدين بكري ونافع ألا تأخذهما العزة بالإثم, أن يعترفا ويعلنا حقيقة ما اقترفاه بحقي وبحق المهندس بدرالدين إدريس في بيت الأشباح رقم واحد, وأن يبديا ندما وأسفا حقيقيا, أن يعتذرا اعتذارا بينا معلنا في أجهزة الإعلام, وأن يضربا المثل والقدوة لمن غرروا بهم وشاركوهم ممارسة التعذيب, وائتمروا بأمرهم. حين ذلك فقط يتحقق التعافي وأتنازل عن كافة حقوقي, ولا يكون هناك داعيا للجوء للمحاكم المدنية, ويصبح ملف التعذيب المتعلق بشخصي مغلقا تماما. ولنأمل أن يتقبل أولياء الدم في حالة المهندس بدر الدين إدريس بالحل على نفس المنوال.

لقد أعلن السيد إبراهيم السنوسي مؤخرا اعترافه بممارسة التعذيب طالبا لمغفرة الله. وهذا بالطبع لا يفي ولا يفيد. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, ولا يليق أن يصبح أمر التعذيب الذي انقلب على من أدخلوه وبرروه أن يكون موضوعا للمزايدة والمكايدة الحزبية. إن الصدق مع النفس ومع الآخرين والاعتذار المعلن بكل الصدق لكل من أسيء إليه وامتهنت كرامته, وطلب العفو والغفران, هو الطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق بكرامة, فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله. وإن طريق التعافي المتبادل هو الأقرب إلى التقوى. فإذا ما خلصت النيات وسار جناحا المؤتمر الوطني والشعبي لخلاص وإنقاذ أنفسهم من خطيئة ولعنة التعذيب الذي مارسوه فسيكون الطريق ممهدا تماما لوفاق وطني حقيقي صادق وناجز.
الخيار الثاني
التقاضي أمام المحاكم الوطنية
إذا ما تعذر التعافي المتبادل بسبب إنكار تهمة التعذيب أو لأي سبب آخر, فلا يكون هنالك بديل عن التقاضي أمام المحاكم, ذلك في حالة جدية المسعى للوفاق الوطني على غرار ما جرى في جنوب أفريقيا. غير أن حكومتكم فيما علمت سنت من التشريعات ما يحمي أعضاءها وموظفيها والعاملين في أجهزتها الأمنية من المقاضاة. فالجرائم ضد الإنسانية وحقوق الإنسان كالتعذيب, لا تسقط بالتقادم ولا المرض ولا تقدم السن ولا لأي سبب من الأسباب, كما شهدنا جميعا في شيلى وإندونيسيا والبلقان وغيرها. كما أن هذا الموقف لا يستقيم مع دعوتكم للوفاق ولعودة المعارضين الذين تعرضوا لأبشع جرائم التعذيب. وليس هنالك, كما قال المتنبي العظيم, ألم أشد مضاضة من تحمل الأذى ورؤية جانيه, وإنني مستعد للحضور للخرطوم لممارسة كامل حقوقي الوطنية, بما في ذلك مقاضاة من تم تعذيبي بأيديهم, فور إخطاري بالسماح لي بحقي الطبيعي. ذلك إذا ما اقتنعت مجموعة المحامين التي سأوكل إليها هذه المهمة بتوفر الشروط الأساسية لمحاكمة عادلة.
الخيار الثالث
التقاضي أمام المحاكم الدولية لحقوق الإنسان
ولا يكون أمامي في حالة رفض التعافي المتبادل ورفض التقاضي أمام المحاكم الوطنية سوى اللجوء للمحاكم في البلدان التي تجيز قوانينها محاكمة أفراد من غير مواطنيها وربما من خارج حدودها, للطبيعة العالمية للجرائم ضد الإنسانية التي يجري الآن إنشاء محكمة عالمية خاصة بها. إنني لا أقبل على مثل هذا الحل إلا اضطرارا, لأنه أكرم لنا كسودانيين أن نعمل على حل قضايانا بأنفسنا. وكما علمت سيادتكم فقد قمت مضطرا بفتح بلاغ مع آخرين ضد الدكتور نافع في لندن العام الماضي, وشرعت السلطات القضائية البريطانية في اتخاذ إجراءات أمر الاعتقال الذي تنبه له الدكتور نافع واستبقه بمغادرة بريطانيا. وبالطبع تنتفي الحاجة لمثل تلك المقاضاة فيما لو أتيحت لي ولغيري المقاضاة أمام محاكم وطنية عادلة, أو لو تحققت شروط التعافي المتبادل الذي هو أقرب للتقوى. وإنني آمل مخلصا أن تسيروا على طريق الوفاق الوطني بالجدية التي تتيح لكل المواطنين الذين تشردوا في أصقاع العالم بسبب القهر السياسي لنظام ”الإنقاذ“ أن يعودوا أحرارا يشاركون في بناء وطنهم.

وفقنا الله وإياكم لما فيه خير البلاد والعباد.
فاروق محمد إبراهيم
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 748

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#849082 [Addy]
0.00/5 (0 صوت)

12-07-2013 09:02 AM
حكى لي أحد رجال الأعمال في جنوب أفريقيا أن الرئيس عمر البشير عندما زارهم في بريتوريا أيام حكم مانديلا ، أقام الأخير مأدبة للرئيس عمر البشير دعى إليها رجال الأعمال الذين لهم أعمال في السودان وكان هو ضمنهم .. أثناء المأدبة بدأ مانديلا مداخلة حصيفة في شكل جملة إستفسارية فقال: لعلكم سيادة الرئيس على وشك الجلوس مع الحركة الشعبية للإتفاق حول السلام في بلدكم ؟ قال محدثي : وبينما كان الجميع ينتظر رد للرئيس البشير بالإيجاب لول من باب المجاملة والدبلوماسية ثم التعليق بوجود صعوبات قليلة نرجو أن تذلل .. لأن كلام مانديلا كان يعني ببساطة نحن موجودون لتليين موقف الحركة الشعبية .. وتوقع أن يأخذ الرئيس البشير الفرصة ليطلب منه ذلك !! ولدهشتهم إنطلق الرئيس عمر البشير في شتم الحركة الشعبية وقادتها ثم ختم كلامه أنهم لن يجلسوا معهم وأنه لا يعرف إلا السلاح لمواجهتهم!!!

وكان من المعلوم أن للرئيس مانديلا تصريحات منشورة تقول بأن السلام في السودان لن يتحقق إلى بجلوس الفرقاء لحل مشاكلهم .. وأمام خيبة أمله في غياب الحصافة وضعف العقل الذي بدا في حديث الرئيس البشير قال ماديبا ضاحكاً وبروح من الدعابة عرف بها: لا أدرى ما راي الحركة الشعبية .. ثم أتجه إلى الوزير الجالس بجانبه وقال: ولكن أليس هم (الحركة الشعبية) على نفس الراي؟؟

وبالطبع أجبر عمر البشير لاحقاً من القوى الدولية على القبول بإنفصال الجنوب وهو ما كان يخشاه الرئيس مانديلا!! ترى أي رجل هذا الذي توفى بالأمس وأي رجل يحكم السودان ..


ابراهيم علي ابراهيم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة