الآن عرفنا
01-10-2011 02:45 PM

الآن عرفنا

خالد محمد أحمد – موسكو
khalidgreetingyou@gmail.com

في 30 اكتوبر 1929م كتب محمد عشري صديق في جريدة ( حضارة السودان ) مقالاً تحت عنوان : ماذا وراء الأفق ؟ اقتطعت منه الأتي :-
( الوطن هو بيتنا القديم ، وهو مهد آبائنا وأجدادنا ، وهو قبرهم الذي يضم عظامهم صحبوه في أيام الرخاء وفي أيام البؤس ، وحين كان عظيماً ، وحين حاقت به الضعة و الهوان ، وقد ورثناه عنهم كما ورثنا عاداتهم وآمالهم وآلامهم وقضينا فيه شطر من الحياة ، وألفنا تذكاراته ، وانطبعنا بطباعه ، وخفق قلبنا لخفوق قلبه ، وهو الذكريات المشتركة : العظيمة منها وغير العظيمة ، و المشجية المبكية ، والسارة المفرحة .
أليس من الواجب علينا أن نحب هذا البيت العتيق ؟ ونحترم ماضيه على ما فيه من عيوب ؟ إن الابن البار لا يكره أباه لأنه ليس كاملاً ، بل يحترمه لذلك ، إن الحيوان ليحن إلى وطنه الذي نشأ فيه وترعرع ، وان الطير ليهفو قلبه إلى سكنه ولا يهدأ له بال حتى يرجع اليه .
وهذا وطننا الذي ننعم بالعيش فوق أرضه وتحت سمائه ، ونشرب ماء نيله القديم كقدمه ونأكل نبت أرضه ، ونشقى بما يشقي ضميره ويكرب نفسه الحزينة ، أليس من عرفان الجميل أن نحترم هذا الوطن المقدس ؟ هذا الوطن الجاثي طوال خمسة آلاف سنة ، يرمق شمس سعادته ولما ينشق عنها الشرق ، ودموعه تتحدر على خدوده الكئيبة ، وآلامه تقرح كبده الحري ، يطلبنا في توسل وبكاء أن نزيل ما به من ضير ، وأن نقيمه على قدميه ، إنه عظيم في بؤسه العظيم لأنه غالب كرور الأيام والعصور ، يحتضن أمله الخالد في بنيه الفانين .
إن الانجليزي ليقول (( أحبك يا انكلترا ولا زلت أحبك بالرغم من كل أخطائك )) و الألماني ليقول :(( ألمانيا فوق الجميع )) ألا يحق للسوداني أن يقول :(( إلى بلادي البائسة مني الفداء)) .....
فلا اختلاف أديانه ، ولا اختلاف عاداته ، ولا اختلاف شعوبه ، ولا اختلاف أجوائه وظروف المعاش فيه ، بحائلة دون تحقيق هذه الأمنية العذراء ............) انتهى .
عذراً أستاذي محمد عشري ، الآن عرفنا ماذا وراء الأفق ... بعد التاسع من يناير 2011م لن يكون السودان – هذا البلد الذي لم تهد اليه حياة على قياس أحلامه – بلد المليون ميل ، ولن نغني بعدها ( من حلفا لي نمولي ... من حلفا لي نمولي ) ولن نردد مع الحالمين ... بور و بورتسودان ، عبري و اللا واو ، حاجه مش كويسه ... كل زول براه ) ، وستعاد صياغة الجغرافيا في المنطقة كلها من جديد .
اخوتي الأفاضل ، سيبقى هذا اليوم – شئنا أم أبينا – وصمة عار في جبين من باعونا ( الحلم الوهم ) وكل تجار القضايا الكبيرة ، ولا استثني منهم أحدا !! .
بانفصال الجنوب نكون قد أضعنا قيمة سودانية أصيلة ، هي الحوار و الترفع عن الصغائر في زمان الكتل و التحالفات ، نمضي نحن بوعي - أو بدونه - نحو التشرذم و الانقسام !
لا تحدوثنا يا دعاة الانفصال ( شماليون وجنوبيون ) عن التباين و التنوع العرقي و الثقافي بين شمال البلاد وجنوبها ، لا تحدوثنا عن المرارات القديمة ، فليكن حديثكم اليوم – ليكن اليوم فقط – صادقاً ، واعترفوا أمام محكمة التأريخ التي لا تحابي بأنكم فشلتم في صياغة كيان قومي يسع الجميع ، فشلنا في نسج ثوب سوداني يستر عوراتنا الاجتماعية و الثقافية .
كان بالامكان – إذا صدقت النوايا – جعل هذا التباين تاجاً نزين به هامة هذا الوطن . لما لا فالعروبة رابطة ثقافية لغوية ، والأفريقانية رابطة جغرافية سياسية ، فما المانع إذن من أن نكون عرباً أفارقة ، أو أفارقة مستعربين ، أو فقط سودانيين هوية وثقافة ؟
لتكن مدرسة الغابة والصحراء أو الصحراء والغابة ( حتى و إن كان النبض الأول في الغابات كما قال الراحل / النور عثمان أبكر ) فما العيب في ذلك وأين الضرر ؟
إنها رعونات ساسة يسوس ومكائد أصحاب الغرض و تجار الحروب ، التهمة تطال كل من ولي من أمرنا شيئاً ولم يحرك ساكناً ، فلا تذرفوا دموعكم كالنساء على وطن لم تحافظوا عليه كالرجال . الآن عرفنا ماذا وراء الأفق .


تعليقات 2 | إهداء 14 | زيارات 3182

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#81347 [وحدوي]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2011 07:41 PM
قرانا فى هذا المقال الجميل ما كتبه الاستاذ الراحل
محمد عشري الصديق -- ولا يسعنا الا ان ان نقول
له معذرة لاننا لم نحافظ على وطننا موحدا ---------
بفعل السفلة الذين دمروا وحدتنا --- نحيي الوحدويين
فى شمالنا وجنوبنا والسودان سيتوحد طال
الزمن ام قصر- لك كل التقدير استاذ خالد على
هذه المقالة ;)


#78265 [Sabir]
0.00/5 (0 صوت)

01-15-2011 05:37 PM
مقال رائع وقد أسمعت لو ناديت حيّاً ولكن لا حياة لمن تنادي


خالد محمد أحمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة