المقالات
السياسة

01-18-2016 10:40 AM


مضى أسبوعٌ كامل على مجزرةِ الجنينة (11 يناير 2016م)، التى إنتهت إلى مَقتلِ اكثر من (14) مواطن سودانى، وعدد كبير من الجرحى، هربوُا من حَتفِهم فى قرّيتِهم التى سَامَهم فيها الجنجويد بسُوءِ العذاب، إلى الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور وإحتموا بمنزلِ وَآلى الولاية شخصياً، مُستجِيريِن ومُحْتمِين بمن يقع على عاتِقِه وآجِبُ حِماية هؤلاء المُستجِيرين من رَمضَاءِ بطشِ وجبرُوتِ الجنجويد اللِئام، ولكنَّ وَآلِى ولاية غرب دارفور كسرَ أكثر قواعد العدالة والأخلاق رُسوخَاً فى تاريخ البشرية، كسر وَآلِى الجنينة قاعدة شرعِيَّة ذهبِية أمر بها القرآن الكريم أمْرَاً وآجِباً، وحتميَّاً وقاطعاً لا خِيِار ولا إختيار فيه بإجَارةِ المُستجِير ولو كان كافِرَاً، دعْكَ من قتلى الجنينة وهم مُسلمُونَ يعبُدُونَ اللهَ قِيامَاً وقُعوُدَاً وعلى جُنُوبِهم: جاء فى مُحكَمِ التنزيل فى سورة التوبة الآية (6): (وَإِنْ أَحَد مِنْ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَع كَلَام اللَّه ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنه ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْم لَا يَعْلَمُونَ). وطالما أنَّ إجارَة المُشرِك وَآجِبة ومأمُورٌ بها أمَرَاً وَآجِبَاً من اللهِ تعالى شأنهُ، فإنَّ إجارة المؤمِنُون من أهلِ قرية "مُوْلّى" ريفى الجنينة أكثر وُجُوبَاً وإلزَاماً. وخاصَّة أنّ المُستجارَ به هو وَلِىّ الأمر، هو وَآلِى الولاية وداخِل بيته وعَرِيِّنِه!.
وجاء فى تفسيرِ هذه الآية الآتى: يقول تعالى لنبِيِّه، صلواتُ اللهِ وسلامِه عليه، وإن أحداً من المُشركين (الذين أمرتُكَ بقِتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم) استجارَكَ (أى استأمَنَك، فأجِبْهُ إلى طلبِه، حتى يسمعَ كلامُ الله، أى القرآن تقرؤه عليه وتذكُرَ له شيئا من أمرِ الدين تُقِيمُ عليه به حُجَّة الله ثمَّ (أبلِغُه مأمَنهُ)، أى وهو آمِنٌ مُستمِرُ الأمان حتى يرجَعَ إلى بلادِه ودَارِه ومَأمَنِه) ذلك بأنَّهم قومٌ لا يعلمون. أى إنَّما شرَعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشرُ دعوة الله فى عبادِه.)
ويقول الكاتب الدكتور أحمد أبو الوفا فى حقِّ اللجوء فى الإسلام: (ويمكن تعريف المَلجَأ أو الجُوار فى الإسلامِ بأنَّهُ: (إعطاء الأمن لملهُوفٍ فارِّ إلى دارِ الإسلام من اضطهادٍ وظُلم أو وضع سيئ يمكن أن يتعرض له). ونحن نعتقد أن الآية (9) من سورة الحشر، قد وضعت قواعِد أساسية بخصوص الحق فى اللجوءِ وكيفية استقبال اللاجئين أو مُعامَلتِهم).
يقول تعالى فى سورةِ الحشر الآية (9): (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
وتضع هذه الآية الكريمة قواعد خمسة، وهى:
أولا: السرور لاستقبال اللاجئين (أو المهاجرين وهم من ينتقلون من إقليم إلى آخر) وحسن معاملتهم. يتضح ذلك من قوله تعالى: (يُحِبُّونَ من هاجَرَ إليهم)، وبالتالي لا يجوز رَدَّهُم إلى الحُدودِ أو رفضِ استقبَالِهم.
ثانيا: الإحسان إليهم والإيثار نحوهم، ويتضح ذلك من قوله تعالى: (ويؤثِرُونَ على أنفُسِهم)، والإيثار هو: (تقديم الآخر على النفس فى حظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوةِ النفس، و وَكِيدُ المَحبَّة، والصبر على المَشَقّة). كذلك فإن: (الإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال، وإن عاد إلى النفس).
ثالثا: استقبال اللاجئين سواء كانوا أغنياء أم فقراء، يدل على ذلك قوله تعالى: (ولا يجِدُونَ فى صُدُورِهم حاجَة مِمَّا أوْتُوا)، فغِنى اللاجئ أو فقرِه ليس له أىّ أثر؛ لأنَّ الأمر يتعلق فقط بحمايتِه ومنحِه الأمنَ والأمان واستقراره فى المكانِ الذى هاجر إليه.
رابعا: عدم رفض المهاجرين، ولو كان أصحاب الإقليم الذى تتم الهِجرة إليه، فى فاقَةٍ وفقر وفى حاجة شديدة. يتضح ذلك من قوله تعالى: (ولو كان بِهم خَصَاصَة) أى فقر وحاجة وقِلّة موارد ونُدرة أموال.
خامسا: أن الآية دليل على اللجوء الإقليمى، يتضح ذلك من قوله تعالى: (والذين تبوؤا الدار والإيمان)، أى: (تمكنوا فيهما وجعلوهما مستقرا لهم).
فهذا يدل على أنَّ أصحابَ الإقليم عليهم قبول مجىء من يأتى إليهم من المُهاجِرِين.
وأهم المبادئ التى تحكُم حق اللجوء هو مبدأ عدم الرد أو عدم الإبعاد ، ويرفض الإسلام رفضاً باتّاً إرجاع اللاجئ إلى مكان يُخشَى عليه فيه بخُصوصِ حُرِّياته وحقوقه الأساسية (كتعرضه للاضطهاد، أو التعذيب، أو المعاملة المُهِينة أو غيرها)، عِلَّة ذلك تكُمن فى الأسبابِ الآتية:
1- أن مبدأ عدم الرد يُعدّ من المبادئ العُرفِيِّة، والثابت فى الإسلام أن: (المعروف عُرفاً كالمشروط شرطاً)، وأن: (الثابت بالعرف كالثابت بالنص)، وأن: (العادة مًحْكَمة) أى يُحتكمُ إليها ويُرتَكَنُ عليها. ومن ذلك قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)(الأعراف 199)، قال القرطبي: والعُرفُ والمعروف والعارفة: كل خِصْلَةٍ حسنة ترتضِيها العُقول وتطمَئِنُ إليها النُفوس.
2- أن هذا المبدأ طُبِّق منذ بدايات الدولة الإسلامية على النبى صلى الله عليه وسلم، والذى أقرَّه لذلك، وبالتالى فهو يسرى أيضا على أى لاجِئ.
وفى حالة ضحايا وَآلِى الجنينة الأسبوع الماضى الذى رفض إجارتهم وهى وآجبة عليه قطعاً، وبدلاً من ذلك أمر عسسه، وجنجويده بإطلاق النار عليهم، فأطلق "كلاب جهنم" وآبِلاً من الرصاص على المستجيرين بوَآلِيهم فارْدُوا منهم قَتَلى وجَرْحَى.
ونُلاحِظ فى هذه الحادِثةِ الغريبة الأتى:
1. أن قتلى وَآلِى الجنينة الذين استجاروا به ولم يجِرْهم، هُمْ مسلمون وليسوا بمشركِين، ولو كان المُشركُ يجب بنصِّ القرآن إجارته وإبلاغِهِ مَأمَنِهِ، فالمسلم أولى بالإجارة وتبليغ المَأمن.
2. ضحايا وَآلى الجنينة مواطنون ضمن رعِيَّتِه إستجاروا به من قرية "مُوْلّى" التى تقع على مَرمَى حَجَرٍ من قصرِ الوَآلِى الهُمَام، ولم يلجأوا إليه من دولةٍ مجاوِرة. ولو كان اللاجئين الذين يعبُرُونَ حدودَ الدول والقارات يجب إستقبالهم، وحسن معاملتهم، وعدم جواز ردِّهِم ورفضِ إستقبالِهم، ويجب الإحسان إليهم والإيثار نحوهم، وحمايتهم ومنحهم الأمن والأمان والإستقرار فى مَهْجَرِهم، وعدم رفضِهم لفاقةٍ أو فقر أو حاجة شديدة. فأنَّ نازِحوا تلك القرية بأريافِ العاصمة الجنينة الذين جاءوا منها خَبَبَاً يستجيرُونَ بالوآلِى، أوْلَى بالإجَارَةِ والمعرُوف.
3. لم أوردْ أحكام القوانين المحلية والدولية فى حقوق أمثال هؤلاء المساكين ضحايا وَآلِى الجنينة دار أندوكا حتى لا يسوقوا علينا حُجّتِهم البالية بأنّهم لا يؤمنُونَ بالشِرعةِ الدولية لأنَّها من صُنعِ الكُفّار، ومُكرَّسة لضربِ مشرُوعِهم "الحضارِى".
بعد كل هذا أتساءَلُ ومَعِى أناسٌ كُثر: وَآلِى الجنينة قاتِل المستجيرين إليه من سُكّانِ وُلَايتِه، أما زالَ على كُرسِيِّهِ ؟.

abdelazizsam@gmail.com


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3191

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1402136 [محمد سلامة]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2016 07:34 AM
التحية للاستاذ سام ورد الله غربتك

[محمد سلامة]

#1401864 [الحقيقة]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2016 03:24 PM
ظهر ليلة أمس في قناة الشروق وبدا لى شخص ضعيف لا يملأ العين كحاكم خاصة لأشخاص عنصريين مثل الجنجويد كما ليس له أي خبرة في إدارة مناطق مأزومة مثل دارفور ولذلك إختفى في بيته ورفض الخروج لإستقبال الضحايا.

سيحدث المزيد من الكوارث بوجود هذا الرجل ويبدو أنه قد سلم نفسه للجنجويد مثل بقية ولاة ولايات دارفور كعبدالواحد وجعفر عبالحكم وغيرهم من جرذان المؤتمر الوطنى.

[الحقيقة]

#1401825 [حماده بشير]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2016 02:26 PM
اي اخي سيظل على كرسيه وربما ينقل مترقيا الى منصب اعلى هذا ما عرفناه من اهل المشروع الحضاري والهدي الرباني الذين جاءوا ﻻقامة دولة العدل وتطبيق شرع الله .....حسبنا الله ونعم الوكيل

[حماده بشير]

عبد العزيز عثمان سام
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة