ومات بهنس
12-20-2013 07:03 AM





على رصيف تجمدت فوقه آلاف الكتب المهملة، خطا محمد حسين بهنس آخر خطواته نحو الهزيمة، وفي قلب القاهرة البارد، انكمش الرجل في ثيابه ليصبح أول رجل ثلج يصنعه شتاء القاهرة القارس. وفي صباح ليس ككل الأصباح، التفت حوله أعين كثيرة لم تكثرت لملامحه السوداء أو لملابسه الرثة في ليل البلاد الكالح. وكأن التشكيلي الرائع قرر أن يجعل من جسده النحيل أيقونة اتهام تعلق في رقاب ميادين القاهرة الثائرة.
ذات بؤس ويأس وقلة حيلة، قرر الصعلوك بهنس أن يفر من خريطة السودان المقسمة إلى خرائط أكثر جاذبية، ففر من ظلام أم درمان الدامس إلى عاصمة النور، وفي فرنسا صنع أجمل منحوتاته، لكنه تركها تزين جدران الإليزيه ذات يوم على مضض مخلفا طفلة لم تكد تلوك حروف اسمه الأولى بلسانها الغض. ثم عاد ليفر من مسقط أحزانه إلى شوارع القاهرة المشغولة وقلبه موزع على خرائطه مهشمة. وفي بهو شقة بائسة بمنطقة العتبة، كوم الراحل أعماله الرائعة، وشغل أمسياته الحالمة بعزف منفرد على جيتار الغربة.
كانت شوارع القاهرة ربيعية دافئة، أسالت قريحة الرجل السودانية الخصبة، وحركت شياطين الشعر في جمجمته الصغيرة، فتحركت أنامله الرقيقة تعزف تارة وتكتب أخرى ليتحول الصلصال بين يديه إلى وجوه ثورية تنبض بالحياة والأمل. وداوم صعلوك الجليد على زيارة ميدان التحرير حتى صار محجا له، وحين طاردته الحاجة والفقر وأجبرته قلة الحيلة على مغادرة شقة العتبة، لم تجد قدماه سبيلا للبقاء إلا التسكع فوق أرصفة الميدان الدافئة.
لكن السوداني المتيم بليل القاهرة لم ينتبه إلى تغير المواسم، ولم ينتبه إلى الربيع وهو يفر من ميادين الحرية دون حذاء هربا من القنص، فنام قرير العينين فوق بلاطه البارد، وغادر دون أن ينتبه لأعضائه المتيبسة أحد. وفي غفلة من المارين نحو شئونهم الصغيرة، تحول الفنان المدهش إلى رقم عابر فوق رصيف لا يكترث للراحلين.
لم يكن قلب القاهرة أدفأ من ليل باريس، ولا صدرها أرحم بالأطراف الباردة من فلوات أم درمان. فالهم واحد، واليأس واحد، والموت احد. قدرك أيها الفارس السوداني المترجل أنك جئت إلى أم العواصم في الوقت الخطأ، وظننت بميادينها السادرة خيرا، فطفت بها كما فعل بن الملوح ذات هيام تقبل ذا الجدار وذا الجدار، وحملت حجارتها الفاجرة بين كفيك كمن يحمل بين يديه رضيعا. لكنها هزمتك كما فعلت بثوارها، ولم ترقب في أطرافك المقددة رجفة ولا رعشة. فتحولت أيها المتيم بالعواصم الباردة إلى بركان من يأس وطوطما لفجيعة.
في بلادنا يموت المبدعون مرتين، لكن طرافة موتتك أيها الطريد البائس تمثل منعطفا خطيرا في منحنى الهزائم التي يتقاسمها المبدعون في بلادنا، وتثير الاشمئزاز في قلوب من بقي حيا في بلاد فقدت عذريتها بموتك. ففي وقت تبدل فيه الساقطات عدسات كلابها اللاصقة لتناسب ألوان الفجور في مواسمنا الكاذبة، تموت أنت ككومة من القش فوق أرصفتنا البليدة دون أن يلتفت إلى نقوش حنائك أو تقاسيم كفيك وزير ثقافة أو حتى وزير بيئة، وكأنك الذر في مواسم الغبار.
لم يخطيء الشتاء حين أقسم برؤوس الأربِعة أن يعري ادعاءاتنا الزائفة حتى النخاع، وأن يكشف زيف دفء القاهرة لكل ذي عين وقلب يعي. ولم يخطيء جليد المشاعر حين تسرب إلى أعضائك المستورة بتاريخ رث وادعاءات عجفاء، وقرر أن يصنع من نحات مثلك منحوتة جليدية هشة تناسب هشاشة واقعنا الثقافي البائس. فليسقط بعد تيبس ملامحك السمراء أيها الصعلوك الراحل شبكات الدعارة الإعلامية، وكل وزراء الإعلام، وكافة دور النشر التي لا تطالب بحقوق الدفن لكتاب الزمن القبيح. ولتسقط حروف لغة يسقط نحاتوها فوق الأرصفة الباردة فيتجمدون كالذباب بين صفحاتها المطوية دون أن يكترث لهم قارئ.
بالأمس القريب مات شاعر ملأ الدنيا صخبا، وجالس المسؤولين في كافة البلاد الناطقة بالضاد، ثم دفن كعابر سبيل في مقابر صدقة دون أن يحضر لدفن تاريخه مسؤول، واليوم تأتينا بسمارك الشاهق وأياديك الملونة بأحبار الشقاء لتنام ككتلة من البؤس فوق خريطة مستقبل أهملت عن عمد وعن سوء طوية حقوق المبدعين. لترحل أيها العربي الفارس ولتضم بين جنبيك المتخشبين روايتك الذابلة "راحيل"، فأمتنا التي كانت تحتفظ للكتب بمواقع فوق كافة الأرصفة قد نزع بلاطها الثوار والباعة الجائلون، لترحل عن أمة يسوقها الجهلاء بآية، ويفرقونها بحديث، ولا يجيد ساستها إلا التهييج ولا يتقن كبراؤها إلا القمع،. فارق أيها الحلم المثلج في خرائط العرب عن ميادين لا يعرف ثوارها طريقا للحرية إلا بانتعال أحذية البذاءة، ولا يطالب حقوقيوها إلا بمراسم دفن لائقة بالمواطنين.
لو مات بهنس في بلاد تستحق البقاء فوق الخرائط لثارت شعوبها وحجارة ميادينها، ولخرج المصلحون فيها إلى قمم الجبال يجأرون إلى الله بالدعاء، لكننا أمة ألفت الموت وألفها، وضاجعت الدماء حتى حملت باليأس سفاحا. وتحولت طقوس القتل فوق ربوعها إلى تراث فلكلوري مؤسف، ولم تترك شعوبها من لون أعلامها الزاهية إلا الأحمر القاني وبياض الثلج. وداعا أيها الصعلوك المغامر، يا من طاردت الميادين حتى طردتك، وتحركت في بطون الفصول العربية المضحكة حتى حولتك إلى تمثال ثلجي بارد. وفي مشرحة زينهم ستجد مئات المثلجين مثلك من إخوة كرامازوف الذين حولهم البرد أو الحمق أو الحمل الربيعي الكاذب إلى تماثيل وطنية رخيصة. وعما قريب سيذوب عنك الثلج وتفقد ملامحك في ذاكرة شعوبية مؤقتة، ثم تدفن إلى الأبد.
عبد الرازق أحمد الشاعر
أديب مصري مقيم بالإمارات
[email protected]




تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 2196

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#862553 [بهنس الاخر]
5.00/5 (1 صوت)

12-21-2013 02:18 AM
له ألرحمه والمغفرة ابن الوطن ... بئس الأوطان التي لا تعرف قيمة أبناءها ... لكن كتابنا العزيز ما كتبته جميل لكن ... وصفك اليه بالعربي قد يكون من باب المجاملة .. المجاملة هذه هي التي جعلتنا نكون جزء من منظومة العرب ... لو كان عربيا لاحتضنته القاهرة ولن تتركه يموت من شدة البرد .. صحح قبل ان يجف مداد قلمك ... وقبل ان تسقط لوحات بهنس من علي الجدران ...


#862447 [قنقر]
5.00/5 (2 صوت)

12-20-2013 10:43 PM
الاستاذ عبد الرازق الشاعر
لك كل الود سوف تكون مرثيتك اجمل ما قيل فى حق شهيد الانسانية بهنس .
كيف لا تبكى المروءة و أهلها دون خلق الناس ماتو .


ردود على قنقر
European Union [قنقر] 12-21-2013 01:06 AM
تصحيح :
و أهلها دون خلق الله ماتو .


#862399 [ودالباشا]
4.50/5 (2 صوت)

12-20-2013 09:18 PM
يالك من مبدع ويالها من حسره هكذا يبكون المبدعين اخوتهم دموعهم الكلمات ونحيبهم الصمت


#862276 [yasir]
5.00/5 (3 صوت)

12-20-2013 05:28 PM
لله درك ياعبد الرازق و يالك من اديب و يالك من رائع و يالك من انسان فنان مرهف


#862226 [sudani]
4.00/5 (3 صوت)

12-20-2013 03:51 PM
ما اروعك, لك الود و لبهنس الدفء و لنا الحسره


#862118 [منعم الريح]
5.00/5 (1 صوت)

12-20-2013 12:04 PM
قبل سنوات هتف صديقنا الشاب وقتها محمد مدني : هذا زمان تجارة العراف والعراب والامل الخراب هذا زمان النار تحرق مشعليها دون ضوء هذا زمانك يا عمائم فلتقودي القافلة ولعلني لم يلتبس علي الفهم في المعني المستتر لكلمة عمائم . فلي مطافات ارجاء الكرة الارضية افترش مبدعون من بلادي انواء المعاناة المختلفة فراراً من عصر عمامات الظلام في بلادهم مما دفع بكبيرهم للرقص طرباً علي المنابر فقد خلت له ساحات الرقص وسط الحسان الطامعات وليس في جماله او فحولته فهذه الاخيرة عليها خطان انما المشاركة كالضباع في لحم الطريدة .


#862035 [Abu]
5.00/5 (2 صوت)

12-20-2013 09:56 AM
Just Fabulous what you have written,,,,,,,, Keep the good work up ???


#862031 [saleh]
5.00/5 (1 صوت)

12-20-2013 09:49 AM
كفيت ووفيت اخي الاستاذ عبدالرازق ، فبهنس رحمه الله كان معزوفه شارده من مزامير سليمان بل نسمه انعشت بعض عشاق الفنون الجميله ثم عبرت دون ان يشعر بها احد الا بعد الرحيل القاسي , قضي عمره القصير يطارد احلاما كبارا وقف دونها عهر الزمان وشخوصه ، ثم حظه العاثر ، رحمه الله ووسع مدخله .


#861989 [سادا]
5.00/5 (1 صوت)

12-20-2013 08:30 AM
احسنت اخوي , على الجميع الاكتفاء بهذا المقال الرائع عن رحيل المبدع بهنس


عبد الرازق أحمد الشاعر
عبد الرازق أحمد الشاعر

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة