المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
طه جعفر
إعتياد الفجيعة!. قصة قصيرة
إعتياد الفجيعة!. قصة قصيرة
12-22-2013 12:31 AM


1- أُمسية
سكرت،شربته، كان رائقا كروحها، رائق و شفيف، أطربتني نشوة لطيفة، ثَقُلَ رأسي و تثاقل الكلام الجميل و هو يغادر شفتاي، تثاقل بوداعة و كسل ممتع.خلال ذلك المساء سمعت اغنيات حنينة دَسَني خلالها صوت المغني في بحر الجمال الأكيد، تناولت معها طعاما لم يذق لساني أطيب منه. حضورها جواري و نفاذ فكرتها عند الكلام جعلاني أفرح كما لم افرح من قبل.طاف النعاس اللذيد حولي فخطوت نحو النوم خطوة .. خطوة بتمهل و تركيز، جهزت فمي للقبل و أعددت جسدي للعناق. حينها كانت تعد الفراش و المكان محتشد بالعطور. انتصبت روحي في تلهفها مشتاقة.مززت عسلا من ثغرها أسكر روحي بنشوات و افراح مشرقة. بللتني نشوتها فتدافع فيض روحي إلي داخلها العامر بالدفء،تدافع في موجات عميقة المنبت. لم تغادر يداي ملمس نعومتها الرشيق.أينما تحسست النشوة في جسدها جاءتني كصلاة أكيدة القبول. البشر في عينيها و فوح النشوة من انفاسها و العرق الندي المعطر، ذلك العرق المنسرب من جسدينا تعانق حباً فانتشر الفرح في غرفتنا و حمل سريرنا نحو جنان مزدانة بالوصال.
عند الصباح،تكفلت غيمتان صديقتان بحجب حرارة الشمس فهب نسيم الصباح المحتشد ببرودة هواءالليل الجميل الذي تفرحه انوار النجمات الحبيبة. غادرنا فراش الحب جاهزين للنزال فمعارك الحياة لا تنتظر. ملحمة من أجل شاي الصباح، انتظار لقطرات الماء من أجل الاغتسال. لا كهرباء و لا فحم و لا سبيل لإزالة كرفسة الهديمات إلا بزخات من ماء احتفظنا به للشرب و ضغط من أيادٍ مُتعَبة.
2- خلْفية
خرطومنا غبراء وجائعة.سألتني و نحن في انتظار باص مجيئه غير مؤكد، هل مازلت تحتفظ بإسمك؟ فرددت عليها إلي متي ستظلين صفاء؟ ضحكنا ثم انتبهنا للغبار و الانتظار.
اسمي نادر و هي صفاء. كغيرنا تخرجنا من الجامعة و توظفنا في غير تخصصاتنا، نعمل حيث دبرت لنا علاقاتنا اماكن للعمل. يتحصل أي واحد منا راتبا لا يكفي ضعفه لأدارة حياة كريمة لأسرة صغيرة.نسكن في طرفٍ للمدينة بعيد. نكسب عيشا اضافيا بالعمل ليلاً متناوبان كإداريين في عيادة خاصة.
3-صورة.
حملنا البص كشحنة متنافرة الألوان، روائح العرق البائت، روائح الاجساد المغتسلة بماء النهر الذي يخبىء رائحة الطين في ثنايا تنظيفه، روائح الأفواه التي استاكت أسنانها بأعواد الأراك، رائحة حطب الوقود علي اثواب نسائية من البوليستر المختلط بالقطن الشحيح و العوز الماكث، رائحة الكسرة الذاهبة للسوق. تلتصق الأجساد في البص فثور ثورات غاضبة. و قِيل:
يا راجل ما تشيل حملك من قفاي.
يا ود العم ما تحترم نفسك.
أعوذ بالله ...ناس ما عندها دم.. و ما بتستحي.
زحام خانق، أنفاس منكتمة. و أخيراً ، انزلنا الباص في ضجيج المحطة الوسطي.
مرت أمامنا مواكب انحشرت أجساد من يهتفون فيها في جلاليب قصيرة و عمائم منكرة لها ذيول .لِحَى، بعضها مخضب بحناء كاذبة متسخة الحمرة. هناك من هم في بنطلونات قصيرة و قمصان فقيرة و راغبة.الأحذية أكبر بقليل من الأقدام المتوضأ بماء النفاق. يهتفون في مشيِهم المُتدّين.
القرآن.. دستور الأمة.
القرآن.. دستور الأمة.
شريعة سريعة و لّا نموت .. الأسلام من قبل القوت.
سَمِعْتُ الهتافات، سَمِعَت صفاء الهتافات فعرفنا سبب الجوع، عرفنا سبب الجور. سمعوا الهتافات فعرفوا ما ينتظرهم في نهاية الطريق. نعم سمعوا و عرفوا ثم أنكروا و سكتوا ... سكتوا ... سكوتا طويلاً.
مشي الهاتفون بثبات و عنف نحو منصات الحكم فتسنموها . مشوا نحو السوق و المصارف يختلسون الخطوات قبل الأموال، دخلوا خلسة. إمتلأت جيوبهم بمال الحرام و الذمة الناقصة. تطاول عمرانهم في المدن كلها علا سامقا و اسمنتياً ملونا بألوان قليلة التمدن.
أمامنا انتشرت أعمدة المشانق وساحات العذاب العلني و ألهبت السياط الظالمة ظهور النساء بالجلد المتواتر. و نزلت علي ظهور الرجال بما لا يشبه البُطَان سياط ٌ من عذابٍ دائم.
انتشرت في المدينة رائحة الخوف، ازكمت الأنوف فخرجت الحقائق بأصواتٍ مِنَخنِخَة و مَرَخرَخة من أفواه من يعرفون. الخطابات كلها ملتوية و يندس في باطنها كذبٌ و خديعة. لا يخرج الكلام عديلاً يخرج ملتوياً و مخاتلاً بلا حياء. نعم، انكسرت الحناجر من جراء الكذب.
الأُمة .. الأمَة
الإتحادي المتشقق الراكع.
اليسار عاجز، مجتزأ و مبدد.
و ليس للحرية و التحرر وجيع.
كذبٌ.. كذبْ ... كذبْ و نقصان هِمّة و انكسار و فشل.
المسلحون! عرفوا ابواب السلطة ، مجالسها و مقاعدها الوثيرة. عرفوا و أدركوا متي يدخلون و متي يخرجون فالهواء في المكانين بارد بالنسبة لهم. و الموت في المكانين مجاني. ليس للموت ثمن غير حزن بعيد و صامت. القاتل طليق و دماء القَتْلَي ليس من ورائها مطالب. ليس للأرواح ثمن أو هي رخيصة و بلا قيمة.


4- متن السرد
جعلت مع صفاء لهذه الصورة إطار، إطار من عمرنا، إطار آخر من دمنا. أعجبنا الإطار الأخير لأنه أحمر و الأحمر لون يناسبنا في ازماننا الخاصة. إطار الصورة لدِن و أظنه سائل و مندلق لكنه محدد.
قالت صفاء: للصورة إطار.
نعم، لها إطاران الأول من عمرنا و الثاني من دمنا.
شوف ، الصورة . شوف ،كيف نسخت الصورة نفسها.
نعم، لنا الآن صورتان و سيكون لأي من الإطارين ثمن باهظ.
لماذا؟
لأن الصورة لا قيمة لها، فهي صورة لمشهد عادي.


طه جعفر
تورنتو.. اونتاريو ..كندا
21 ديسمبر 2013

[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1232

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#865675 [حسين الزبير]
4.17/5 (10 صوت)

12-24-2013 02:59 AM
رد علي تعليق الاخ احمد

اخي احمد اشكرك علي اسلوبك المهذب في الاختلاف، و ما جاء في ردك عن الابداع هو التعريف الاكاديمي للابداع - لكن المبدع، اي مبدع ، هو انسان حباه الله بموهبة في فرع من فروع الابداع، و ابداعه في فنه بالضرورة يعبر عن شخصه و فلسفته و نظرته لشؤون الحياة، و نحن عندما نحتفي بالابداع نحتفي به من وجهة نظرنا كمتلقين (Audience) و قد يكون ما أعجبني ، و في حالة هذه القصة، تصوير المبدع لفجيعة الوطن ، لم يكن بنفس الدرجة التي اثارتك بها الصورة الحسية، فاختلفنا في التقييم. لكن المؤكد ان في هذه القصة ابداع. و هذا يدعوني للتطرق للاعتراف بالآخر, و الذي يمثل اساس التعاون و التعايش في مجتمع واحد - و بما ان الآخر قد يكون في اليسار او اليمين او الوسط ، المسلم و المسيحي و الذي لا يجد اهمية لوجود المعتقد في حياته، فان ما يخص الفرد في جزء من الابداع امر يخصه و ما يخصنا موقفه من قضيتنا الجامعة. و عدم الاعتراف بالآخر و مهالكه ماثل اليوم في وطننا ، فالجماعة التي قررت ان الحكمة و العقل و الدين لا يملكه غيرهم، و بذلك قرروا الغاء الآخر ، بعضهم بالجوع و المسغبة و الذلة، و آخرين بالطرد من البلاد ، باعتبار من لا يدور في فلكهم (redundant) و آخرين جعلوهم ادوات لهم باشباع شهواتهم. ماذا كانت النتيجة؟؟ كانت النتيجة ان وجدوا انفسهم في حيز اعتقدوا انه مغلق عليهم ، و تصرفوا تصرف العميان في غرفة مغلقة، فتكاثر بينهم بكتيريا الفساد، و بعد ان التهم الفساد كل شئ . بدأ يأكل في جسم الجماعة. الاعتراف بالآخر و بخيارات الآخرين هو الذي سيتعافي به مجتمعنا باذن الله.

طبعا هذا لا يلغي النقد الادبي ، و لكن النقد تخصص اكاديمي لا يمكن ان يمارسه الهواة امثالنا.


#864597 [بت شبا]
4.10/5 (11 صوت)

12-23-2013 08:36 AM
لا يمكننا ان نغطى قرص الشمس بغربال ...عندما تمتزج الواقعية الحلوة بمعاناة الناس من جوع ومرض وفقر وكبت... وحتى ثورتهم على ما ال اليه الحال يولد الابداع وينثر طه جعفر حروفه البهية ...شكرا كثيرا


#864376 [سمسم]
4.11/5 (7 صوت)

12-22-2013 10:59 PM
انتصبت روحي في تلهفها مشتاقة.مززت عسلا من ثغرها أسكر روحي بنشوات و افراح مشرقة. بللتني نشوتها فتدافع فيض روحي إلي داخلها العامر بالدفء،تدافع في موجات عميقة المنبت.

أى تعليق يفسد روعة هذا الاستلهام الخيالى الملهم والمبدع - روعة لا تقاربها روعة - نرفع لك القبعة أحترام و تقديرا لأبداعك الذى لايدانيه أبداع - تحياتى لك .


#863948 [أحمد]
4.17/5 (9 صوت)

12-22-2013 02:44 PM
التصريح بممارسة الفجور أ هو دعوة للفجور أم فجور في الدعوة ؟؟؟ رب كلمة يقولها صاحبها لا يلقي لها بالا ً تهوي به في جهنم سبعين خريفاً ]


#863432 [حسين الزبير]
4.11/5 (8 صوت)

12-22-2013 03:43 AM
هذا ابداع ... ابداع هادف تشوق فيها عيوننا و قلوبنا لتمتص الوانها و سحرها و لتسكن صورها في الهارد دسك مؤكدا انها فجيعة وطننا المسروق.

كم نتمني ان تداوم و تجعل وصفة مسكنك هذا حبه مرتين في الشهر. واثق انك تقدر علي ذلك


ردود على حسين الزبير
United States [أحمد] 12-23-2013 03:28 PM
شكرا أخي حسين على ردك المهذب فقد تعود الكثيرون منا على خلاف ذلك ربما لما تمر به حياتنا من ظروف لا تسر صديق ، أخي الإبداع حالة عقلية بشرية تنحو لإيجاد أفكار أو طرق ووسائل غاية في الجدة ( جديد) والتفرد بحيث تشكل إضافة حقيقية لمجموع النتاج الإنساني كما تكون ذات فائدة حقيقية على أرض الواقع.
بناءً على ذلك أتسآءل هل هناك من جديد في هذه القصة ليضاف للبشرية ((السودانية)) أم ان صدرالقصة يسلط الضوء على ممارسات لا يتشرف بها حتى من يمارسها؟ انها فجيعة فجيعة فجيعة بحق


طه جعفر
طه جعفر

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة