المقالات
السياسة
رياح الجنوب القادمة
رياح الجنوب القادمة
12-22-2013 02:36 PM




استهان الشماليون والجنوبيون بشعار الوحدة الجاذبة الذي جاء خياراً مفضلاً لكنه غير ملزم ضمن بنود اتفاقية نفاشيا، فلم يعملوا صادقين خلال ست سنوات من الحكم الانتقالي على ترويجه وجعله ملاذاً ومخرجاً وطنياً نتفادى به نيران الفرقة والتناحر المتوقع حدوثه إذا ما انفصل الجنوب حيث تتكاثر القبليات والألسن المتباينة التي نعلم بفجور خلافها فيما بينها أكثر من علمنا بالخلاف الذي يفترض البعض وجوده بين الجنوبيين والشماليين. ولأن شعار الوحدة ظل حبيساً في أدراج الساسة، فقد ظلوا يرفعون صوتهم به خفيضاً وفي حياء وبلا حماسة أو تمجيد لمحاسنه حتى عند مخاطبتهم لمن يفضلونه. لذلك انطفأ بريقه والتهمته نيران الانفصال الذي انطلق شيطانه من القمقم وعلا صوته فجأة ففرح وهلل به من كانوا يرفعون راية الانفصال بغضاً للوحدة إزاء ترسبات متخيلة أوعزت للجنوبي بأنه سيكون مواطناً من الدرجة الثانية في ظل السودان الواحد وهو ادعاء أجوف لا يعادل خطورة النزاع القبلي الذي تعيشه الآن دولة جنوب السودان.

ولما كان البون العرقي والاجتماعي والثقافي شاسعاً بين قبائل الجنوب فيما بينها لدرجة عدم قبول قبيلة بالأخرى، لم يجدوا لساناً يصلح لمخاطبتهم في ساعة النزال سوى اللسان العربي الذي استخدمه الفريق سلفا كير في تحليل وتنوير المواطنين الجنوبيين عن الأحداث الدموية التي امتدت من جوبا إلى توريت وبور ووصلت مناطق انتاج البترول في ولاية الوحدة ليجعل الدولة الوليدة على شفير الهاوية. وقد لا يدري أحد ما ستتمخض عنه الأيام المقبلة - مع انتشار قوات يوغندية في جوبا لتأمين وساطة موسيفيني وإجلاء الرعايا، وإرسال أمريكا بعض المارينز لحماية السفارة وإجلاء الرعايا، وتلويح قوات الأمم المتحدة بورقة البند السابع التي تخوّل التدخل لحماية المدنيين، وإجلاء ألمانيا لرعاياها والصين لعمال النفط - ما لم يتوافقوا ويضعوا سلاحهم أرضاً. ولكن كيف يا ترى سيتحقق الوئام بين الأطراف المتقاتلة إذا كان سلفا يقول بأنه يقبل بالتفاوض مع مشار ولا يضمن النتائج، وأن مشار بعد أن كان ينفي ضلوعه فيما حدث يتوسط مقاتليه ويدعو الجيش علناً لأسقاط سلفا كير بل لا يرضى بالتفاوض إذا لم يتضمن بنداً بتنحي سلفا كير؟!

خلال العامين المنصرمين لم تحدث أي طفرة إنمائية أو يلمس المواطن الجنوبي أي مسعى نحو تحقيق طموحات وشعارات المستقبل التي صوتوا من أجلها بينما اشرأبت أعناق الساسة الجنوبيين للمناصب العليا ونعيمها وعم سرطان الفساد وعلت المحسوبية واختل ميزان العدالة والأمن، ولذا أنجب الطموح القبلي تضارباً بين من يديرون معاً دولاب الدولة الوليدة التي زادها تضعضعا انتهاجها أسلوب تصفية الحساب معنا والانصراف عن جادة طريق التنمية ورفع شعار (علىّ وعلى أعدائي) فحرمت نفسها من عائد البترول – نكاية فينا - لأكثر من عام ونصف كان دخله كفيلاً بوضع لبنات لبناء الدولة الحديثة المفتقرة لأبسط مقومات النهوض والاستقرار وبعث الطمأنينة في نفوس المتطلعين والحالمين بدولة ذات سيادة وكينونة.

لسنا من الشامتين على ما يجري في دولة الجنوب ولسنا من الذين يقبلون بالمآل الخلافي فيها ولكننا أكثر جيرانه تأثراً لكون الإنسان الجنوبي لن يجد ملجأ آمنا، إذا استعرت نيران الحرب الأهلية، غير بلادنا التي خبر دروبها وتربي في كنفها وتشرّب ثقافتها. ولذا لا نستبعد أن تهب علينا رياح الجنوب بعودة كل من عاش تجربة ميلاد دولة الجنوب دون أن يلمس استقرارا هناك، غير أن هذه العودة ستكون وبالاً علينا في ظل اقتصادنا المتضعضع مع ما يكفينا من هموم ونزاعات. وفي مثل هذه الضبابية التي تلف سماء دولة جنوب السودان لعل الحكمة والكياسة السياسة تتطلب وقوفنا جانب الحياد باعتبار أن ما يجري هناك أمرأ داخلياً بصرف النظر عما تم مؤخراً من بشريات تعاون، لأن انتهاء أي صراع بإقصاء طرف للآخر لا ينفي جوارنا الجغرافي ولا ينهي شبح القضايا العالقة مما يحتم التعامل بوعي مع من يدير دفة الحكم في الدولة المجاورة.


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 964

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




صلاح يوسف
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة