المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الجبهة العريضة والماكينة المتعارضة
الجبهة العريضة والماكينة المتعارضة
01-12-2011 08:30 AM

غربا باتجاه الشرق

الجبهة العريضة والماكينة المتعارضة

مصطفى عبد العزيز البطل
[email protected]

(1)

قبل عقدين من الزمان حزمت حقائبي استعداداً لمغادرة أوربا - التي قضيت فيها قرابة العامين مبعوثاً للدراسات العليا - وذلك تمهيداً للعودة للالتحاق بوحدتي الحكومية بالخرطوم. في طريقي توقفت في بروكسل لشراء سيارة، فقد كان التقليد أن يشتري كل مبعوث سوداني سيارته من عاصمة البلجيك. وهناك كان مقامي عند رجل سوداني أصيل، اسمه صدقي مطر، قادني الى معرض فاخر من معارض السيارات حيث وقع اختيارنا على سيارة نيسان بلوبيرد مفتخرة (لاحظت فيما بعد أن نفس السيارة تباع على نطاق واسع في الولايات المتحدة، ولكن ولحكمة يعرفها عباقرة الشركة اليابانية المصنعة فإنها تتخذ اسماً مختلفاً في الأسواق الأمريكية وهو "ماكسيما"، بدلاً عن "بلوبيرد")!

عند عودتي إلى الخرطوم أردت أن أعرف القيمة المالية لتلك السيارة مقارنة بالسيارات التي تباع محلياً. أذهلني أن السعر شديد الانخفاض. سألت أحد السماسرة: كيف يكون سعر سيارتي وهي جديدة موديل العام نفسه، أقل من سعر سيارة أخرى قديمة أُنتجت قبل سبعة أعوام؟ رد الرجل بكل ثقة: "والله يا أخ كل المشكلة أن ماكينة سيارتك متعارضة"! قلت: ماذا؟ رد الرجل وقد نفذ صبره: "قلنا ليك الماكينة متعارضة". لم أفهم شيئاً. ولكنني لاحقاً فهمت بطبيعة الحال، فقد صارت قضية "الماكينة المتعارضة" جزءاً من حياتي بعد ذلك حتى كتب الله لتلك السيارة أن تذهب الى غيري. كان الأمر في جوهره متعلقاً بتصميم هندسي جديد لمكائن السيارات يختلف عن التصميمات القديمة التي كانت معروفة ومألوفة عند أهل السمسرة والميكانيكا في السودان، فقاوموا الجديد واستهجنوه وبخّسوه. الخلاصة أنه في ذلك الزمان الغابر كانت "الماكينة المتعارضة" معناها أن سيارتك لا تساوي بصلة!

(2)

عندما أعلن في العاصمة البريطانية لندن عن قيام الجبهة الوطنية العريضة لإسقاط النظام كان أول ما خطر ببالي - كمعارض مبدئي لنظام الإنقاذ - هو أن كسب ذلك التنظيم الجديد في سوق السيارات السياسية لن يكون أفضل بكثير من كسب سيارتي النيسان: تنظيم متين من حيث المبادئ والخطط والأهداف ولكن ماكينته للأسف متعارضة! ولذلك كنت أطلق عليها اسم: الجبهة الوطنية المتعارضة لإسقاط النظام!

أنا بطبعي ضعيف الثقة في كيانات المعارضة التي تتخذ من العواصم الأجنبية مقراً لنشاطها، وقد درست تاريخها ابتداءً من الجبهة الوطنية التي كونتها الأحزاب المناوئة للحكم المايوي في مقتبل السبعينات، ثم انتهى الحال بكياناتها الى التشرذم والتناحر والانقسام وحصب تهمات الخيانة والعمالة فوق رؤوس بعضها البعض. وصولاً الى التجمع الوطني الديمقراطي الذي ولد عقيب انقلاب الإنقاذ، وتاه بعد ذلك في دروب المعارضة بين القاهرة وأسمرة وغيرها من العواصم والمدن، قبل أن ينفرط أمره وينهتك سرّه بين دفتي الكتاب الخطير المثير: "سقوط الأقنعة"!

كما انني كثير التشكك في القطاع الأعظم من أصحاب الأصوات الزاعقة في صدور المحافل، وأهل السقوف العالية في بدائل الثورة وإسقاط الأنظمة. وقد كانت عبرة ستة عشر عاماً من الحياة في المهجر الأمريكي عندي هي انه، عندما يتصل الأمر بمعارضي الشتات - والزمرة الغالبة من رجال الجبهة العريضة ونسائها من أهل الشتات - فإن أعلى الناس صوتاً هم الأقل عطاءً والأضعف قدرة على اتِّباع القول بالعمل. تبحث عنهم عند الفزع فلا تجد لهم أثراً!

يُحيرني دائماً أمر أولئك الذين ظلوا عبر السنوات يصدّعون رؤوسنا بأن الطريق لازاحة نظام الإنقاذ هو العمل المسلح. ومع ذلك فإنك لا ترى لدى الواحد منهم أدنى همة للالتحاق بمعسكر للتدريب العسكري أو إرسال أبنائهم للحرب. فإذا سمعوا قعقعة السلاح وجدتهم أول من لاذ ببيته خشية أن يقتلهم سليمان وجنوده. في فقه هؤلاء أن الذين ينبغي عليهم حمل السلاح ومنازلة قوات الإنقاذ ومليشياتها والموت على مداخل الخرطوم يوم تحريرها هم ملةٌ أخرى وبشرٌ آخرون، من سنخ أولئك المهمشين ذوي الوجوه الكابية والعيون الخابية، الذين لا ملامح لهم ولا أثر ولا بصمة، ممن تراهم في عرض الطريق فتقتحمهم عيناك. لا يسرك مرآهم ولكنه لا يعنيك في شيء. هم - وهم فقط - الذين يُراد لهم أن يحملوا السلاح فيَقتلون ويُقتلون. فإن فعلوا أتى الثوار الزاعقون أصحاب البشرة الطرية والوجوه الندية فيدخلون صبحاً كما الفاتحين، يرفعون شارات النصر. أما هم أنفسهم فلا يحملون سلاحاً. وأما أبناءهم وبناتهم فألف لا. هؤلاء لهم ولهن المدارس والجامعات الأمريكية والأوربية، وألواح الشوكولاتة، وطق الحنك باللغات الأجنبية!

(3)

ويحيرني أكثر أولئك الذين يملئون الدنيا هتافاً عن النضال من أجل استعادة الديمقراطية، وهم لا يعلمون عن قيمها ومعانيها وآلياتها وضوابطها شروي نقير. من هؤلاء قطاع لا يستهان به من زمرة المنخرطين في المجموعات والفِرَق المتشاققة والمنشطرة أميبياً داخل تنظيم الجبهة الوطنية العريضة ذات الماكينة "المتعارضة"، التي انفرط عقدها على حين غرة في بداية هذا الأسبوع. وقد انقلب فرسان هذه الفرق المنشطرة ورهبانها من بعد إيمانهم كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض. كنت حتى أمس القريب أسمع صليل الطرقعات الهستيرية على مفاتيح الكيبورد: "القائد المناضل الجسور علي محمود حسنين"، فإذا بنفس المناضل يستحيل بين طرفة عين وانتباهتها الى: "الدكتاتور الخائن المفصول علي محمود حسنين. سبحان الله! الرجل الذي قدمه لنا مغاوير الجبهة العريضة على انه "أمل السودان"، يسقط هكذا من القمة الى القاع بدون مقدمات؟ (كتب أحد المغاوير في معرض الرد على مقال لي نشر قبل شهرين توجهت فيه ببعض الانتقادات الى الأستاذ حسنين وجبهته مقالاً اختار له عنوان: مصطفى البطل ومحاولة اغتيال الأمل)!

ثم ويا للهول: الرجل الثاني في هرم القيادة، والذي منحه المؤتمر العام منصب "نائب رئيس الجبهة الوطنية العريضة لإسقاط النظام" يكتب مقالاً تتناقله مواقع الشبكة الدولية يقول فيه عن قائده ورئيسه المعزول إنه: (يمارس الكذب والتزوير والخبث.. يكذب ويحلف بالله ثلاثاً رغم انه أتى من الحج). ويتحدث عن أول مقابلة لهما في محفل عام فيقول إنه لاحظ بأن حسنين: (كان يُقابل بالاستخفاف والاستهزاء. وأحسست تجاهه ببعض الرثاء). ويضيف نائب رئيس الجبهة العريضة المفصول في مقاله عن شخصية حسنين، المفصول هو أيضاً، إنه "رجلٌ جبان" تنكر لزملائه المعتقلين بسجن كوبر عقب انقلاب 1989م وتمكن بطرق ملتوية من مغادرة السجن بدعم من الرئيس البشير، وانه دكتاتور صغير يتكلم وكأنه لويس السادس عشر. يا لظلم الإنسان لأخيه الإنسان. يقولون في كتب التاريخ: "الويل للمغلوب". أما في كتب السودان فيقال: الويل للمفصول!

(4)

ولكن ما هو الدافع المفضي الى كل هذا الهرج الذي أطاح بالرئيس حسنين ونقله، ضربة لازب، من خانة البطل الذي يجسد الأمل الى موقع الخائن الذي يمثل الخبل؟! بحسب البيانات الرسمية المتلاحقة التي فرختها حواسيب أعضاء الأطراف المتصارعة ونثرتها على مواقع الشبكة الدولية خلال اليومين الماضيين، فقد اختلف الثوار حول مفهوم العلاقة بين الدين والدولة، واستعصى الاتفاق بينهم. فكان أن قلب بعضهم الطاولة على البعض الآخر. وقامت كل طائفة بفصل الطائفة الاخرى، عملاً بنظام: أفصلني وأفصلك! ثم انفلت عقال الاتهامات والشتائم التقليدية المستعادة المكرورة بين كل طرفين متنازعين في تاريخ السياسة السودانية!

أليس غريباً أن تخفق جماعة، تزعم لنفسها حق تمثيل السودان بأسره، كل هذا الإخفاق في تداول وحسم القضايا الخلافية بين صفوفها بالتزام مناهج الديمقراطية وآلياتها؟ لا سيما إن كانت هي نفسها واحدة من الجماعات التي تلهج بأسماء الديمقراطية الحسنى في البكور وتترنم بعشقها في العشيات؟ أيعقل أن يزعم كيان سياسي ان هدفه الأسمى وغاية مراده ومحط رجائه هو استعادة الديمقراطية والتمكين لها بين العباد، ثم يستخزي عن الالتزام بأبجدياتها، ويعجز عجزاً مزرياً عن إنفاذ أحكامها وقوانينها في خويصة نفسه؟!

(5)

ثم ما هؤلاء الذين يتلاحون حول ثمن الفرو قبل أن يقتلوا الدب؟! ما هؤلاء الذين يتنازعون حول البردعة قبل أن يشتروا الحمار؟! اختلف ثوار الجبهة العريضة حول مستقبل الدولة السودانية، وتحديداً حول شعار فصل الدين عن الدولة. ولكن أي دولة.. الدولة التي ما زالت العصبة المنقذة تحكمها وتقبض على زمام أمرها بيد من حديد؟! ما هذا الخبال؟! التفكير الراشد يقرر أن الهدف الأساسي لأي تنظيم معارض هو إسقاط النظام أولاً. ثم تأتي مهمة وضع البلاد في طريق التحول الديمقراطي ثانياً. وفي المقام الثالث تكون الترتيبات الدستورية وبضمنها قضية العلاقة بين الدين والدولة، وهي ترتيبات لن يأتّ القرار بشأنها من تنظيم واحد مهما يكن شأنه. بل يحسمها الشعب بنفسه عبر آليات الديمقراطية الحرة المباشرة. عظيم: أين نحن من ذلك كله؟ أين موقع اشكالية الدين والدولة فى سلم حركة معارضة هدفها اسقاط النظام واستعادة الديمقراطية، حتى ينشب الخلاف ويحتدم ويتفاقم، فنأخذ بخناق بعضنا البعض حول قضايا افتراضية ليس هذا أوانها ولا هو زمانها، ولا يرى فيها رجل الشارع العادى، الذى يجرى النضال والقتال تحت اسمه وعنوانه، فى يومه هذا اكثر من طروحات جدلية اكاديمية؟ لكأننا أحبار النصارى من أهل بيزنطة، الذين حدَّثت الأسطورة أنهم ظلوا مختلفين حول جنس الملائكة، أذكور هم أم إناث، حتى دهمت جيوش الغزاة مدينتهم!

يا معارضي الزمن الردئ: اقتلوا الدب أولاً، ثم ابحثوا أمر الفرو!



عن صحيفة " الاحداث"


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1970

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#77196 [احمد اهلية]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2011 04:10 PM
قرينات قال كلام فارغ ...عشان مافهم حاجة ..لكن زول زى عمار على قيادى طلابى لعشر سنوات ما مقبولة منه... على كل البطل فى الفيها ولا بقرا كلامنا دا من اصلو ... المهم ...... اذا ما ظلت النخب السودانية على ما يجرى من اساليب حكم ومعارضة .. فالامر قد حسم لصالح الخراب .. والبلد .. دايرلو ولد .
الموضوع ما حكاية مناضل ومناضل ضده .. الموضوع محتاج لثقافة سياسية ... وعلى حسنين ما بفرق من اى طالب جاه آخر .
الكتابة شرف يا ناس
الله يجيب الناس البفهمو ...


#77036 [قرينات]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2011 12:55 PM
ليسـت السيارة التي إشتريتهـا تحـمل ماكينه متعـارضـه !! .. ولكـن أنت مـن تحمـل السـلم بالعـرض .. يبدو أن حـظـك مـن دنيا الكتابه هـو الـقوالات ، مـاذا قـال أبوسـن !! ، ومـاذا فعـل ابوجـن !! .. المدعـو مصطـفي البطـل .. لاشـأن لـك بالكتابه الـوطنيه .. يقينـي ، وقـطـع شـك ، أنت لاتحـمل مثقال ذره مـن وطنيه .. عـــد لقـوالاتك ، وابحــث عــــن الشــمارات بعـيدا عــن همــوم الوطــن .


#76286 [الوليد]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2011 10:27 AM
المقال ده بيلخص حال المعارضة
وتأكدوا إنو الشعب ما عندو اي إستعداد يخاطر ويطلع الشارع عشان شوية منافقين ما يفرقو اي حاجة عن الكيزان......
كلو واحد داير مصلحتو


#76271 [amar ali]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2011 09:58 AM
للآسف أخطأ البطل خطأ فادحا هذه
المرة ‏،‏ فكيف يصطف الجمع ليزيلوا ‏
دويلة الانقاذ المتبقية من قبل معرفة
الجهة التي يسلمون لها ما تبقي من الوطن
؟ وكيف يخاطر عاقل بفعل ثوري للتغيير ‏
وهو لا بديل له في يده الا العويل !؟
ان الصف المناضل لابد له من تحديد الي ‏
اين تكون رؤاه الثورية المؤسسة لمجتمع ‏
ما بعد الثورة ‏،‏ وهذا لا يعني انه سيفرض ‏
رؤاه تلك علي الشعب من بعد ‏،‏ لكنه سيدعو ‏
لها ‏،‏ وسيحتشد صف النضال بموجب هذه ‏
الرؤي الواضحة المؤسسة .
اري البطل اليوم فعلا ....... لا اكثر عند نافع ‏
واجهزة أمنه !


#76249 [mohsen]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2011 09:25 AM
السياسة معناها الاصلاح وازالة الخلل وتقدم بالامة بل بالفرد لانه اساس البناء ولكن للاسف نرى العكس شكرا على الموضوع الواقعي.... تحياتي


مصطفى البطل
مصطفى البطل

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة