المقالات
السياسة
قيمة الثورة المفقودة يقيناً وأسطورة الوطنية و الضمير و المسئولية
قيمة الثورة المفقودة يقيناً وأسطورة الوطنية و الضمير و المسئولية
12-24-2013 11:05 PM

الحكاية السودانية عالم جميل , هي أسطورة تشبهها عوالم الفن و الغناء بشقيه الوطني و العاطفي , غُرست في روح الشباب فأصبحت صدى السنين الحاكي , صورة أجمل ما يكون في العالم المُتَخيّل , ربما في زمن مضى قد تشبث العالم العربي من حولنا بمد الحركات العالمية , سياسية كانت أم عاطفية. و لكن يبدو أن الثورة في السودان قد اندلعت عاطفيا ً , فقد كانت حواشيها من أثمن ما انتجه الفن الحديث من أغاني وطنية و حكايات. إلا انها تحولت الى أسطورة فنية و أدبيات تهز وجدان السوداني الرهيف و تزلزل كيانه. و في ظل الكبت الديني الذي كان يُمارس في بعض مراحل تطور العقل السوداني و النقد المتسلط , نشطت اسطورة الحكاية و الثورة , و لكنها اتجهت نحو القداسة و المعاني المُتَخيّلة , و لم تحمل مظاهر الواقعية أو الثورة من أجل الواقع الاقتصادي , لذا تكونت صورة للحكاية و أسطورة من أجل الثورة ناقصة التكوينات. فقيمة الثورة المفقودة هي القيمة المدنية بأخلاقياتها و الاقتصادية بتفرعاتها و هو ذلك الجانب العملي لقيمة أي ثورة اجتماعية أو ثقافية أو سياسية.

ربما يتفق معي في هذا الزعم كثير من الناس , فحالة الإحباط التي تسيطر على الناس , ما هي إلا كفرٌ بالقيم الأدبية لما قبل الثورة , فالناس يؤمنون بالأغنية الوطنية الثائرة , و يكفرون بالواقع المرير , فانعكس ذلك سلباً , في واقع كله إحباط و يأس. فالضمير الذي كان يغني للوطن قد أشكل حال الوطن , فقذف كل تلك القيم من وراء ظهره , و انكب على موائد الحلول السياسة , عارية من أي قيمة , في سبيل التطور. فجاء انقلاب العسكر في السودان في العام 1989م بلا قيمة أخلاقية أو مدنية أو اقتصادية. فتبعه الناس في ظل هذا الإحباط و هم يريدون الحلول الوقتية. فغابت المسئولية في ذلك المشهد و غاب الضمير الواعي كمتحكم في سلوك البشر. و لن تُسترد هذه القيمة المفقودة في ليلة و ضحاها. فالحكام ضمائرهم قد بِيعت من أجل أغراض شخصية دنيئة , و الذين يعارضون قد افترقوا و تشتت شملهم فهم لم تنضج رؤاهم بعد كل هذه السنوات من الخبرة. فقيمة الوطن و الوطنية هي الأبرز غياباً في كل مشاهد الوطن , و قيمة المسئولية هي الأكثر ضياعاً في السيرة الذاتية لمشاهد السياسة السودانية. و موت الضمير هو الشاهد الأكبر على عمليات النصب و الاحتيال على المواطن , بدواعي فكرية خيالية و خالية من المسئولية.

و في سبيل اتيان الثورة من أجل هذا الوطن , على الجميع التحلي بالقيم الوطنية و المسئولية , و تحتاج الثورة لبطل همام يبيع نفسه من أجل الوطن. فالبطولة في هذا السياق لا يشترط فيها من اشتهر بين الناس بحزب أو طائفة أو عائلة أو اسم براق , و لكن يشترط فيها الضمير و المسئولية فهذه القيم انسانية و ليست حصرية على أحد دون الآخر أو حزب دون الآخر و العبرة فيها بالعمل , فالعسكر الذين قلبوا الحكم لصالح حركة الأخوان في السودان , كثير منهم لا يدرك ما معنى الضمير و المسئولية و الوطن , فالواقع العملي هو ما يعطينا هذه المعطيات و النتائج , فكثر الفساد و غُلّت يد العطاء عن الوطن و المواطن , و استشرت المحسوبية و الرشوة و موت الضمير. فالثورة القادمة ثورة شباب يجب أن يتحرر من قيود المجتمع الضارة و التي تضر بالمفهوم الاقتصادي و السياسي , فليصنعوا قيمة الحكاية الجديدة , و ليرفعوا سقف المسئولية الشخصية و الوطنية , فغياب تجانس الفكر و الواقع في ظل هذا الحكم على أسس وطنية , و على أسس قيم و أخلاق السودانيين , هو الذي أدى إلى هذا الانفراط المريع في عِقد المجتمع. و فقدان روح الوطنية و القيم الحقيقية في تسلسل المناهج الدراسية و التي عكف على اعدادها نفر يدينون بدين الأخوان و ليس السودان , لذا جاء النتاج باهتا بلا روح و لا لون.

اما إذا اردنا أن نقيس نجاحاتنا حسابيا , فالنتائج مذهلة , و بمنطق العمل و النتيجة فان الحصيلة (صِفر ٌ كبير) , نتيجة لا تتناسب مع حجم البشر الذين تعلموا في بلادي , و سيرة التعليم في السابق كانت حصيلتها عقول عبقرية و كوادر منظمة و ملزمة للنجاح , فقد هجر بعضها الوطن فارتفعت بهم أمم أخرى و علت و انحدرنا في وديان الفشل , و هنا يبدو ان المشكلة ليست عقول متميزة أكاديميا أو اقتصاديا أو فلسفيا , و اتضح من بعد ذلك ان المشكلة أزمة ضمير و وطنية و سلوك يجافي قيم التعليم و الاخلاق. فكان عقب كل ثورة في السودان يرتد عليها العسكر و يغتصبون شرعيتها , و لعل السبب أن حركة التعليم و الثقافة هي أجسام مُتخيلة لا صلة لها بالواقع , فالمثقفون و السياسيون يهيمون في وادي و الشعب في وادي آخر. و علاوة على ذلك عدم اتساق المثقف و السياسي و العسكري , فكل واحد منهم اذا ما قفز على كرسي الحكم ألغى الآخر أو أغواه. و في نفس الوقت كان من الممكن ان تسير المركب سير طبيعي اذا أدى كل واحد دوره بجدارة دون تداخل في الصلاحيات و الأدوار.
المجتمع السوداني على مستوى الأفراد و الأسر و المجتمعات الريفية و الحضرية , لا توجد مجتمعات تشبهه في العالم أجمع من حيث قيمة التكافل الاجتماعي. فلماذا تنتهي روح و حدود المسئولية بهذا الشكل الغريب فقط بين المجتمعات و لا تمتد الى حيث المؤسسات الوطنية؟ و لماذا عندما يعتلي كثير من السياسيين و المثقفين و العسكر دفة الحكم يتبدلون الى فلاسفة لا يدينون بدين بيوتهم التي خرجوا منها. و من هنا تبدأ القطيعة و تظهر أشياء أقرب الى الأشباح منها الى البشر. ففشلهم في تحديد الحاجات المادية و الاقتصادية للمجتمع جعلهم يفشلون في نظم الحكم و تكوين المدنيات و انشاء الحضارات , مما أدى الى الاهتمام بأُمور انصرافية لا تهم الناس من بعيد أو قريب , فهذا هو سر الإحباط في أوساط الشعب و الجماهير. فبعد أن جربت كل الأحزاب السياسية السودانية الحكم و بطرق مختلفة كانت المحصلة أن اقتنعت الجماهير بأنه ليس هنالك جديد يُذكر , و ليس هنالك أمل فيما يُسمى بالأحزاب السودانية.

و في خلاصة هذا المقال يمكننا أن نخلص الى أن المجتمع السوداني من أكثر المجتمعات إيغالاً في الحياة الريفية حتى في أطراف العاصمة و بعض الأحيان في قلبها القديم. فالحياة في السودان لا ترقى لأن تكون مدنية. فدوافع المد المدني و الحضاري و الإقتصادي قد كُبلت برغبة السياسة و ممارساتها الغبية اللا مسئولة. فقيمة التشبث بالحياة المدنية و الحضرية و العمرانية ضعيفة بل و غائبة في كثير من الأحيان. و قد تتفاوت هذه القيمة من منطقة لأخرى و من عقل لآخر. لذا قلت الرغبة و الدافعية للحياة بالمفهوم الحديث مما أدى الى الإحباط و الزهد في التغيير. و لكننا من هذا المنبر ندفع شبابنا نحو تلك المفاهيم العصرية الحديثة و التي جعلتنا في مؤخرة الأمم بسبب اليقين الأسطوري و التقليدي. و انهم هم معاول الثورة و هم من يُعول عليهم في استرداد القيم المفقودة و المسروقة.
ان الشعوب و ان تطاول ليلها **** كالشمس تسري في الظلام فتشرق




أحمد يوسف حمد النيل
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 887

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أحمد يوسف حمد النيل
أحمد يوسف حمد النيل

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة