المقالات
السياسة

12-25-2013 01:39 PM




غنيٌّ عن الأوطانِ لا يستخِفُني ** إلى بلدٍ ســافرتُ عنهُ إيابُ
وللسرِّ مني موضــــعٌ لا يناله ** نديمٌ ولا يُفضي إليهِ شَرابُ

المتنبي

(1)

كذا أشعر المتنبي منذ أكثر من ألف عام ، نسمع الآن الأقاصيص تتدلى من أراجيح الخيال ، ونشهد طفح الدماء وسيادة القدم الهمجية ، والأفواه التي يملأها التُراب . هل أتى على زماننا صفعةٌ من التذكر؟ ، أو صبوة تأتي النسائم بها لمراكب العير في الصحاري . هذا يوم لا ندم فيه يعيد الطلّ ، بل نُدماء يجمعهم ما يفرق. ليست الحسرة إلا أول الغيث . لم تعُد بلادي أرض الهجرة لمن تُلقي بهم عصا الترحال أنا يشاءون في أرضها الفسيحة أو مُستَبْشَر الضاحكين من الفرح أن قد لقينا أهلاً يحلّون مكان العشيرة . صوت الأرض تئن من تعبٍ ومن جوع الذين على ظهرها ،يعيشون أيامهم السود في فلق الشمس النهارية . أوجاع تنبجس نيرانها من طحن الأوصال ببطء يفرُم العضلات ، وتتعذب انتَ بكل أشواك الحاقدين تمُرّ خناجرهم تُخطط جسدك بالحفر ، فكيف يا هذا لا تُعِلُّك الدنيا أو تنوبك الشكوى وأنت المُستغَاثُ لما ينوب .

(2)

إن صعدتَ بنظرك من أثر القدم الهمجية وبيان ملامحها على الأرض ، لتتفرس في ساق صاحبها والجزع وبناء الجسد الهمجي ، يقودك نظرك جلياً إلى البناء الضخم الأجوف وهو فاغر الفاه للهوام كهفاً ومسكناً، وتعرف أن الجسد الهمجي قد هجرته العافية ، و سافرت عنه الرواحل المُبهرجة بزينتها ، كأن قد أسعدها الرحيل .ذهبت جميعاً مع الريح وبقي نَمر الورق.

(3)

إن استيئسنا وفررنا بجلودنا ذات مساء أو ذات فجرٍ من التاريخ، فنحن أحَنَّ عاطفة .دموعنا قريبة الهطل ، نديَّة ترشف ينابيع الدمع عندما يهتز الوجدان .

عُدت ذات مرّة لموطني الأول وقلت لنفسي : العود أحمد . ترجّلت عند السفر. صار المطار على نفسي غريباً لا يشبه مطارات العواصم ولا المُدن الطرفية في البلاد الأخرى التي أعرفها. تيبست العيون التي إليَّ تنظر وكأنها تعرفني ولا تعرفني . وكأنها تُحسِدني على آثر رطوبة الشواطئ البحرية المالحة على ملمس يديَّ ووجهي في المكان الذي عشت فيه بعض العُمر . لم أعرف الدار ولم أتبين ملامحها من رصيدي من القديم الذي أعرف، وقد توهَمت أن التي إليها قد قدمت هي بلدي التي تركت، وهؤلاء الكالحة وجوههم ووجوههنَّ، بعض أبناء وبنات موطني . زادت أعمارهم جميعاً ثلاثين عاماً فوق أعمارهم الحقيقية. الأرض سرادق عزاءٍ مفتوحة على الأفق ،غطّت السماوات العُلا ،والنائحون بلا صوتٍ والنائحات. لمحتُ الجلابيب القصيرة التي تكشف أطراف الأقدام ، والأثواب التي انحسرت إلى الساق لتستبين أنتَ أثر الوضوء، يستدنيك لتُهلل وتُكبر ، فوقت الصلاة يتقاطع مع وقت العمل ،ووقتها الممتد بلا ضابط ، يتعبد فيه موظفي العمل العام في المطارات ، في حين يقف القادمون في صفوف الانتظار للإجراءات . فجزاء الانتظار سيخسف ما قد حصدوا من مخزون التعبُد !.

(4)

عادت السيارات المُتراصة تنتظر الجازولين في الطرقات الرئيسة في موطني ، كأننا لم نكُن نُصدِّر الذهب الأسود في يومٍ من الأيام . وجاءت إلى واجهة التندُر " أمةٌ ضَحِكت من جهلها الأممُ ". انقطع حبل المال الحالم وسطوة الغني الكاذب ، وعادت الأقفال لصنابير الرزق المنقولة أمواله سراً إلى ماليزيا ،فالإنسان البدائي النبيل الذي انفصل عنا بدولته ،قد تربص فيه قابيل وهابيل ببعضهما .

طرح النرد أصحاب التنظيم الجُدد في مسرح الجهالة ، وهم يرغبون منْ يرُمّ عظامهم المهترئة بدماء شابة، يقولون التغيير ليحلُّ الشباب مكان الذين يُوصفون في قاموس التَديُّن "بالبدريين "!. شباب في زهو العمر، يقطِّرون عافية من السُحت الذي يأكلون ،فعلى رأسهم من هو في سن الخامسة والستين ، وإنهم لشبابٌ ، بل ومُكتهلون في شبابهم !!.
الآن جفّت الينابيع وزغرد فجر الفقر المُدقِع والبؤس . نطقت الوليدة في مهدها وشابَ الطفلُ . ربع قرن مضى من حكم الجماعة وشريعة " النظام العام " و " مفوضية الفساد " وتمكين أهل الجهل النشط وسرقة الأرض واستعباد منْ عليها. يقولون في السياسة إبداع مثل سائر النشاطات الإنسانية ، ولكن أهل السلطان عندنا ، بينهم وبين الإبداع من أي نوع ،بيدٌ دونها بيدُ.

(5)

للذين استصدروا جنسية أخرى ينتمون إليها ، لا يستخفهم إلى بلدٍ سافروا عنه إيابُ .أنوفهم عالية ، هم أهل المكارم .يعزّون الأحباب ويكرمون الضيف ويميطون أذى الطريق ، ويسرعون لنجدة الملهوف. لا ينعمون برزق إلا اقتسموه مع غيرهم عند البساط الأحمدي . كبرياؤهم تقول في باطنها :

وطني وإن جارت عليَّ عزيزة ** وأهلي إن ضنّوا عليَّ كرام

ترتج الدُنيا ، ولا يطردُكَ إلا وقع الأحزان على الأنفس الصابرة المتيقنة من أن رحمات الله من فوق صنائع البشر . وتغادر مستسلماً بأن الخروج أكثر أمناً وأخفّ خسارة ، ذات العاصمة التي ترميكَ بالحقيبة بعد أن تُفتشها !. فنحن أمام فاجعة الحضور لعاصمة البلاد ، لا كما هي الفواجع أمام الشاعر درويش عند قدومه:

كلّما آخيتُ عاصمةً رمتني بالحقيبة
فالتجأت إلى رصيف الحلم و الأشعار
كم أمشي إلى حلمي فتسبقني الخناجر
آه من حلمي و من روما !
جميل أنت في المنفى
قتيل أنت في روما


عبد الله الشقليني
24/12/2012

abdallashiglini@hotmail.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 557

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الله الشقليني
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة