المقالات
السياسة
اورام الصحافة الورقية ...
اورام الصحافة الورقية ...
12-26-2013 11:04 AM


في العام 1993 تم تكليفي بإصدار صحيفة مطبوعة في جامعة الخرطوم ، ولقد اخترنا لها اسم صحيفة ( الانوار ) ، وبدأت مع اخوة كرام عملاً دؤوبا لإنجاز هذه المهمة ، وكانت أولى الخطوات إيجاد الممول ، او المتبني لهذا العمل من ناحية التصميم ، والطباعة وغيرها من متطلبات الصحف المطبوعة ، وبكل حق بدأت في هذا العمل بعد ان تغيبت عن محاضرات الجامعة لفترة ليست بالقصيرة ، إلى أن تم طباعة الصحيفة وقمنا بتوزيعها ومجانا طبعا داخل اسوار الجامعة وفي مختلف الكليات ، وأيضا بداخلية الطالبات ، وداخلية الطلاب ، وقمت بوصفي رئيس تحرير هذه الصحيفة ، بتكليف مجموعة من الاخوة ، لمعرفة ردود الافعال ، وكنت أيضا واحدا منهم ، وكنت موجوداً بالصفرة المين ( يا حليل أيام الصفرة المين ) بداخلية الطلاب . ولقد رأيت جزء من الطلاب غير آبه لما أمامه ، يطالع الصحيفة ، وهو يواصل سرد قصة لزملائه ، وآخر لم يهتم بها مطلقا ، ولكنه استخدمها بعد أن انتهى من أكل وجبته في لف سندوتش ربما لصديقه في الغرفة .
عندما فعل هذا الطالب ما فعل وهو لا يدري الجهد المبذول لإخراج هذا العمل ، ولإيصال هذه الأوراق وصب هذا المداد عليها ، فسألته ، وتحدثت إليه عن الجهد المبذول ، وكيف أن من قام بهذا العمل قد سهر الليالي ، وتغيب عن المحاضرات ، وكيف تحصل على إذن من الجهات العاملة في مجال الطباعة والتصميم ، وكيف قضي معهم وبينهم الأيام ، لإنجاز هذا العمل ، رد وبكل برود ، فهي أيضا الآن ليست بعديمة النفع ، وها أنذا أنتفع منها . رغم كل هذا الجهد إلا أنه انتفع منها فقط بلف ساندوتش داخلها .
وفرت وسائل الاتصال الحديثة ، وقللت المسافة بين القارئ والصحفي ، وخصوصا عبر وسائل النشر الاليكتروني ، ونسبة لسرعة نشرها ، وسهولة وصولها الى مختلف انحاء العالم ، وجعلت من بأمريكا يقرا نفس المادة التي يقرؤها من بالسودان وفي نفس الوقت ، كما انها يسرت وقللت الزمن والجهد في نشر المواد الصحفية ، فهي لا تحتاج الى كثير عناء للنشر ، ولا الى ميزانية ضخمة لتسيير الأعمال ، ويتم نشر المادة فور جاهزيتها . وان الصحفي الذي نشر مقاله عبر الصحف الإليكترونية يجد يظل متابعا لمقاله المنشور على صفحات الصحف الاليكترونية ، ويعرف عدد المشاهدات لهذه المادة ، وكذلك الردود التي والتعليقات ، وأحيانا يوفق بعض الصحفيون للنزول والرد على بعض التعليقات عبر الموقع .
في العام الماضي ، شهدنا انتصارا قويا للصحافة الاليكترونية ، وبالتالي صفعة أقوى للصحف الورقية ، وهو تحول مجلة النيوز ويك الامريكية من النشر الورقي الى النشر الاليكتروني ، ولقد عزت المجلة في ذلك الى ارتفاع تكاليف النشر ، وزيادة خسائر المجلة ، والسبب الثاني هو ارتفاع نسبة قراءة هذه المجلة على الانترنت ، حيث زاد عدد زوار المجلة في العام 2012م عن العام السابق بنسبة 70% ، وتحول الشعب الأمريكي واعتماده بنسبة كبيرة في كل مناحي حياته على الانترنت . وقالت بان ذلك هو السبب الرئيسي في خسائرها ، ولقد قامت هذه المجلة العريقة ، بتقديم حل من الطراز الأمريكي ، فلم تفكر مثلا في إيقاف نشرها عبر الانترنت ، لتجبر قراءها على شرائها ، بل وافقت على رغبة قرائها الكرام ، وتحولت معهم من النشر الورقي الى النشر الاليكتروني ، ولكنها حصرت نشرها فقط باللغة الإنجليزية بعد ان كانت تنشر بعدة لغات منها العربية . نعم لقد خسر القارئ العربي هذه المجلة ، الا ان المجلة لم تغلق أبوابها بالكامل امام كل القراء .
واذا ما اخذنا هذا النموذج وطرحناه على واقعنا السوداني المعاش ، نجد ان الصحافة الورقية تعاني اكثر مما تعانيه مجلة النيوز ويك الامريكية العريقة ، وليت ان مشاكل صحافتنا همها الأوحد ، هو العبء المالي ، وان كان هذا العبء يؤثر عليها بشكل كبير جدا ، فصحافتنا الورقية وفي ظل الظروف الحالية تعاني مشاكل وامراض أخرى كثيرة ، فنجد ان هذه الصحافة ومن الناحية المالية تحاول استقطاب ، الإعلانات وبالأخص الحكومية منها ، لتسيير أمور الصحيفة ، ولتستقطب هذه الصحيفة الإعلانات الحكومية ، فلا بد لها من اتباع سياسة الحكومة قلبا وقالبا ، ولربما أدى ذلك الى غياب المهنية والحيادية ، وادى الى ان تكون هذه الصحيفة مسخا مشوها ، تنشر ما يمليه عليها السلطان ، ولذا أصبح تفكير رؤساء تحرير هذه الصحف في المادة التي ترضي السلطان ، او قل بعبارة أخرى المادة التي تجعل هذه الصحيفة ، صالحة للنشر ، وابتعدوا في غالب الأحيان ، عن شرف المهنة ، وابتعدوا في كثير من الأحيان عن هموم الوطن والمواطن ، فكانت المادة التي يقدمها الصحفي ، يحاول فيها ان تنال رضا رئيس التحرير لكي تجد طريقها للنشر ، ولذا وجدنا في كثير من الصحف الاليكترونية ، في صدر معظم المقالات ( منع من النشر ) .
في ظل هذا الوضع المعقد الذي يعانيه الصحفي ، فتجده مهموما اكثر باختيار المادة التي سينشرها ، ومهموم اكثر بقبول هذه المادة ، وصلاحيتها للنشر ، ولا بد من عمل توازن لقبول هذه المادة من قبل القارئ والمتلقي ، لذا فقد فقدت جل الصحف الورقية نكهة الاثارة ، وقوة الطرح ، وطرق الأبواب التي ينتظرها المواطن البسيط ، فكانت المداعبات فيها خجولة في كثير من الأحيان ، ان لم تكن مفقودة ، وكانت الصحف تتناول المواضيع الخدمية اكثر من أي شيء آخر ، هذا اذا ما امتنعت عن ان تسير في ظل الوزير زيد او عبيد ، وقد هرب بعض الصحفيين ، وفي الازمات التي مرت بالبلاد ، الى الاتجاه بالحديث عن الرياضة ، والتوجه خارج الاسوار بتناول القضايا سواء العالمية او العربية عبر اعمدتهم الثابتة والتي يكتبونها والبلاد تمر بأحداث صعبة .
في ظل هذه الرقابة على الصحف ، وفي ظل سرعة وصول المعلومة عبر الصحف الاليكترونية فقد اتجه معظم الناس ، الى الصحافة الاليكترونية ، والتي تحررت من قيود النشر الصحفي ، وتحررت من رقابة السلطان ، وكانت جل المقالات التي منعت من النشر عبر الصحف الورقية ، تجد طريقها الى النشر عبر الصحف الاليكترونية ، وعليها ديباجة بلون جميل وجاذب للقراءة ، وهي ديباجة ( منع من النشر ) ، وثانيا سهولة وصول المعلومة عبر الصحف الاليكترونية ، فنجد ان الصحف الورقية ، اذا ما كان الحدث مثلا الساعة الثامنة صباحا ، فنجده لا يجد طريقه الى النشر وتناوله وتداوله الا في اليوم التالي ، أي بعد حوالي ( 24 ساعة ) من وقوع الحدث ، وهنا تكون وسائل النشر الاليكتروني قد تناولت هذا الامر بالتحليل والتشريح ، وعندما يتم تناوله عبر الصحف الورقية او وسائل النشر الورقي يكون الامر قد استوفى معظم جوانبه عبر الاعلام المرئي والاليكتروني ، ولا يجد نفس الاهتمام الذي وجده عبر الوسائل الأخرى .
أيضا هنالك عامل اقل تأثيرا وهو ان المادة الصحفية عبر الانترنت ، تكون مجانية وتستطيع الحصول على الصحيفة دون ان تدفع ثمنا مباشرا مقابل هذه الصحيفة ، واشارة الى ما تقدم من حيثيات ، ووقائع للصحافة الورقية ، وما تواجهه من صعوبات ، نجد ان القارئ الذي يقتطع من قوت يومه ليشتري هذه الصحيفة ، وتجده في كثير من الأحيان يقرا عمود الصحفي وهو يشفق عليه ، كيف كانت عباراته خجولة ، وكيف تناول هذا الآخر ولكنه من زاوية لا تعبر عن المواطن والقارئ ، فيشفق على هذا الصحفي ويجد له العذر ، وتكفيه فقط اشاراته الخجولة التي بثها عبر مقاله ، وعندما يذهب الى الصحف الاليكترونية ، ويقرأ نفس المقال لكاتب غير معروف للوسط الإعلامي ، الا انه يجد قوة الطرح ، وصراحة المغزى ، لتجده انه قد تأسف على ما انفقه في شراء هذه الصحيفة ، فيرميها ولكنه ما زال يعذر كاتبها . ولكن في الختام هل يعتبر اندثار الصحافة الورقية ، واندثار طباعة الكتب ، وشيوع الصحافة الاليكترونية وانتشار الكتب على صفحات الانترنت ، دليل صحة وعافية .
في هذا اليوم طالعتنا الصحفية درة قمبو ، بمقال بعنوان ( نعم انا صحفية وانت جنابو تبيدي ) بقضيتها مع الصحافة وبحسرتها ولوعتها على ما آل اليه وضع رؤساء تحرير الصحف الورقية ، والذين اصبح جل همهم صدور الصحيفة والبعد عن المحاكم ، وما كنا سنسمع بهذه القضية لولا وجود الصحافة الاليكترونية ، ورائدتها ( الراكوبة ) شكرا للراكوبة ، والقومة ليك ايتها السمراء .

فتح الرحمن عبد الباقي
مكة المكرمة
25/12/2013م
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 835

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فتح الرحمن عبد الباقي
فتح الرحمن عبد الباقي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة