المقالات
السياسة
الحكومة والمعارضة كلاهما جزء من النظام
الحكومة والمعارضة كلاهما جزء من النظام
12-28-2013 09:08 AM

image




كيف لثورة أن تقوم بلا شعب واحد وبلا قضية واحدة !!!

أكتب اليوم كلاما سوف يغضب كثيرين من أصدقائي إلا القليل منهم, ولكنني للأسف مضطر لذكره حتى لو يغضب كل السودانيين نسبة لأهميته ونسبة لأنه الحقيقة كما ينبغي أن تذكر, ولأنني وددت أنا لا نحرث في البحر بعد الآن, فأما وطن يسع الجميع بإرادتهم أو بدون إرادتهم أو فهو الظلم الذي يخلق الدول, وقديما قلت فأما حل شامل أو العودة إلى ممالك ما قبل العهد التركي ومن لديه حل ثالث فليخبرنا.

أولا طالما إن السودان تم احتلاله لما كان (شعوبا) وممالك متفرقة, و طالما إن هذه الشعوب كانت قد فشلت في التصدي للمستعمر إلا بعد أن أصبحت (شعبا) واحدا له قضية واحدة - بالتفافها حول راية واحدة هي راية الثورة والتحرر , و طالما إن (الشعب) السوداني كان من أوائل الشعوب - (أفريقيا وعربيا)- التي عرفت معنى الثورة وأشعلتها في وجه الديكتاتور (أي كان), فيبقي سر (تخلفنا الثوري) الماثل !! كامنا في أمرين الأول يختبئ في (الثقافة السياسية) للنظام القائم منذ 56 م و التي تقول إن السودان هو الخرطوم وان الثورة لا تقوم إلا هناك, والثاني يكمن في المفتاح الذي نجحت (الإنقاذ) نجاحا باهرا في الضغط عليه لإبطال أي (بارض ثوري) ينبت في الساحة , وذلك بأن أعادت البلاد - (اجتماعيا) - إلى فترة شعوب ما قبل العهد التركي , بنما أبقت عليها (سياسيا) على الشكل القانوني للدولة و خارطتها الحديثة, وذلك بهدف تفتيت مطلب (الشعب السوداني) بجعله أكوام من (مطالب) (شعوب متعددة) لا تدين بأي ولاء للسودان (كنسق سياسي(.

فأما انعدام الولاء فيعود لأمرين أولهما إن (الولاء) كإحساس ينجم أصلا عن غريزة (الوطنية) التي يغرزها (وفاء الوطن لرغبات مواطنه ونصرته وعدم ظلمه) - و قديما قال روسو (إن الظلم هو الذي يصنع هذا الشر – يقصد الدول(, والآخر هو إن من المعروف علميا عن (الشعوب التقليدية) إن الولاء فيها عادة يكون للقرابة والوشائج وروابط الدم والقرية والمكان.

بالتالي فان تباين مطالب الجماعات الاجتماعية المتعددة وانكفائها على القضايا ألأقاليمية المحدودة بدد المطلب الثوري الشامل وجعل روح الثورة تتبرعم إلي مجرد اتفاقيات ثنائية تنحصر حول الترضية والرشاوى السياسية (المناصب), ولم تنج كل القوى السياسية السودانية (بلا أدنى استثناء) من ذلك التبرعم والرشاوى..ولم تنج أيضا من الانجرار وراء سياسات (إعادة تشعيب) الشعب السوداني..
, بل لم تنج أصلا من أن تكون جزءا من النظام.

شئنا أم أبينا – غضبنا أم سعدنا – اعترضنا أم وافقنا فسنجد في واقعنا إن الحركة الشعبية تنحصر في اتجاه معين وإنها شاركت وحكمت والآن تفاوض باسم منطقتين, وتمارس في الجنوب ذات القتل الذي يمارسه المؤتمر الوطني بذات السلاح وبذات العقلية العسكرية الإقصائية, وتمارس في الشمال ذات الإقصاء الذي يمارسه المؤتمر الوطني, وانك مهما حاولت أن تنظر إليها بمنظار التعاطف و المساندة فانك تعجز عن أن تنفي عنها غلبة أبناء مناطق محددة, مع بعض التمثيل القشري لأجل اكتساب العمق القومي الذي قد لا يتجاوز القيادات فقط, وهذا هو تماما ما ظل يفعله المؤتمر الوطني طيلة حكمه (غلبة عنصر معين مع تمثيل قشري محدود للآخرين), وهذا الحديث ليس مجرد انتقاد للحركة فمن حق هؤلاء المطالبة بحقوقهم , إنما هو أيضا من أجل إثبات قضية (تشعب/تشعيب) الشعب السوداني.

وكذلك ما عرف بحركات دارفور (مع تحفظي على الاسم) حكمت وشاركت وفاوضت ولا تزال (إلا من رحم ربي), وإن جميعها ينحصر في دارفور و إن كان بعضها يركز على القضية القومية في طرحه إلا إن كلها تنحصر تنظيميا في الإقليم, بل حتى و إن كل منها ينحصر في فئة اجتماعية محددة داخل الإقليم نفسه, مع قليل من التمثيل القشري للزينة القومية, ورغم كل تعاطفي معهم إلا إنني فشلت في تصنيفهم خارج إطار الوقوع في ذلك - أعني الانجرار وراء سياسات التشعيب التي يمارسها عنصريي حكومة البشير, وكذا تجد مؤتمر البجا أيضا حكم وشارك وفاوض باسم إقليم معين, ومهما ادعيت قوميته النظرية فأجد في النهاية إن أغلبيته واسمه وتوجهاته وقضيته واتفاقيته كلها انحصرت في أثنية معينة وإقليم معين وقضية معينة, وبالأحرى قبيلة معينة, وكذلك تنظيم الأسود الحرة فعلت, وانحصرت في قبيلة معينة ومطالبها, وكذا فعل حزب الشرق ومثل جماعة سكانية معينة من داخل مؤتمر البجا شئنا أم أبينا, و كذلك ما عرف اصطلاحا بالأحزاب القومية مثل الاتحادي فقد حكم وشارك وفاوض ولا يزال يفاوض ومهما ادعينا قوميته يعود وينحصر أيضا في أسرة و جماعة و طريقة معينة وأتباعها ومناطق نفوذها, وأيضا حزب الأمة حكم وشارك وفاوض ولا يزال يفاوض وفشلت كل محاولات عدم تركيزي على انحصاره في أسرة وجماعة و طائفة معينة ومناطق نفوذها, أما حزب البحث العربي فأيدلوجياه تقوم أساسا على قضية (جماعة عرقية) محددة, ويطالب ببعث قبيلة مشكوك في نقاء وجودها في السودان, وان أقل هذه القوى انجرارا وراء سياسات التشعيب - (وان كان هنالك انجرار نسبي)- هي الأحزاب العقدية الشيوعي/الشعبي, لكنهم ليسو باستثناء لأنهم أيضا مارسوا – و لا يزالون - القوة والسلاح والانقلابات والإقصاء ورفض الآخر (بالمطلق) رغم إن هذا الآخر له الحق أيضا في الحكم والمشاركة.

لذلك ظللت أكرر دائما (إن النظام ليس هو الحكومة فقط), فحكومة البشير هي واحدة فقط من حكومات النظام المتعاقبة, ذلك النظام الذي ظل يحكم السودان منذ 56م , أما حكومات النظام الأخرى فهي تنافح في المعارضة وتنتظر دورها في الحكم , لذا فالنظام (ثقافة سياسية) يحملها البشير تماما كما تحملها قيادات المعارضة في الداخل والخارج بلا استثناء , فالكل يحمل السلاح, الكل عسكري, وغير العسكري يقيم تنظيمه على القرابة والوشائج, و الكل يمارس الإقصاء, الكل يدعي مناصرته للحريات ثم يظهر انه أكثر من يعوق الحريات و يمنع حق التعبير, الكل يقتل سودانيا على الأقل كل يوم, الكل يريد حصته في الكرسي, الكل يفاوض , ولا تستطيع أن تعرف الأسوأ من بينهم إلا إذا تولى الحكم أو تولى قيادة بعض السودانيين, ولا أحد البتة يهتم بالشعب السوداني , لا أحد يفكر (فعليا) في بناء إطار قانوني (تعاقد) (يضع أنف الجميع في التراب) قويهم و ضعيفهم – مسلحهم وأعزلهم - و يلزمنا جميعا بالتعايش غصبا عن الأفكار والايدولوجيا والمطامع الأحزابية .. ويحتم على كل القبائل والتكوينات الاجتماعية والجهاتية وكل الأيدلوجيات بالتعايش والتنافس بسلام وبضوابط, كما يمنع في ذات الوقت أحدى هذه القبائل أو إحدى هذه الأيدلوجيات من أن تنصب نفسها وكيلا (مانحا) يوزع الاتفاقيات والمناصب للآخرين ويحدد لهم حصص المشاركة , فانه والله لا تنصب (حكومة البشير) نفسها مانحا يوزع المنح السياسية - إلا بحثنا عن حقوقنا كجماعات وتكوينات اجتماعية متفرقة ومتناحرة (كل قبيلة تبحث عن حقها منفردة), وهذا هو ما ظلت حكومة البشير تعمل لأجل تحقيقه ليل نهار, بينما كل قضايا الجماعات والأقاليم خلقها المركز, وكان من الأجدر توحيد كل المطالب الجماعاتية في مطلب واحد هو (الثورة) على النظام ككل - وليس حكومة البشير, كيف نقيم ثورة في غياب الشعب ؟!!

لذلك يمكن باختصار تعريف واقعنا المتناقض هذا بأن الذي نراه من واقع معقد ما هو بالأساس إلا محاولات يائسة من نظام ديكتاتوري نخبوي صفوي عنصري (بشقيه الحاكم والمعارض) يحاول السيطرة على دولة (حديثة) سياسيا, و تقليدية (اجتماعيا)- انفرط شعبها بفضل ذات النظام إلى (جماعات) انشغلت بقضاياها الثانوية المطالبية والخدمية (المترتبات) عن القضية الكلية (مشكلة الحكم) وهي القضية التي تنبع منها (الثورة الشاملة.
كما يمكن أيضا القول إن سبب فشل مشروعي (السودان الجديد) و (السودان القديم) هو عدم معرفتنا لكيفية (توطين) مفهوم الدولة ك(نسق) حديث بما يتناغم مع خصائص المجتمعات التقليدية مثل مجتمعنا السوداني (ما يعرف بمجتمعات الموزايك).

ولا أملك بعد كتابة هذا الكلام ألا أن أتقدم منكسرا بالتحية لروحي شهداء الوطن الدكتور جون قارنق والدكتور خليل إبراهيم والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
sayedabuamna@gmail.com


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 670

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#869604 [نزار عوض]
1.00/5 (1 صوت)

12-28-2013 03:03 PM
%90 كلام صحيح


سيد علي أبو آمنة
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة