المقالات
السياسة
الاتحاد مع مصر إلى الاستقلال التام:ابريل 1955
الاتحاد مع مصر إلى الاستقلال التام:ابريل 1955
12-29-2013 12:28 PM


(2)



سبق لنا القول إن دستور الحزب الوطني الاتحادي ينص على قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر على أن تحدد قواعد الاتحاد بعد تقرير المصير. ومن المعلوم أنه لم تكن لمكونات الحزب الوطني الاتحادي رؤية متجانسة حول نوع وطبيعة هذا الاتحاد. إذ كانت تدعو لأنماط من الاتحاد تتراوح بين الإندماج التام والاتحاد الكنفدرالي. بل إن بعضها كان يعتبر شعار الاتحاد مع مصر مجرد أداة للتخلص من الحكم البريطاني.
ومنذ أن ولي إسماعيل الأزهري رئاسة مجلس الوزراء إنهالت عليه وعلى وزرائه الأسئلة عن طبيعة الارتباط مع مصر بعد تقرير المصير. وشنت الصحف، وبوجه خاص صحيفة «الأيام»، حملة على حكومة الأزهري لإرغامها على إعلان موقفها. غير أن أزهري صمد في وجه تلك الحملة. فأحجم عن الجهر برأي حول تفسير مبدأ الاتحاد مع مصر حتى لا يفجر خلافات بين التيارات المتباينة التي كان يموج بها حزبه. ولربما قدر أن الوقت لم يحن بعد ليدير ظهره لحلفائه المصريين. فكما سيرد من بعد كان الاستقلال التام هو هدف إسماعيل الأزهري، وقد أسر بذلك لوليام لوس مستشار الحاكم العام عندما التقاه في 16 فبراير 1954.
ولكن أزهري وقع في حرج كبير عندما نشرت له صحيفة «أخبار اليوم» المصرية في 9 يناير 1954 تصريحاً جاء فيه أن السودان سيتحد مع مصر لا محالة وأنه ليس بالشخص الذي يتخلى عن مبادئه مهما كان الثمن. نشرت الصحف الداعية لاستقلال السودان تصريح أزهري بالكامل. وفي تعليقها عليه قالت صحيفة «الأيام» إن التصريح يتعارض مع دستور الحكم الذاتي الذي ينص على فترة انتقال وتصفية وهي الفترة التي يكون فيها السودان خالياً من أي نفوذ أجنبي حتى يقرر مصيره في جو من الحرية والحياد التام. وكررت «الأيام» طلبها لرئيس الوزراء ليحدد ما يعنيه بالاتحاد مع مصر.
من الطريف أن أزهري برر تصريحه بابتداع تفرقة بين رئاسته للحزب الوطني الاتحادي ومهامه كرئيس للوزراء. فقد قال أزهري إنه في سياق حديث عادي مع مندوب صحيفة «أخبار اليوم» ورد ذكر لشائعة مؤداها أن الحزب الوطني الاتحادي قد تخلى عن الاتحاد مع مصر فأنكر هذه الشائعة بصفته رئيساً للحزب الوطني الاتحادي لأن هدف الحزب المعلن هو الارتباط مع مصر في نوع من الاتحاد، ولم يحدث أن تطرق أثناء الحديث لصفته كرئيس للوزراء أو صرح باتجاه حكومته لتطبيق أهداف الحزب. ومضى أزهري للقول إن واجبات حكومته محددة بوضوح في الاتفاقية وهي السودنة والجلاء وتهيئة الجو الحر المحايد لانتخاب جمعية تأسيسية لتقرير مصير السودان. ولذلك فإن سياسـة حكومته ستكون قومية فهي سياسة تحرير وليس تقرير مصير.
ولجأ أزهري إلى ذات التفرقه للاجابة على سؤال وجهه له بوث ديو في مجلس النواب في 18 يناير 1954 عن الكيفية التي سيوفق بها بين سياسة حزبه الداعية للاتحاد مع مصر والعمل على تهيئة جو حر محايد. في بادئ الأمر رفض أزهري الإجابة باعتبار أن طرح السؤال بتلك الطريقة مخالف للوائح المجلس وأصر على الرفض. ولكن وبعد مشادة كلامية أمر رئيس مجلس النواب بابكر عوض الله رئيس مجلس الوزراء بالإجابة على السؤال. عندئذ قال أزهري إنه يرأس الحزب الوطني الاتحادي الذي يعمل لتحقيق نوع من الاتحاد مع مصر، وهو في نفس الوقت يرأس الحكومة التي تعمل على أسس قومية لتنفيذ الإتفاقية ولا دخل لها مطلقاً بتقرير المصير.

أزهري يبلغ لوس سراً بأن هدفه هو الاستقلال
في 16 فبراير 1954 إلتقى إسماعيل الأزهري بوليام لوس مستشار الحاكم العام ومساعده كنريك. دار اللقاء حول عدة محاور. ولكن المحور الذي يهمنا هنا هو العلاقة مع مصر. إزاء هذه المسألة، قال لوس إن كل موظف بريطاني يرغب في أن يحكم السودانيون أنفسهم وأن أي مخاوف تساورهم في هذا الصدد تعود إلي شعورهم بأنه بعد خروجهم سيقع السودان فريسة للسيطرة المصرية. وعندما طلب منه أزهري أن يعرف السيطرة التي يخشاها، أجاب لوس بأنه لا يعني الحيازة المادية من قبل دولة أخرى وإنما سيطرة مصر الاقتصادية على السودان. فالكثير قد يقال عن روابط الدين واللغة والعنصر غير أن هذه الأشياء لن تعني شيئاً عندما يتعلق الأمر بالمنافسة الإقتصادية بين البلدين. فمصر هي الأقوى وإذا سيطرت على السودان فإن مصالحه ستغمر.
رحب أزهري بالفرصة التي أتاحها له لوس لبسط وجهة نظره حول هذا الموضوع. ثم قال إنه لا يعقل أن يتخلص المرء من سيد ثم يضع نفسه تحت سيد جديد. وأوضح أزهري أن معظم الناس في البلاد شعروا لبعض الوقت أنه من الأسهل والعملي التحالف بشكل مؤقت مع مصر ليتخلصوا من البريطانيين. غير أن هذا لا يعني أنهم كانوا يرغبون في وضع أنفسهم تحت المصريين.
وأكد أزهري للوس أن الفكرة القديمة للاتحاد قد ماتت كقوة سياسية وأن كل يوم تحكم فيه الحكومة السودانية، خاصة بعد خروج الانجليز سيؤكد أن أهداف المصريين للسيطرة يجب أن تنحسر. وأكد أزهري كذلك أن أهدافه هي الاستقلال التام للسودان والصداقة الوثيقة مع مصر. وبعد خروج الإنجليز والذي أعرب أزهري عن أمله في أن يتم بكرامة تاركين وراءهم رصيداً من النوايا الحسنة لدى السودانيين الذين خدموهم طويلاً، فستحين الفرصة للدخول في علاقات ودية ومفيدة مع بريطانيا.
ومما يجدر ملاحظته أن رأي إسماعيل الأزهري تطابق مع ما أدلى به السيد علي الميرغني لكنريك في أغسطس 1953 بشأن العلاقة بين مصر والسودان. وكانت تلك من المناسبات النادرة التي تحدث فيها السيد علي بشكل مباشر في أمر سياسي. إذ قال السيد علي لكنريك إن شعارات «الوحدة» و «تاج واحد» ومثيلاتها قد ماتت، فالأمة السودانية ترغب في الاستقلال وستحصل عليه. وعندما سأله كنريك عما إذا كانوا يفضلون شكلاً من أشكال الفيدرالية مع مصر، أجاب السيد علي بأن كل هذه الأشياء أصبحت من أمور الماضي. فالكل يرغب في سودان مستقل وعندما يتحقق فسيدخل السودان في علاقات مع بلدان أخرى وبلا شك فإن العلاقات مع مصر ستكون أوثق.
وفي لقاء آخر بالسيد على الميرغني في 23 مايو 1954 ذكر كنريك أن السيد علي أخبره مرات عديدة وبطرق مختلفة بأن على البريطانيين ألا يخشوا اطلاقاً اتحاد السودان مع مصر بأي طريقة ملموسة. وأضاف أنه ستكون هناك صداقة وتعاون ولكن على أساس استقلال كل بلد. ومضى السيد علي للقول إن الناس يتحدثون عن الفيدرالية أو جيش مشترك أو دائرة شؤون خارجية موحدة ولكن كل هذا كلام فارغ. فهؤلاء الناس يتغاضون عن الحقيقة الجوهرية وهي أن السودانيين يرغبون في حكم أنفسهم من كل النواحي وسيرفضون أي شكل من التبعية.

أزهري يصرح علناً لأول مرة بكلمة «الاستقلال»:
إبان زيارته لبريطانيا في نوفمبر 1954 وفي اللقاءات التي عقدها مع المبعوثين السودانيين في لندن وأكسفورد، لمس أزهري منهم حماسة جارفة لأن يكون خيار السودان هو الاستقلال التام. وتجاوب أزهري مع تلك الحماسة. ففي الحفل الذي أقامه له اتحاد الطلاب السودانيين بالمملكة المتحدة في بيت السودان بلندن في 15 نوفمبر 1954، قال أزهري إن الرأي العام في السودان أصبح يميل نحو الاستقلال أكثر منه في أي وقت مضى، وأن الزعم بأن الدعوة للاستقلال ليست أصيلة قد بدأ في التلاشي. وقال أيضاً إن الحزب الوطني الاتحادي لم يحدد برنامجه السياسي بعد ولكنه لا يستطيع تجاهل الشعور السائد لدى الرأي العام في السودان ويقرر نوعاً من الوحدة أو الاتحاد قد يحرم السودان حق سيادة أبنائه أو استقلاله. ومضي للقول إن أي نوع من الاستقلال يقرره الحزب الوطني الاتحادي لا بد أن تكون فيه الضمانات الكافية لاستقلال السودان وإحتفاظه بكينونته وسيادته مع تقوية مركزه الدولي. وأضاف أزهري أن الاتحاد مع مصر يجب أن يكون كالعلاقة القائمة الآن بين الدول العربية.
وقد وصفت صحيفة «الأيام» تلك المناسبة بأنها كانت الأولى التي قال فيها إسماعيل الأزهري كلمة «الاستقلال» صراحة.

رأي أزهري الشخصي بشأن العلاقة مع مصر
في 25 ديسمبر 1954 دعا إسماعيل الأزهري بشير محمد سعيد رئيس تحرير صحيفة «الأيام» لمقابلته بداره بأم درمان. وفي سياق هذه المقابلة سأل بشير محمد سعيد الأزهري عن رأيه الشخصي في الاتحاد مع مصر. وقد كانت إجابة الأزهري كما يلي:
(أ) أن يكون السودان جمهورية برئيسها، ومجلس وزرائها، وبرلمانها، كما أن مصر جمهورية.
(ب) أن يكون الاتحاد أو الرباط الذي يربط السودان بمصر في اتحادهما هو مجلس أعلى يضم مجلس الوزراء السوداني ومجلس الوزراء المصري، يجتمعون معاً مرة أو مرات في السنة لبحث الشؤون المشتركة كالدفاع والسياسة الخارجية، ومياه النيل.
(ج) ثم تعرض قرارات المجلس الأعلى على البرلمان لاقرارها أو نقضها أو تعديلها.
وقال أزهري إن رأيه الشخصي هذا سيعرضه على اللجنة التنفيذية للحزب لمناقشته مع غيره من الآراء بغرض الأخذ به أو تعديله أو تبديله. ثم يتم عرض ما تصـل إليـه اللجنة التنفيذية على الهيئة العامة والهيئة البرلمانية للحزب لإقراره.
ومن الثابت أن صدور رأي أزهري الشخصي بعد يومين من إعفاء وزراء الجبهة الوطنية الثلاثة ميرغني حمزة وأحمد جلي وخلف الله خالد لم يكن من قبيل المصادفة. إذ أبلغ مبارك زروق لوس بأن الأزمة الوزارية التي انتهت بخروج ثلاثة وزراء من الحكومة أرغمت أزهري على التعبير عن رأيه بشأن العلاقات المستقبلية مع مصر. فقد أدرك أزهري أنه لا بد له من التصريح بما يطمئن الرأي العام السوداني بأنه هو وحزب الأشقاء لم يلتزموا بإقامة ارتباط وثيق مع مصر.
وجاء في تعليق لوس على رأي أزهري الشخصي أن الرأي إتسم بالحصافة فقد حاول أزهري بقدر الإمكان إرضاء الطرفين ولكن بدون أن يُلزم نفسه بشيء. كما اتسم اختيار بشير محمد سعيد وملحق خاص لصحيفة «الأيام» كوسيلة لنشر الرأي بالذكاء، فبشير من أفضل الصحفيين في البلاد ومعروف بتأييده القوي للاستقلال. وورد في التعليق كذلك أن أفعال الأزهري لا تنسجم مع التوجه العام للسودانيين نحو الاستقلال والبعد عن مصر. فبالرغم من أن الرأي الذي صرح به قد يهدئ مؤقتاً مخاوف الجمهور غير المستنير، إلا أن هذا الأثر قد يزول إذا اتبعت حكومة الأزهري سياسة موالية لمصر، وسيكون المحك المهم مسألة مياه النيل: فهل ستستمر الحكومة السودانية في موقفها الحازم إزاء حق السودان في الحصول على حصة عادلة أم هل ستستسلم لمصر؟ فالخيار الثاني سيعرضها لهجوم عنيف وواسع النطاق من قبل السودانيين، بينما سيغضب الخيار الأول أصدقاءها المصريين.

حزب الأمة يرفض رأي أزهري الشخصي
رفض حزب الأمة رأي أزهري الشخصي لأنه اتحادي وليس استقلالياً، فهو يفقد السودان جميع مقومات الإستقلال المطلق. وجاء في البيان الذي أصدره الحزب بهذه المناسبة : «إن الاستقلال الذي نعرفه لا يحتاج إلى شروط. فإذا بقيت شؤوننا الخارجية ووسائل دفاعنا موضع مشاورات مع دول أجنبية، فماذا بقي لنا بعد أن نفقد السيــطرة على الجيـــش ونفقـد شخصيتنا الخارجية؟»

اتحاد طلاب الكلية الجامعية يرفض رأي أزهري الشخصي
رفض اتحاد طلاب كلية الخرطوم الجامعية في بيان نشر في 26 يناير 1955 رأي أزهري الشخصي. صدر البيان بتوقيع سكرتير الاتحاد العام موسى عوض بلال. وكانت تقوم بأمر الاتحاد آنذاك لجنة مكونة في غالبيتها من المستقلين والإخوان المسلمين. ترأس تلك اللجنة عثمان سيد أحمد، وكان من بين أعضائها الطاهر فضل، وعوض محمد عبدالله، وعمر مصطفى المكي، وموسى المبارك، وعبدالشكور عمر عطية، وعامر حسن، وعمر محمد سعيد، والخير مصطفى.
ورد في بيان الإتحاد أن فكرة الاتحاد مع مصر التي يدعو لها قادة الحزب الوطني الاتحادي، لم تعد تمثل رغبة الشعب السوداني في التحرر والاستقلال التام. وورد فيه أيضاً أن الشعب السوداني عندما أولى ثقته لدعاة الاتحاد مع مصر في المعركة الإنتخابية أو قبلها، لم يفعل ذلك رغبة في الاتحاد مع مصر، وإنما لأن قادة هذه الفكرة كانوا يمثلون العناصر المناوئة للاستعمار البريطاني وأعوانه. فالذين يذهبون إلى القول بأن فوز الحزب الوطني الاتحادي في الانتخابات البرلمانية كان فوزاً لفكرة الاتحاد مع مصر يقعون في خطأ شديد.
إستنكر الاتحاد رأي أزهري الشخصي واعتبره تشويهاً لرغبة الشعب الأكيدة في الإستقلال التام غير المقرون بأي ارتباطات مع مصر تمس سيادته. ووصف رأي الأزهري الذي صدر تحت ضغط المد الاستقلالي الطاغي بأنه ليس سوى الاتحاد مع مصر في صورة براقة.
واعتبر الاتحاد ارتباط سياسة السودان الخارجية والدفاعية والتجارية مع مصر تعريضاً لسيادته للفناء المحقق، خاصة إذا كان مع حكومات رجعية كالحكومة الديكتاتورية التي تحكم مصر والتي حددت موقعها نهائياً مع المعسكر الاستعماري وذلك بتوقيعها اتفاقية القنال واتفاقية النقطة الرابعة. كما أنها في طريقها لإبرام اتفاق دفاعي جديد يكبل الشعب المصري ويزيد من أغلاله.
ونادي الاتحاد في بيانه بالاستقلال التام للسودان مهما كان نوع الحكم في مصر لأن الاستقلال هو المطلب الطبيعي الذي لا يقبل جدلاً أونقاشاً. وطالب الاتحاد قادة الحزب الوطني الاتحادي بأن يوقفوا مسايرتهم للدكتاتورية العسكرية المصرية وأن يثقوا ثقة تامة في الشعب السوداني وينادوا بالاستقلال.
وفي ختام بيانه دعا اتحاد طلبة الكلية الجامعية لعقد ميثاق وطني عام على الأسس التالية:
(أ) الاستقلال التام غير المشروط بأي شرط.
(ب) عدم الدخول في أي أحلاف عسكرية، ورفض أي معونة خارجية من شأنها أن تمس سيادة الشعب السوداني.
(ج) كفالة الحريات العامة ليقرر الشعب مصيره في حرية تامة.
وحري بالذكر أن أحزاب الأمة والجمهوري والجبهة المعادية للإستعمار والجمهوري الاشتراكي التقت في يناير 1955 حول تلك الأسس وشكلت بمقتضاها ما أصبح يعرف بالجبهة الاستقلالية.

الهيئـة البرلمانيـة تنحــاز لخيــار الاستقلال
أصدرت الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الاتحادي في 31 مارس 1955 بياناً عبرت فيه عن رأيها بشأن مستقبل السودان. جاء في البيان أن الهيئة أجمعت على أن أهم ما يجب أن يبرز في تكييف المستقبل هو استقلال السودان وسيادته التامة على أن تُحدد العلاقة بين السودان المستقل الكامل السيادة وبين مصر بطريقة لا تمس ذاتيته ولا سيادته.
وإزاء العلاقة التي ستقوم بين مصر والسودان رأت الهيئة أن هذه العلاقة يجب أن تحدد من الآن حتى يعرف الشعب السوداني وهو مقدم على تقرير مصيره أي نوع من العلاقة يجب أن يكون بينه وبين غيره لا أن يُضلل أو يؤخذ على غرة برباطات لم توضح له قبل أن يقول كلمته.
وقررت الهيئة البرلمانية بالإجماع أن تصريح أزهري في 26 ديسمبر 1954 والذي اعتبره رأياً شخصياً يمكن أن يتخذ أساساً تبنى عليه الهيئة قرارها بشأن مستقبل السودان السياسي لأن جوهر التصريح ينادي للسودان بجمهورية كاملة السيادة والاستقلال بحكومتها وبرلمانها وتمثيل خارجي وخلافه.
وأحالت الهيئة التفاصيل التي وردت في تصريح الأزهري بشأن العلاقة بين مصر والسودان إلى لجنة اختارتها من بين أعضائها وقد كانوا خمسة نواب وخمسة وزراء وأصبحت تعرف بلجنة العشرة. وعلى ضوء تقرير هذه اللجنة ستُحدد الهيئة رأيها النهائي ثم ترفعه للجنة التنفيذية للحزب. وتوقعت الهيئة البرلمانية أن تعطي اللجنة التنفيذية اعتباراً خاصاً للقرار الذي ستتخذه الهيئة لأنهـا -أي الهيئـة- تمـثل جمـيع مناطق السودان ولأن قرارها اتخذ بإجماع كامل.

الجبهة الاستقلالية ترحب بتوصيات لجنة العشرة
رحبت الجبهة الاستقلالية بتوصيات لجنة العشرة التي أجازتها الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الاتحادي في مساء يوم 7 ابريل 1955. وورد في بيان أصدرته الجبهة الاستقلالية بهذه المناسبة، أن قرار الهيئة البرلمانية الذي أعلنت فيه قيام جمهورية سودانية مستقلة كاملة السيادة قد قرب الشقة بين الجبهتين. وورد فيه كذلك أن الخطوة التالية يجب أن تكون اجتماع الأحزاب جميعها لتتفق على ميثاق قومي يحقق الاستقلال والسيادة الكاملة للسودان، ويعمل أيضاً على تفادي تقرير المصير والعمل بالطرق الدستورية بواسطة البرلمان للاستغناء عن تقرير المصير وإعلان الاستقلال.
ومن الواضح أن الجزء الأخير من بيان الجبهة الاستقلالية يرمي إلى الاستغناء عن إجراءات تقرير المصير المنصوص عليها في المواد 10 و11 و12 من إتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير لعام 1953 وإعلان الاستقلال بواسطة البرلمان القائم. ونعيد إلى الأذهان أن هذه المواد تنص ضمن أمور أخرى على انتخاب جمعية تأسيسية لتقرر مصير السودان إما بالارتباط مع مصر أو بالاستقلال التام.

اللجنة التنفيذية للحزب الوطني الاتحادي تجيز تفسيراً لمبدأ الاتحاد مع مصر
اجتمعت اللجنة التنفيذية للحزب الوطني الاتحادي في يومي الجمعة والسبت 8 و9 أبريل 1955، وعلى ضوء توصيات لجنة العشرة أصدرت القرارات التالية:
يكون تفسير مبدأ الاتحاد مع مصر وتعريفه على النحو التالي: يكون السودان جمهورية مستقلة كاملة السيادة، ويكون تنسيق المصالح المشتركة بين السودان ومصر على النحو التالي:
(أ) الدفاع: تشكل لجنة فنية استشارية يتساوى فيها ممثلو السودان ومصر لتبادل وجهات النظر في مسائل الدفاع على أن تجتمع بالطرق وفي الأوقات التي تقتضيها الظروف.
(ب) السياسة الخارجية: تتجه سياستنا الخارجية إلى التفاهم والتعاون في معالجة المشاكل الخارجية مع دول الجامعة العربية وأية منظمات أخرى، على أن يخضع ذلك دائماً لمصلحة السودان، ومن غير تقييد دائم بوضع خارجي لا يتفق مع تلك المصلحة.
(ج) السياسة الاقتصادية: إن تشابك المصالح الاقتصادية بين السودان ومصر حقيقة واقعة، والتفاهم عليها يعود على الطرفين بالخير والمنفعة ولكن نظراً لتنوع تلك المصالح، وتعدد جوانبها، فمن الخير أن يترك للحكومة الجديدة وخبرائها رسم حدود التعاون وتحديد طرقه.
(د) مياه النيل: إن النيل هو شريان الحياة في البلدين. وكما هو يربط مصر بالسودان، فإنه يربط دولاً أخرى ويجري فوق أراضيها، ولذا يجب أن تُحدد المسائل المتعلقة بمياه النيل عن طريق تنسيق المصالح، وبواسطة اتفاقية رسمية بين الحكومتين.
إن أبرز ما في قرارات اللجنة التنفيذية هو أن الاتحاد مع مصر لا يعني سوى التعاون بين ندين في إطار المصالح المشتركة. كما أنه ليس في القرارات شيء محدد سوى تشكيل لجنة استشارية لتبادل وجهات النظر في مسائل الدفاع، وتنظيم المسائل المتصلة بمياه النيل باتفاقيات.
نقل المفوض التجاري البريطاني آدمز التطورات المتقدمة في صفوف الحزب الوطني الاتحادي لحكومته فقال إن الحزب كان لزمن طويل تحت ضغط ليعلن عن موقفه. وأصبح واضحاً إبان النصف الثاني من عام 1954 أن قادة الحزب لن يقدروا على تجاهل مد الرأي العام الذي كان يسير بقوة لصالح الاستقلال والسيادة التامة للسودان. غير أنه كان من العسير على هؤلاء القادة أن يديروا ظهورهم لأصدقائهم المصريين الذين منحوهم الدعم المادي والمعنوي قبل أن يصلوا إلى السلطة والذين لا يزالون يعتبرونهم أفضل ضمان بأن البريطانيين سيحفظون عهدهم بتسليم مقاليد الحكم للسودانيين. ثم قال إنه مع انسحاب الحكم البريطاني تطور نمو الميول الاستقلالية داخل الحزب الوطني الاتحادي وتسارع نموها بسبب محاولات المصريين شديدة الوطأة للسيطرة على الشؤون السودانية.
أصابت قرارات الحزب الوطني الاتحادي بالتحول إلى الاستقلال التام صلاح سالم وزير الإرشاد القومي ووزير الدولة لشؤون السودان بصدمة شديدة لأنه لم يتوقع ما حدث ولم يحسب له حساباً فبذل أقصى الجهود لإضعاف مركز إسماعيل الأزهري وتقوية مركز نائبه محمد نورالدين في رئاسة الحزب الوطني الاتحادي وشهر لذلك سلاحين. السلاح الرئيسي كان الرشوة لشق الحزب الوطني الاتحادي وتأليب الجنوبيين وتشجيع النزعات الإنفصالية في أوساطهم. أما السلاح الثاني فقد كان تسخير صحافة مصر وإذاعاتها وبوجه خاص إذاعة ركن السودان من القاهرة لمهاجمة إسماعيل الأزهري، فاتهم بأنه استوحى فكرة الاستقلال من الانجليز. كما نُعت بكثير من الأوصاف غير اللائقة التي دأب الإعلام المصري على إلصاقها آنذاك بكل من كان يدعو لاستقلال السودان. سيرد من بعد أن تلك الحملة على إسماعيل الأزهري كانت محل استنكار من قبل الحكومة البريطانية لأنها كانت تشكل من وجهة نظر تلك الحكومة تدخلاً في حرية الشعب السوداني في تقرير المصير الذي يرتضيه لبلاده. وسيرد من بعد أيضاً أن حسين ذو الفقار صبري ممثل مصر في لجنة الحاكم العام وأرفع مسؤول مصري في السودان، خرج على الناس بعد حوالي شهر من قرارا8
ت الحزب الوطني الاتحادي بالتحول إلى الاستقلال التام بنظرية فريدة مؤداها أن استقلال السودان لن يكون حقيقياً إلا إذا صانه ارتباط دستوري مع مصر.
إلتف حول محمد نورالدين بعض أنصار جناحه القديم وقادة حزبي وحدة وادي النيل والأحرار الاتحاديين، ولا خفاء في أن أياً من هذين الحزبين لم يكن يستند إلى أي تأييد شعبي. ويبدو أن خطة محمد نورالدين وأعوانه للتفوق على إسماعيل الأزهري وفريقه كانت تتمحور حول الحصول على تأييد اللجان الفرعية للحزب الوطني الاتحادي وأعضاء الهيئة العامة للحزب لمبدأ الاتحاد مع مصر على أمل أنه عندما تدعى الهيئة العامة للحزب للانعقاد سيكون ممكناً نقض قرارات اللجنة التنفيذية المؤيدة لاستقلال السودان التام.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 797

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#871246 [عادل الامين]
0.00/5 (0 صوت)

12-30-2013 08:16 AM
لم نتحد مع مصر"الحمدالله" ولكن نقلتا منها بضاعة خان الخليلي المعطوبة -الشيوعيين+الناصريين+ الاخوان المسلمين وفرملنا السودان 60 سنة على الفاضي وكسدت البضاعة في بلد المنشا الان في مصر يعني..
والمسار الطبيعي للسودان كان يجب ان يكون وفقا للبرنامج السودانية الاتية
1- السيد عبد الحرمن المهدي والسير في خطى الكومونلث دون انبطاح لجامعة الدول لعربية
2- محمود محمد طه (دستور السودان1955) والدولة السودانية االمدنية الفدرالية الديموقراطية
3- د.جون قرنق "السودان الجديد" رؤية لا تموت -اتفاقية نيفاشا ودستور 2005
والغريب حتى هذه اللحظة علم القومجية راكب فوق راسنا مع نفس الناس ونفس الاستلاب والعروبة المستعارة لتي لا جدوى منها


#870670 [NjerkissNajrta]
0.00/5 (0 صوت)

12-29-2013 04:52 PM
نحمد الله بكرة و أصيلا اننا لم نتحد مع مصر تخيلوا لو حدث هذا كنا سنكون تحت رسئاسة مبارك ولا مرسي ولا السييسي البقول أنتوا ما تعرفوش الجيش لما ينزل الشارع و يضرب : ده خطر شديد( قدا قدا) ثم أردفها ب قدا قدا قدا طبعا خلي عمرو أديب و بقية الشعب المصري البطل


دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة