قون قووون، قووووون!ا
06-12-2010 10:40 AM

قون قووون، قوووووووووووووون!!..

عبد الغني كرم الله

صرخ المذيع في استاد المريخ، وأمامه كتلةٌ كثمرةِ الباذنجان، تُسَمَّى (مايكرفون الإذاعة)، هذه الصرخة جرت إلى الشرق، تخطَّت النيلين، ثم سبحت في البطانة حتى وصلت أمضبان. وفي ذات الوقت تشظت، لعددٍ غير متناهٍ، وجرت للصحراء الشمالية حتى دَقرتي، وركضت غرباً إلى (لوري) بدفورد بين نيالا والجنينة، وإلى مدرسةٍ داخلية، وسجن النساء، وحلَّقت كعصفورٍ فوق صليبِ كنيسةِ مريم البتول بحلَّة حمد، وعَبَرَت من تحتِ بوابةِ عبد القيوم، وتخلَّلت لحية تمثال عثمان دقنة في الركن الجنوبي الغربي لحديقة البلدية ببورتسودان، كلهم سمعوا قوووووووووووووون، هذه، وفي ذات الوقت!.
وللحق؛ لأول مرةٍ يحتضن (جابر) خطيبته (فاطمة) أمام أهلها، ولأول مرةٍ يصرخ المساجين بصوت عال أمام الضباط في فسحة السجن، ولأول مرة يصرخ، وفي آنٍ واحد، ثلاثين مليون سوداني، عجزت الأديان والأفكار والسياسات والهواتف النقالة في توحيدهم، رغم نشاطها العجيب، الكثيف، الفاشل!!..

***
وإليكم وصف الهدف الذي جاء في الوقت القاتل، (ياتُرَى لم سُمِّي قاتلاً؟، أمن الحكمة: \"الوقت كالسيف، إن لم تقتله قتلك\")، وللحق الوقت قاتل محترف، وخفيّ، فالمقابر تنتظر الجميع، بلا فرز، والمسألة مسألة \"وقت\"، لا أكثر..
***
الكرة الجلدية، أقعلت من الأرض كطائرة، بل أقعلت من قدم (بَاكْ) المريخ، ثم ارتفعت، ومالت نحو الغرب، حتى استقرت بالقرب من العجب، هذه الكرة الصغيرة، المنفوخة، المنقَّطة، كانت تُراقبها عيون أكثر من 40 ألف إنسان؛ بل عاشق، ومتوتر، وجائع، ورئيس، وحرامي، وفي وقتٍ واحد، بل لحظةٍ واحدة، (إن شاء الله حَالِي، هكذا صاحت الشمة المنسية)، استلمها العجب بهدوء، أمامه مدافع، وثاني وثالث، استسلمت الكرة كمهرةٍ مُطيعة، وعَجِزَت ذاكرة الخصم في فهم مكر خياله، تخطَّى الأول والثاني، ومن الخلف امتدت رجل أحد الخصوم وعرقلت اللاعب بالقرب من خط 18، وضع الحكم الصافرة في فمه ثم نفخ فيها، وهو يشير بيده لموقع الجريمة..
ماهذا؟، ما هذه الحمى، والغرور، والهوية، والفرح، والحزن، مما تفعل الكرة الجلدية، وهي تدخل الشباك، أو ترتطم بالقائم، فيتحسر الناس، كما لو أنهم خسروا تجارة، أو فقدوا شخصاً عزيزاً؟، بسببها يستقطع الفقير من قوته، كي يدخل المباراة، ويشجع، ويخرج مبحوح الصوت، واللاعب الذي يسجل هدفاً، ينطّ ويتشقلب كالأطفال، ولا يمتعض أحد من هذا الفعل (الشنيع)، بالمنطق، (ياراجل اتقي الله، فلو تشقلب هذا الرجل في الشارع، في البيت،).. لقيل عنه، ما لم يقله مالك في الخمر، إنه الكبرياء الوطني، إن كان (موت الجماعة عيد)، فما بالك بفرحهم، إنه فردوس، فردوس حقيقي..
****
هدف جميل، خدعت الكرة الجلدية سبعة لاعبين، وكأنها صقر حقيقي، ذكيّ وماكر، يفلت من الصيد بذكائه الفطري، الكامن فيه، سارت الكرة بشكلٍ مقوَّس، لأن القدم التي ركلتها قد قمزتها من طرفٍ معلوم، ركلةٌ تتوحد فيها، بل كامنةٌ فيها، قواعد الفيزياء والضغط والميكانيكا والأبعاد، كي تدور الكرة حول نفسها، وحول رؤوس المدافعين، وتسير بخطىً معلومة نحو الشباك، أبعاد ودوران ومسافات، رسمت لها القدم هذا المصير المخادع، كي تحجّ باتقانٍ تام، ومكرٍ أتم نحو شباكٍ محروسةٍ بحارسٍ ومدافعين أقوياء، إنه صراعُ عقول، وقد انحدر نحو الأقدام، (نظرات العجب نحو الكرة، ونحو القائم والحارس والمدافعين، ثم نظرة داخلية، نحو مكرٍ داخلي، سحرُ الخيال، إنه يكيد كيداً) لمعت عيناه بذكاءٍ طفولي، وكأنه يحشد ذكائه وقدرته وخياله في رجله اليمنى، ثم تقهقر نحو الخلف، مثيراً لدى المدافعين، بل الجمهور، كل الاحتمالات، الممكنة، وغير الممكنة، ثم ركض نحو الكرة فاتحاً كل الاحتمالات، من الخوف والرهبة والرغبة، إن تسجيل هدفٍ عملٌ ذهنيّ، يعني إلمامٌ ذكي باحداثيات المحيط، وتفسيره وتوظيفه. رَكَلَ الكرة بزاويةٍ معيَّنة، خداع الخصم، ضربها بقوة معينة، فالزيادة كالنقصان، أي أن تتخيل في وقتٍ أقصر من البرق، كالعدم، ثم تنفذ الخيال كما هو، باتقان، موحداً كالبرق بين (الفكر والفعل)، وإلا انتزع منك المدافع الكرة كالبرق، إنها مخيلة وذكاء واتقان، في لحظة خارج الزمان، لكي تتهادى الكرة في المرمى في زاويته البعيدة، وقد كادت أيدي الحارس أن تمسّها، أن تمسّها فقط، وقد دارت الكرة من وراء المدافع، وقد سَمِعَت كلام خيالِ اللاعب كما هو، صورةٌ طبقَ الأصل، لأنه رسم لها الطريق بقمزةٍ محسوبةٍ من رجله بكلّ دقةٍ وإتقان، فالتمارين ليست سوى أن يطيع الجسد أوامر الخيال كما هي، بلا زيادة أو نقصان، ولأن القدم لا تتحرك من جراء نفسها، فقد ركلها ذهنُ اللاعب، وذهنُ اللاعب مبنيٌّ على ثقافته وصفائه وخياله، وطموحه وعزيمته، ولكن هل كل العقول الذكية قادرة على اللعب؟، هنا يجيء دور الجسد، الجسد المطواع لتنفيذ الأفكار والخيال الكرويّ، أمثولةٌ للرقص على الميدان، (عرقُ التدريب يقلل دماء المعركة) كرةُ القدم ملحُ الوجود، رياضةٌ شعبيةٌ، تدفع الشعوب الفقيرة من قُوتِهَا وكَفَافها، لترقص وتطرب في الملعب، وجوه المشجعين مليئةٌ بالخوف والتوتر والفخر والخيلاء والغرور الوطني، عصبيَّةٌ كرويةٌ، أعلامٌ وشعاراتٌ ووشوم. وبعد الهدف الجميل، يعتري الجمهور فرحٌ طاغٍ، هستيريا، تظهر على الوجوه والأيدي، عودةٌ لبدء الحياة، للطفولة (الطيبين الشايب جلبو ليهو شبابو، كما يقول العبيد ود ريا)، إنها كرة قدم، إنها مكرٌ وكرٌّ وفرّ، إنها نضالٌ من أجل إسعاد الشعب، ترقص للنصر المدن والقرى والسجون والمستشفيات، توزع البلديات الحلوى، ويختلط الحابل بالنابل، النساء بالرجال، عيدٌ وطنيّ، حياةٌ في اللحظة الحاضرة، استغراقٌ في متعةِ سيلانِ الزمن. استقرَّت الكرة في الشباك، نظر الحارس بحسرةٍ كبيرة، وكأنه يراقب ركام مدينة، بل رماد وطنه الحنون، في حين استشرت في المدرجات، الطرق القريبة من الملعب، الطرق البعيدة، المرضى بمستشفيات المدن والقرى، المسافرين بالقطارات، المهاجرون في المنافي، المعتقلون السياسيون، الأطفال؛ استشرت حمى الفرح والصراخ، توحَّدت المشاعر بالمدينة، وكأنها جسدُ رجلٍ واحد، غارقٍ في نصرٍ عسكريٍّ كبير، فرحٌ لا تقوى عليه الأجسام، فترقص وتترنح وتنطط، وتقفز، وتقبّل؛ فرحٌ فوق طاقة الجسد، والقلب: قَفَزَ الفوراي، والدينكاوي، والفلاتي، والجعلي، والشايقي، كلهم، أجمعين، وحدة شعور أعترى الجميع....
****
يالها من إعادةٍ بالتسجيل البطئ، الشاشة تجترُّ الهدف ببطء، أكتفت الكاميرا بأرجل اللاعب وهو يسعى نحو الكرة، الشاشة كلها مليئة برجليه، وهي تتهادى ببطءٍ كبير، وكأنه رائد فضاء يسير الهوينى في القمر، ومن قال غير ذلك، أسنان (الكدَّارَةِ) تغوصُ في الحشائش، عشبٌ طريٌّ يتطاير كرذاذٍ أخضر، اقترب من الكرة، ثم قمزها بطرف حذائه، من قعرها من الناحية اليسرى، الكرة تحلق ببطء، كبالون أطفالٍ رزينِ الحبوِ في أديم السماء، تلفُّ حول ذاتها، كدرويشٍ ثملٍ من لوامخ الخَطْف، تلفُّ وتسعى وتعلو، تظهر رؤوس لحائط الخصم، وهي تنظر بحسرةٍ للكرة التي ألتفت حولهم، كصقرٍ ماكر، كانت الكرة تلفُّ وتسعى بصورةٍ مقوسَّة، كـ(موز كسلا)، نظرات حائطِ الخصم تبدو كمسافرٍ عجولٍ فاته القطار، الكرة ترتفع أكثر وأكثر، يبدو الحارس في الزاوية البعيدة، يجري نحو الصقر الجلديّ المقبلِ نحوه، لقد رءاها، كانت مندسةً خلف الحائط، وها هي تباغته من حيث لا يحتسب، ثم يقفز نحوها، اتخذت الكرة شكل الصقر، صقر الجديان، وصوَّبَ الصقر عينيه الحادة نحو هدفه، أيدي الحارس تسعى لاحتوائه، والصقر يسعى لهدفه، الأيدي تقترب والصقر يسعى واثقاً، كادت الأيدي أن تمسَّهُ، وفَلَتَ صقر الجديان، الحارس ينظر خلفه بحسرةٍ وهو معلَّقٌ في السماء، يديه قصيرةٌ، مهما طالت، وتهادى الصقر في المرمى، اختار زاويةَ التقاءِ القائمةِ مع العمود، أصعب الخيارات، وهو لها، تهادى أكثر في المرمى، نظر خلفه للحارس، وغمز له كالأطفال (شُفْتَ)، ثم مضى ملكاً نحو الشبكة، مسَّ خيوطها البيضاء، بل دَفَرَها أمامه، انبعجت الشبكة أمام قوته، رسمت شكل ثدي أنثى، حلمته هي الكرة الجلديَّة، التي أرضعت الجميع الفرح، والأخوَّة السودانية الأصيلة.
***
تحول الوطن لجوقة عرس، البراميل والصفائح وسطوح الباصات والأبواب تحوَّلت لطبول، تقرع فيسمعها الجن والإنس، الحيوان والجماد، كرباب إسماعيل الوليّ، كزغرودةِ سلميان الزغراد في جبل اللبيايور، طفلٌ سحب كمَّ قميصه وكوَّر قبضته اليمنى، ووضع يده اليسرى على عضلاته. أربعة مساجين أرخوا آذانهم على الحائط كي يسترقوا السمع لراديو في الشارع المقابل، محكومٌ عليه بالإعدام، ظلَّ يقفز ويقفز في زنزاته، \"زاهداً فيما سيأتي، ناسياً ما قد مضى\"... ياله من حماس، يالها من طاقةٍ كامنةٍ في هذا الشعب..
***
مرت زغرودة النصر بملابسٍ مشرورةٍ على الحبال، ببئرٍ مُظلم، بسمكٍ يسبحُ في النيل، طيورٍ نائمة، صحارٍ ووديان، مريضٍ بالطابق السابع مسوَّرةٌ رجله بالجبس، بائع تسالي. سَرَتْ من قلبٍ لآخر، من ضلوعٍ لحنايا، سرى الفرح في جسد الوطن كله، سحابةٌ خُلِقَت من غيم الفرح ونغم الكبرياء، ثم أمطرت على حقول الوطن كله، بلا استثناء.
***
قهوةٌ متواضعةٌ في طريق الشرق، بين هَيَا وسِنْكَات، أكثر من 17 مسافر ومقيم وتاجر، رؤسهم تتجه نحو قبلةٍ واحدةٍ، نحو طربيزةٍ خشبيةٍ فوقها تلفزيون أبيض وأسود، وبداخله كرةٌ جلديةٌ صغيرة، ماكرة، يمتلئ بطنها بالهواء والإكسير، والعجب..

سجل العجب قون، وفرح من في الملعب، أو الشارع، وظل المذيع يصرخ ويصيح قووووووووووووووون، حتى بُحَّ صوته...فعلاً، (العجب العجب العجب)، فقد وضع المقاتل سلاحه، والسكير قزازته، والحرامي مهمته، كلهم ذابوا في عشق الوطن، لم تعد هناك جدوى من البندقية والخمر والسرقة، كانت لحظاتٍ ثمان لشعور الوطن، ياله من تآخٍ عجيب، فالوجدان واحد، فعلى الحكمة (السياسية/الدينية/الاجتماعية)، أن تصل له، برصده، ومعرفة طريقه، كي تتفتق مواهب وطن عظيم، ويطرب (بنعيم الاختلاف، لا جحيم التشابه) كما يردد صديقي الكاتب محمد الربيع!...

*****
ملوحظات:
(1) أخوكم هلالابي متعصب سابقاً، والآن من أنصار (اللعبة الجميلة)!..
2) إلى الآن لا أعرف إلى أي قبيلة ينتمي (العجب)، سوى قبيلة الإبداع، وكفى!!.
3) هدف ماردونا في انجلترا كان محاضرة في الخيال والذاكرة والموهبة الخارقة.
4) (الأغنية التي استمعت لها في خمس دقائق، خُلِقَت من معاناة شهور طويلة)، نجاة الصغيرة، وكذا الهدف


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 9633

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1333 [ahmad]
0.00/5 (0 صوت)

06-12-2010 11:18 AM
فيصل عجب سيدو ينتمي الي قبيلة النوبة التي بطبعها تحب الرياضة بانواعها المختلفة وقد برزوا بشكل لافت بدون اي رعاية او اهتمام من الدولة


ردود على ahmad
United Arab Emirates [عبد الرحمن] 06-12-2010 01:01 PM
كتابتك ممتعة حد الدهشة وبها من الوصف المثير (دولاب امي والبيوت وهذا الهدف وذاك الذى أحرزه مارادونا وغيرها من الكتابات

احيانا اشم ماتكتب

ملحوظة : الكاتب فى تساؤله عن القبيلة يقصد اللون ...أحمر ...أزرق مريخ أم هلال


عبد الغني كرم الله
عبد الغني كرم الله

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة