المقالات
السياسة
لــديَّ حــلم
لــديَّ حــلم
01-01-2014 01:44 PM



(بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لاستقلال السودان أخذنا النص أدناه من خطاب مارتن لوثر كنج الشهير، الذي ألقاهُ يوم 28 أغسطس عام 1963، بعد التصرف فيه وفقاً لمتغيرات الزمان والمكان).

قبل حوالي ستة عقود، وتحديداً في الساعة التاسعة من صباح الأول من يناير عام 1956م، أعلن السيِّد/ إسماعيل الأزهري ميلاد جمهورية السودان الديمقراطية المُستقلة، متعهداً باسم النخبة السياسية: "بحماية الاستقلال وصيانة الحرية وطرْح المخاوف وعدم الثقة، واقتحام المستقبل أمةً واحدةً متماسكةً كالبنيان المرصوص لإنجاز النهضة الشاملة".
ولكن، بعد حوالي ستة عقود، ها نحن كأننا لم نخطو خطوةً واحدة للأمام، بل ظللنا في كلِّ عهود الحكم الوطني نُرْذَل ونتراجع القهقرى كنتيجة طبيعية لبؤس خيارات النخبة السياسية وفشلها، حتى انتهينا إلى أكثر العهود بؤساً وفشلاً .. أبْهَظنا بأزمات مأساوية يأخذ بعضها برقاب بعض في فضاءات السياسة والاقتصاد والمجتمع.

فالجنود الأجانب الذين أجليناهم من أرضنا بإرادة وطنية، عادوا أكثر عدداً وعتاداً بإرادة أممية .. والحرية التي بُشِّرنا بها لم تتجاوز طفولتها المضحكة، حيث عادت القيود في الأرجل والسلاسل في الشفاه .. والبنيان المرصوص الذي توهمناهُ سرعان ما تداعى وتحوَّل إلى تذررٍ مجتمعي واستدعاءٍ بغيضٍ للقبلية والجهوية .. والثقة التى تمنيناها تحوَّلت بسياسات الإستعلاء والإقصاء ونقض العهود إلى صراعٍ دامٍ، لم يزل يهلك الحرث والنسل .. والوطن الذي كان غداة الاستقلال موحَّداً وجامعاً للتاريخ والجغرافيا، انقسم مثل كعْكةٍ رخوة .. أمَّا النهضة الشاملة، فقد أُبْدِلْنَا بها تخلفاً وجهلاً ومرضاً وفقراً وكلَّ أسباب العناء والشقاء .. بعد حوالي ستة عقود، أضحى النظام السياسي الذي يُظِلُّنا، حكومة ومعارضة، صدئاً مهترئاً أدركته الشيخوخة وضربته الأنيميا .. يحكمنا نظامٌ لا يكفُّ عن استدراجنا إلى كهوف الضِّباع بعد أن انجذب حتى الغيبوبة إلى أنشودة اليوم الأخير من التاريخ، بينما المعارضة لا تمارس سوى ردود الأقوال والاستغراق في شجونٍ صغرى لا تليق بمن يتعامل مع قضايا الوطن بجدية ومع التاريخ بغير خمول.

إنَّ هذا الوقت ليس وقت تعاطي المسكِّنات والهروب للأمام بالمراوغة الثعلبية وتغيير شهاب الدين بأخيه أو أحمد بحاج أحمد، فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الأمر حدَّه وتكسَّرت كلُّ المشاجب لفرط ما ناءت به من حمولة فقه الاختزال والإنكار والتبرير .. ولم يعد ثمة خيار أمام الحالمين بأبدية الاقصاء والاحتكار سوى الاعتراف بالعجز والفشل والكفِّ عن إحالتهما للابتلاءات والاستهداف الخارجي، فقد نزعت عواصفُ الواقع الريشَ الملوَّن عن طاؤوس "مشروعهم الحضاري" وتركته عارياً مفضوحاً أمام الناظرين.

ورغم كلِّ الصعوبات والاحباطات التي نعيشها إلا أنَّني، مثل الملايين من أبناء وبنات هذا الوطن، ما زلت أحتفظ بحلمي .. إنَّه حلمٌ متأصِّلٌ في نفس كلِّ سودانيٍ حرٍّ شريف، مع إيمانٍ راسخٍ بأنَّ التاريخ سيفرض نفوذه، في لحظةٍ ما، وينتصر للحالمين بالحرية وكلِّ شروط الوجود الكريم.

لديَّ حلمٌ بأنَّه في يومٍ قريب ستنهض هذه الأمة وتعيش المعنى الإنساني الحقيقي بأنَّ كلَّ الناس خلقوا سواسية وولدوا أحراراً .. لديَّ حلمٌ بأن يأتي ذلك اليوم الذي يرفع فيه شبابنا رؤوسَهم شموخاً واعتزاراً بالانتساب إلى وطنٍ لا يُحكَم فيه على الفرد بلون بشرته أو ثقافته أو انتمائه القبلي أو توجهه السياسي، إنَّما بمضمون شخصيته .. ويؤمِّن لهم تكافؤ الفرص واستيعاب طاقاتهم على أساس الكفاءة والأهلية وليس الولاء والمحسوبية.

لديَّ حلمٌ بأننا سنؤسِّس دولةً مستنيرة تشكل بوتقةً ذكية لإدارة التنوع وتحويله إلى قوس قزح، بحيث تأتلِف الأطياف فيكون الواقع أكثر خصوبة وثراءاً وتمتزج الإضاءات فيكون المشهد أكثر ألقاً وبهاءاً .. دولة تحمي المرأة من الانتهاكات والطفل من الشرور، وتوفِّر الحياة الكريمة لأهلها كافة.

لديَّ حلمٌ بأن تُبنى أحزابنا السياسية على ركائز الديموقراطية والمؤسسية والوضوح الفكري وحيوية المنهج، لمجادلة الواقع بخطاب وطني حداثي مستنير .. وأن تكون لنا منظمات مجتمع مدني ديموقراطية تساهم في الحراك المجتمعي بالانحياز لخيارات السلام والوحدة والديموقراطية والتنمية .. وأن يسند حراك المنظمات السياسية والمدنية منابر إعلامية حرة تتحلَّى بالنزاهة والشجاعة وتمارس دورها بالخطاب الواعي المسؤول، بعيداً عن ثقافة التجهيل والتضليل والتغزل في أجنحة السلاحف وعسل الذباب.

لديَّ حلمٌ بأن تتراجع في واقعنا صورة المثقف الذي يخضع للترغيب والترهيب، سواء كان سُلطوياً أو اجتماعياً، ويمتثل لشروطٍ بائسة أو ينكفئ على ذاته طلباً لنجاةٍ هي أسوأ من الهلاك .. وأن يتقدَّم المثقف الذي يخضع لسلطة المعرفة ويمتثل لشروط الضمير الحي وينحاز للعقلانية والتنوير لشقِّ الدروب الصعبة، كي يمضي الحراك المجتمعي إلى مصبِّ النهضة بدلاً عن الارتكاس أو الدوران الأعمى على طريقة "محلك سِرْ".

لديَّ حلمٌ بأن يأتي يومٌ تتراجع فيه ثقافة الاقصاء والاستعلاء والاستحواذ والاثرة، لمصلحة الاعتراف بالآخر واحترامه والعطاء المتبادل والإيثار .. وتنحسر الانتهازية والحربائية والذرائعية وسائر مظاهر الخلل القِيَمي، لمصلحة الفضائل والمكرمات .. ومن الجذوع المحترقة تنبت أشجارٌ مثمرة لا يُضيرها لو استظلت تحتها بعض الأفاعي، لأنَّ الحفيف حتماً سينتصر على الفحيح.

لديَّ حلمٌ بأنْ يكون لنا وطنٌ يحلِّق بجناحي الحرية والعدالة ويعمُّه السلام، حيث تتحرر النفوس من الخوف، وتخلو القلوب من الضغائن، وتتعلم الآذان فن الإصغاء وتقوى العيون على الرؤية الواضحة، وتتوحَّد الإرادة ويتفجَّر الإبداع في كلِّ الحقول لاستثمار مُمكِنات النهوض الهاجعة التي يعجُّ بها واقعنا المنجمي.

هذا هو أملنا، بل هذا هو الإيمان الذي نُحوِّل به التنافر في أمتنا إلى سيمفونيّة أخوّةٍ رائعة .. نعمل معًا، ونصلِّي معًا، ونقاتل معًا، ونذهب إلى السجن للدفاع عن الحرية معاً، مؤمنين بأننا ولدنا أحراراً ويجب أن نعيش أحراراً.

ولكي يتمَّ لنا ذلك، فلنقرع أجراس الحرية في كلِّ مكان .. فلنقرع أجراس الحرية في القرى والمدائن، ولنقرع أجراس الحرية في المدارس والجامعات، ولنقرع أجراس الحرية في الشوارع والساحات، ولنقرع أجراس الحرية في السُّهول والوديان وقمم الجبال .. عندها سنُعَجِّل شروق شمس ذلك اليوم الموعود الذي يقف فيه جميع السودانيين أحراراً ومتساويين ومتحابِّين، يُشبِّكون أياديهم مردِّدين كلمات إدريس جمَّاع:

سَأَرفَعُ رايةَ المَجدِ .. وأَبْني خيرَ بُنيانِ
هنا صوتٌ يناديني .. تقدَّم أنتَ سوداني
سأمشي رافِعاً رأسي .. بأرضِ النُّبلِ والطُّهْرِ
سأجعلُ للعُلا زادي .. وأقضي رحلةَ العُمْرِ
مضى عهدٌ مضى ليلٌ .. وشقَّ الصُّبحُ أستارا
نصونُ لأرضِنا استقلالَها .. ونعيشُ أحرارا

[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 887

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#874500 [أحمد إبراهيم]
0.00/5 (0 صوت)

01-02-2014 12:53 AM
أسابيع وأسابيع مرت وأنا أفتقد كلماتك المضيئة الجميلة ، كإضاءة عقلك وجمال روحك ...
وتعود الآن يا عمر بليغا فوق بلاغتك ، مبينا فوق سلاستك ، ساميا فوق سموك ... تحلم برفعة وطنك كله، لا برفعة ذاتك وحزبك وحدكما، كما يفعل الجهلة المتجبرون...

ترتاح نفسي وتسعد بأن ترابنا ينبت أمثالك يا عمر ...
وتنقبض من الطغاة الظالمين الذين دمروا الوطن وقتلوا أحلام بنيه.

عمك المتقاعد إلا من قراءة ما يكتبه مثل قلمك .


#874408 [FoFo]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2014 10:08 PM
حلمك مقبول لو تكلمت عن الأنتاج


#874127 [سيداحمد الشيخ الطيب]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2014 03:39 PM
الاخ العزيز عمر الدقير:لك التحيه وكل عام وانتم اجمعين بخيربمناسبةعيد استقلال السودان .اتفق معك في كل ماذهبت اليه في تحليلك الرائع وانا ايضا بداخلي هذا الحلم العظيم.لذا لابد ان تتلاقي ايادي جميع الاحرار في بلدي من اجل تحقيق هذا الحلم علما بان كل المشاريع والانجازات العظيمه بدات بحلم


#874081 [asd]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2014 02:51 PM
لديَّ حلمٌ بأنْ يكون لنا وطنٌ يحلِّق بجناحي الحرية والعدالة ويعمُّه السلام، حيث تتحرر النفوس من الخوف، وتخلو القلوب من الضغائن . ابدأ بعشيرتك والاقربين.يا عمر اخوانك بعد 60 سنه من الاستقلال يشاركونالسفاح البشير فى حكم وذلال الشعب ومازال لديك حلم


#874036 [silk]
5.00/5 (4 صوت)

01-01-2014 02:09 PM
الله ما أحلاكموا أذ تسبرون أعماق المحاجر ..وتقبضون قرص الشمس بكف خشنه طحين الرحى ..لأطفال الغد..وغدا لناظره قريب ..تحياتنا لصانع الكلمات..وعام سعيد ...وعودة الوطن وعودتكم اليه بأذنالله..نحن رفاق الشهداء ..الصايرون نحن...نحن المبشرون


عمر الدقير
عمر الدقير

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة