المقالات
السياسة
ما لان فرسان لنا بل فـرّ جمع الطاغية .. (كيف؟)
ما لان فرسان لنا بل فـرّ جمع الطاغية .. (كيف؟)
01-01-2014 06:12 PM


اليـــوم نـرفــع رايـــة إستقـلالـنـا
ويسطـــر التاريـــخ مَوْلـِـدَ شعبنا
يا إخوتي غــنــوا لنــا
........
القصيدة التي كتبها الدكتور عبد الةاحد عبد الله يوسف عام 1959م . ولم يتمكن بها الراحل محمد وردي من التغني بها عبر الراديو والتلفزيون إلاّ بعد ثورة أكتوبر 1964م . كانت ولا تزال المحببة إلى قلوب معظم الشعب السوداني والتلاميذ والطلاب منهم خاصة.
وعلى الرغم من أن التاريخ قد سطر مولد شعبنا منذ آلاف السنوات . وكانت النواة على يد الملك بعانخي والإستقلال الأزلي على الإمام المهدي .. فلا مندوحة من القول أنه ووفقاً لمعطيات العصر الراهن؛ فإن إستقلال البلدان لا يتم توثيقه رسميا إلاّ عبر مصادقة هيئة الأمم المتحدة وإعتماده بغض النظر عن العضوية.
هذه القصيدة التي عرفت لاحقاً بأنشودة لإستقلال ؛ ولما وجدته من صدى إستثنائي في وجدان الناس عامة وخريجي مدارس التعليم الحكومية العامة خاصة ..... بدأت هذه الأنشودة تتعرض لبعض الهزات النقدية في الفترة الأخيرة كجزء من ظاهرة الإستفاقة الواقعية من حلم الإستقلال ، وتلاشي عقدة الإستعمار (الإحتلال ) التي عانت منها أجيال من أبناء السودان خاصة المعاصرين منهم لجزء من الحقبة الإحتلالية أو الذين نشأوا وترعرعوا في شوارع وأزقة وفيافي البلاد ، وهُم يرمقون بأعينهم البريئة المفتش الإنجليزي يجوب طول البلاد وعرضها مرتديا أبهى حلل المحتـل الرسمية فوق صهوة حصانه اللامع مفتول العضلات والمسرج بعناية .
في تلك الفترة والتاليات التي تغنى فيها محمد وردي بأنشودة الإستقلال ؛ كان التلاميذ الصغار في المدارس الإبتدائية يرددون في طابور صباح يوم 31 ديسمبر من كل عام هذا النشيد "نشيد الإستقلال" بنفس اللحن الذي قدمه به محمد وردي .... وكانت الحناجر الغضة البريئة اليافعة تلتهب والحماس يتدفق بالدماء الحمراء الذكية تحت الجلد على النواصي والأقدام ..... ولكن برغم ذلك كانت هناك عقدة تكاد في موضعين من أبيات النشيد تربط اللسان ويحتار فيها عقل الصغار قبل الكبار . وهما عند قول الشاعر:
(خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية )
ثم عند قوله:
(ما لان فرسان لنا بل فـــر جمع الطاغية)
ومن الضروري أن نشير أولاً أن د. عبد الواحد عندما كتب هذه القصيدة إنما كان ذلك خلال تواجده في صفوف الدراسة بجامعة الخرطوم ... أو بما معناه أن عمره آنذاك كان بين ألـ 18 و 21 سنة ... وهي مرحلة من العمر تزدحم فيها النفس وتزخر بالكثير من التداول المليودرامي الإستثنائي للمشاعرالوطنية .... ولأجل ذلك يمكن التغاضي على نحو ما عن قوله "وشتتوا كتل الغزاة الباغية" ؛ رغم أن الواقع لم يكن يحكي ذلك ولا يقبله عقلاً بالنظر إلى المفارقة الفلكية بين الإنضباط العسكري لدى الطرفين من جهة ؛ وكذا طبيعة الأسلحة الفتاكة الحديثة التي جاء بها الجنرال كتشنر. وكانت فيما بعد مثاراً لإحتجاجات وإثارة للجدل وسط الرأي العام الأوروبي عامة . ولم يستثني ذلك حتى الرأي العام البريطاني نفسه. خاصة بعد وصول تقارير المراسل الحربي الصحفي آنذاك ونستون تشرشل الذي قدم صورة كارثية لمجريات تلك المعركة التي عرفت بمعركة كرري.
كانت معركة كرري في وصفها المجمل معركة من جانب واحد .. لم يشتت فيها فرساننا كتل الغزاة الباغية . ولكن الذي جرى ولا يستطيع عاقل إنماره أن المكسيم ورصاص هؤلاء الغزاة أباد الصفوف تلو الصفوف من جنودنا وفرساننا والمليشيات والجهادية ، وكل من حمل أو لم يحمل سلاحاً في يده وجاء إلى أرض المعركة.
ما علينا فلربما كان العرب ولا يزالون يتمسحون في هزائمهم التي يحولها شعرهم إلى إنتصارات وهمية .. كانوا يتمسحون ويعتذرون للرأي العقلاني الآخر بالقول : "إن أعذب الشعر أكذبه".
ولكن البيت الذي كان يثير فينا الكثير من الأسئلة الحائرة . ونخجل من طرحها على أساتذتنا وحتى آبائنا في تلك الفترة من أعمارنا الغضة ؛ هو ذلك البيت من الأنشودة الذي يقول:-
(مــا لان فـرســان لـنــا بــل فـــــرّ جـمــع الطــاغــيــة) !
ولكن اليوم وبعد مضي 58 سنة على إعلان إستقلال البلاد المجيد .. فإن الوقت يبدو وكأنه قد حان لطرح هذا السؤال على الملأ ؛ فمحاولة الإجابة عليه قد تفتح أبواباً من جهنم التاريخ ... ودون إعتبار لما قد يقدمه شاعر هذه القصيدة وهذا البيت بالتحديد من شرح وتبريرات إن رغب في ذلك لاحقاً .... ذلك أن الكلمة تظل ملكاً لصاحبها طالما لم ينطق بها . فإن نطق بها لم يعد يملكها ....
ربما كان هذا البيت صادقاً لو أنه قيل ضمن أبيات أنشودة تتناول معركة شيكان أو قديــر على سبيل المثال ... ولكن نراها هنا تجافي الواقع تماما في وصفها لمعركة كرري ونتائجها التي كان أهمها سقوط السودان كالجوهرة الزرقاء الصافية ؛ وبمجانية في يد الإحتلال الثنائي والعبث بكل إرث الثورة المهدية المادي والمعنوي الذي طال قبة الإمام المهدي رضي الله عنه ولم يترك حتى جثمانه ليواصل مرقده مطمئناً في قبره.
كنت أشاهد قناة تلفزيونية لم أعد أتذكر إسمها . لكن الذي إستوقني هو حديث أحد غلاة الأنصار من داخل متحف بيت الخليفة التعايشي في أدرمان .. كان هذا الرجل الأنصاري الصميم يتحدث بحماس متدفق والعبرة تكاد تخنقه وهو يردد : "الخليفة التعايشي لم يَـفـِــر كما حاول البعض الإيحاء به .. ولكنه كان إنسحاباً تكتيكيا تمهيداً لإعادة تجميع صفوف الأنصار" .....
حديث هذا الأنصاري المؤرخ (من جانب واحد) قفز بذهني إلى إستدعاء هذا البيت المشار إليه من أنشودة الإستقلال (مــا لان فـرســان لـنــا بــل فـــــرّ جـمــع الطــاغــيــة) !.... وجعلني أكاد أصل إلى منتصف الطريق في محاولاتي فك طلاسمه منذ تلك الفترة التي كنا نردد فيه هذا النشيد في طابور الصباح بالمدرسة يوم 31 ديسمبر من كل عام ؛ ثم نعاود ترديده من داخل الفصل بعد نهاية الحصة الأخيرة وقبل الخروج فرحين مهللين بإجازة عيد الإستقلال .
إن التحليل الذي يفرض نفسه هنا لا يمكن أن يخرج عن ثلاث:
1) أن الشاعر قد قال هذا البيت لمجرد إستدرار الحماس الطلابي داخل حوش الجامعة . وذلك من واقع أن القصيدة إنما كتبها (عام 1959م ) للمشاركة بها في مسابقة خاصة بمناشط الطلاب داخل حوش الجامعة.... وحتماً لم يكن يدور في خلده أن هذه القصيدة سيكون لها فيما بعد هذا الصدى الإستثنائي . وتحجز له على صغر سنه مقعداً مريحاً إلى جانب الشاعر أحمد محمد صالح مؤلف كلمات السلام الوطني ، والعقيد علي مرجان ملحن هذا السلام.
2) أن (الشعب) في تقبله لهذا البيت وإصراره على ترديده إنما يرفض قبول الهزيمة في دواخله . ويسعى إلى لفظها وخلق مشهد آخر (من نسج الخيال الوطني) كان يتمناه في قرارة نفسه ..... وأن هذه الحالة النفسية ( من الإنفصام المؤقت ) قد تلاقت دوافعها الكامنة بين القائل والمتلقي.
3) أن (الشاعر) قد قصد بهذا البيت القدح في مكانة الخليفة عبد الله التعايشي وما يعتقده من تخليه عن جنده هو وحاشيته المقربة له . لاسيما وأن وصف (الطاغية) هنا يتمشى مع معظم الآراء والأقلام في توجهها للتأريخ لعبد الله التعايشي بأنه كان طاغية وأنه أفسد ثمار الثورة المهدية وكان سبباً في تفكير الخديوية المصرية والملكة فكتوريا بإعادة إحتلال السودان .... فهل كان الشاعر يقصد بالطاغية هنا الخليفة عبد الله التعايشي ؟ .. أو بما معناه أن الترجمة التاريخية لهذا البيت إنما تكون (ما لان فرسان المهدية ولكن فـرّ الطاغية عبد الله التعايشي هو وحاشيته من أرض المعركة) ..... وعلى أية حال فإنه إن فــرّ الخليفة أو لم يفــر فإن المعركة كان لابد لها أن تحسم بتلك الطريقة التي كان السبب الأول فيها هو غياب الإستعداد والتخطيط العسكري السليم للمواجهات على الأرض وإختيار الوقت المناسب.
سيظل الخليفة التعايشي مثيراً للجدل .... وستظل معركة كرري الأكثر إثارة للجدل في تاريخنا ؛ والأكثر جلباً للتحسر وإستدراراً للدموع والأسى ، بوصفها كانت مجزرة تعرض لها أجدادنا ، دون أن يكون لهم الخيار والدافع سوى حب هذا الوطن ، والإنقياد بالولاء والطاعة العمياء لخليفة الإمام المهدي لا لسبب سوى أنه "الخليفة" بغض النظر عما إذا كان هو أو أبنائه على خطأ أو صواب .....
ولكن هل يمكن أن يكون هذا ديدن الشعب السوداني على مر الزمان ؟ أم أننا بحاجة إلى تأصيل قواعد من حرية الرأي وسلامة التفكير بعيداً عن الدروشة والبلاهة ؛ ولما نعاني منه لجهة قلة التجربة الإحتكاك بالخارج المتحضـر في ظل فقر الإلمام باللغات الأجنبية الرئيسية الجاري لدى النشء والشباب ، والحصار ... وقبل كل هذا وذاك غياب قيادات تاريخية بحجم بعانخي وترهاقا وعمارة دنقس والمهدي .... قيادات وطنية خالصة صادقة القلب أمينة عفيفة اليد واللسان ؛ يبدو أنها لا تتكرر سوى مرة كل ألف أو خمسمائة عام.

[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1224

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#874462 [أبوتلة الحسن أحمد]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2014 11:44 PM
الأخ العزيز .. شكرا لطرحك العقلاني للأمر وهو موضوع قديم وأذكر أنني كنت طالبا بالسنة الأولى بالجامعة حين دار صراع فكري وغير فكري بين علمين بارزين هما المرحوم المؤرخ التجاني عامر والشاعر الأديب فضيلي جماع ..وكان التجاني قد قال إن ما جاء في النشيد يخالف وقائع التاريخ وهو كلام صحيح بلا ريب فما كان من فضيلي جماع إلا أن هاج وماج وثار بحمية " أنصارية " أو ربما متعاطفة مع الأنصار ليصب جامضبه على التجاني عامر ورغم صغر سني آنذاك مقارنة بأصحاب الشأن فقد تدخلت بمقال نشرته الصحيفة التي كانت تنشر المحاورة بينهما ( الأيام أو الصحافة لا أذكر ) ودافعت في مقالي عن فكرة التجاني عامر التاريخية التي لا يماري فيها إلا أصحاب الجدل والدجل ومع ذلك فقد أظهرت اعجابي بالشاعر الذي ألهب حماس المنهزمين وقلت إن التاريخ لا يكتبه الشعراء ولم نجد مؤرخا اعتمد قصيدة كمصدر فالشعر وظيفته إثارة العواطف والحماس وليس تسجيل وقائع التاريخ .. ومن ثم فكلاهما كانت له دوافعه فالشاعر لا تهمه الحقائق بقدر ما يهمه تحويل الهزيمة إلى نصر " كأجهزة الإعلام الآن" والمؤرخ تهمه الحقيقة وقد أشاد المرحوم المحامي والوزير السابق أحمد سليمان المحامي بما ورد في مقالي من أفكار واعتبر أن أهم ما خرجت به المساجلة هو أنها اكتشفت طالبا كاتبا .. ويبدو أن الموضوع تجدد طرحه وسوف نستطرد في الأمر لاحقا بمشيئة الله ولك كل التقدير


ردود على أبوتلة الحسن أحمد
[NjerkissNajrta] 01-02-2014 06:48 AM
الأنصار هم الأب الشرعي للكيزان و ثقافتهم، كما أن الختمية الأب الشرعي لثقافة الخضوع للمصريين.


#874348 [سودانى]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2014 08:40 PM
مصعب
يجب فتح هذه الابواب الصدئة لاصلاحها وليدخل النور ويضيء ما اخفته من تاريخ

بارك الله فيك وفى هذا الشعب وهذه الامة وهدانا للحق والخير والمحبة


#874294 [fathigadal]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2014 07:22 PM
والله كلامك في محلو, نحن مفروض نراجع حاجات كتيره في تاريخنا دا


مصعب المشرف
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة