المقالات
منوعات
قراءة غير نقدية في رواية "إيقاع العودة" للروائي عوض عثمان عوض
قراءة غير نقدية في رواية "إيقاع العودة" للروائي عوض عثمان عوض
01-03-2014 01:03 AM




توقفتُ طويلا عند كلمة "إيقاع"، فهي تُعبّرُ عن لحن، وشجن، وأسى، ورغبة دفينة في الاحتماء بظل لحنٍ أثير، وعن شعور بالحرمان؛ وعندما اقترنت تلك المفردة بالعودة، حينئذ اكتملت الصورة التي تخيلتُها.

الناظرُ إلى هذه التوليفة بين الإيقاع والعودة يرى حنينا، ويستشعرُ ألما دفينا، ويُحسُ بوجع اعتصر قلم الكاتب، وأجبره على صوغ كلماته تلك التي نرى بين دفتي الغلاف.
"إيقاع العودة"، عنوان صارخ رغم هدوئه، يشي بالألم والمعاناة نتيجة البعد القسري عن وطن لظروف سياسية قاهرة، تتمثل في نظام أدمن الوضوء بدماء شعبه، وربما تكون هي الثيمة الرئيسة للنص، فنظرة متفحصة للرواية تثبت تكرار مفردات بعينها عشرات المرات: الصمت، التعب (ومرادفاتها)، الحنين، الفراغ، الذكريات.
هذه المفردات تعبير عن ذات الكاتب ودواخله، وهنا انطلقُ من رفضي لنظرية موت المؤلف، فإذا كانت روح المؤلف وخلجاته العميقة ومكنوناته الأثيرة غير مبثوثة في متن النص صراحة أو تضمينا بين السطور، فما الذي يمكن أن يحتويه النص؟!

اللجوء إلى استخدام كلمة "طقس" عناوينا للفصول، ثبّت لي ما اعتقدتُه آنفا من حميمية تربط بين النص وكاتبه.
الطقس هنا تعبير عن ديمومة المواقف إزاء قضية بعينها، وتثبيت لنظرة مبدئية لا تتغير إزاء تطورات اجتماعية بعينها.
الطقسُ عنوان لا حيد عنه لما يتعرض له شعب من تطورات دراماتيكية يصعب عليه التعامل معها على علاتها، فيلجأ إلى صورة أو رد فعل نمطي لا يتغير؛ علّه يكون حاديا في ضباب المواقف، ومنقذا من غلواء الحرج، أو، ربما، مؤسسا لموقف يثبُتُ لاحقا لهداية أجيال قادمة.

بطلة القصة "هاجر ساتي"، إنسانة مرهفة الحس، رقيقة المشاعر، كوزموبوليتانية، تشعر بالهم الإنساني بمعناه المطلق أينما كان وبصرف النظر عما يتخذه من لبوس مختلفة، ويتضح ذلك جليا في أماكن إقاماتها، وزياراتها، وثقافتها العامة، ومزاجها الذي تتناشبه الثقافتين العربية والغربية معا.

تتنقل هاجر بين مدن شتى: الخرطوم، براغ، لندن، أمستردام، برشلونة.. إلخ، وهي –بحكم تخصصها- فنانة تشكيلية مبدعة، فإنها تُحلّقُ بالقارئ في آفاق رحبة من المعرفة بالفنون، ولا تتوقف –لحسن الحظ- عند حدود الواقع أو الثقافة المحلية المنغلقة.
تكشف بطلة القصة أيضا عشقها للموسيقى الكلاسيكية، فتتحدثُ بعشق أنيق عن مقطوعات ٍبيتهوفن وشتراوس وغيرهما، بما يجتذب الألق إلى سطور الرواية، ويمنحها رونقا وعبقا.

يسترعي الانتباه أيضا في شخصية "هاجر" تلك المزاوجة بين العامل الصوفي المتجذر في فؤادها، وحنينها إلى الوطن، وكان ذلك جليا في مقاطع متعددة منها الآتي:
"كنا نتسامرُ في حضرة أشجار النخيل بظلالها المترعة بالتحدي والشموخ، بين النيل والنخيل والليل علاق أزلية جذورها تمتد إلى آلاف السنين الضوئية.. الليل بهدوئه المدهش يجعلنا نسبح عبر الأزمنة، وننسج من خيالنا الخصب قصصا وحكايات عادة ما تكون مرتجلة في لحظتها. تأتي من البعيد أصوات أذكار صوفية مصحوبة مع نسمات الريح. تتمايل أوراق الأشجار الخضراء بطرب ورشاقة كأنها غارقة في حالة شوق ووجدان صوفي."

للكاتب عشق بكلمة اللون، إذ يكررها في إحدى المقاطع (142) مرة!
ترى، هل يرتبط ذلك فقط بذهنية بطلة القصة، أم يمكننا إحالته إلى حساسية الكاتب وذائقته الجمالية التي تحتفل بالتصوير المرسوم؟
ثم يعود الكاتب لاحقا إلى آلية تكرار مفردة بعينها، فيكرر كلمة "حافة" ستة عشر مرة متتابعة، ولعل في ذلك دلالة على الخطورة، أو اقتراب النهاية، أو عدم الأمن والاستقرار، ولعلها تحمل للكاتب دلالات أخرى أو مخالفة.

الحوار في أرجاء الرواية جاء سريع الإيقاع، مُنصبّا نحو دفع الفكرة الرئيسة للرواية، وإن شابه في بعض المواقع ترهل نتيجة الاستطراد في الشرح لمفاهيم مبدئية في الفن والموسيقى، وكان يجدر بالكاتب إحالتها إلى ثقافة القارئ العامة، أو لاجتهاده في البحث عن تلك المعلومات في مظانها إن هي غابت عن دائرة معارفه.

يبدو أن فكرة المزاوجة بين أنواع متعددة من الفنون لا تبارح مخيلة الكاتب إذ نراه يشير في مقطع آخر قائلا:
"لوحاتك تدعو إلى التأمل والإعجاب، وربما تلهمني في يوم من الأيام لتحويلها إلى قطع موسيقية؛ هكذا هي الفنون تستقي من بعضها، وتكون امتدادا لبعضها البعض."

لبطلة الرواية معرفة دقيقة، وعشق خاص لمحمود درويش، ونراها تشير إليه في تسعة مواضع، وهذا يرجع أيضا برأيي إلى شغف الكاتب بقيمة الحرية، والتي أُقدّرُ أنها قيمة أساسية عنده لا يبغي عنها حِولا.

لبطلة القصة أيضا ولع خاص بسيرة الخضر عليه السلام، ولعل هذا يعيدنا إلى الأجواء والأصداء الصوفية المذكورة آنفا، فذلك التحول التلقائي السلس من منظور الليل/النيل/النخيل إلى الحدث الصوفي ومن ضمنه ذكر الخضر عليه السلام- لم يأتِ تعسفا، أو على حساب الحبكة الروائية، وإنما تدرّج إليه الكاتب بانسيابية، ولم يقحمه كيفما اتفق بما قد يؤثر سلبيا على تطور الحدث الروائي، وتصاعده المدروس بعناية نحو نقطة الذروة الدرامية.
يظهر هنا الخضر عليه السلام باعتباره أو صفته الملهم أو المخلص، أو صانعا لتحول الحدث الروائي من منظور سردي خطي افتُرعتْ به الرواية وكان ملمحها العام إلى أسلوب الواقعية السحرية.
لاحقا، يعود الكاتب إلى الأسلوب السردي الخطي حينما ارتأى أن مسيرة الحبكة تقتضي العودة إلى الواقع المعيش بكل ما يحمله من تناقضات وتعقيدات.

تكشف البطلة عن حالة من القنوط من الواقع المزري، فتتحدث مليا عن فكرة الانتحار، باعتباره إنهاء اختياريا لحياة عبثية طابعها المعاناة، وديدنها العذاب.

حفلت الرواية بالعديد من التساؤلات الفلسفية الجميلة والعميقة معا، منها على سبيل المثال:
"المطر مثل الموسيقى. كلاهما مسكون بالسعادة والحزن، وبالفرح والكآبة، ويصيبان المرء بحنين يجعل دموع العين تطفر بغزارة."

يتطرق الكاتب أيضا –عبر النص الروائي- لينشر أفكاره، باعتباره مثقفا، عن آلية التطور الاجتماعي، فنراه يناقش المعوقات التي تواجه المبدع، وقضية التعليم، وموقف الأنظمة السياسية من العمل الثقافي، وغيرها من القضايا التي تؤرق مضجع أي كاتب طليعي مهموم بوطنه، وبقضايا شعبه.

أما عن آليات الكتابة، فقد استخدم الكاتب الآليات التالية: الفلاش باك، الفلاش فوروورد، القصة الداخلية، الشعر، النص الغنائي، الحلم، الخيالات الصوفية بما أضفى حيوية وديناميكية على النص.

الراوية هي البطلة، وهذا اختيار واعٍ وموائم يتناسب مع طبيعة الرواية التي تستند إلى البوح، مما يجعل استخدام راوٍ آخر غير مناسب، ولكن الكاتب اضطر في نهاية الرواية إلى استخدام راوٍ آخر (أخت البطلة) بعد أن حكم على البطلة بالموت.

تحمل الرواية في صفحاتها النهائية موقف البطلة من الوطن، فتقول متأملة:
"هنا.. في هذه البلاد الجريحة لا شيء أسهل من قراءة الحزن والتعب في وجوه العابرين. في هذه المدينة يكبر البشر بسرعة مثل الورود، لكنهم بعد فترة يذبلون ويختفون كالنجوم العابرة في صدر السماء."

في احتفائية بارعة بمفهوم تعدد النهايات، وضع الكاتب القارئ في محل الحكم، ليختار إحدى نهايات ثلاث: وفاة البطلة، أو وقوف أخت البطلة وصديقتها ماريكا أمام قبرها، أو حديث ماريكا الموشّى بالألم عن صديقتها هاجر عندما تقف على خشبة المسرح.

"إيقاع العودة" رواية تشي بميلاد كاتب يجيد أدواته التعبيرية، ويسير بخطى حثيثة نحو القمة.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 950

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#875888 [عادل الامين]
0.00/5 (0 صوت)

01-03-2014 07:06 PM
رواية جميلةمكتوبة بلغة شعرية


ردود على عادل الامين
European Union [معتصم الحارث الضوّي] 01-04-2014 06:02 PM
الأخ الكريم عادل الأمين
شكرا جزيلا لمرورك، ورواية "إيقاع العودة" هي بالفع رواية متميزة تستحق الإشادة.
تقديري لك


#875480 [فيصل مصطفي]
0.00/5 (0 صوت)

01-03-2014 01:55 AM
الأستاذ معتصم أنت و أمثالك
تستحقون الإشادة لأن الأدب
السوداني فعلاً يحتاجكم و لا
سيما النصوص السردية ....
تجربتي في القاهرة أثبتت لي
مدى غيابنا عن المشهد الثقافي
في الوطن العربي
لسبب ضئيل لأننا ككتاب سرد
لا نجد التحفيز من نقادنا الذين
يغرون القراء بالإطلاع على النصوص
التي أضاؤها بوضعها في دائرة الضوء
والنص كما تعلم يظل كماً مهملاً إذا لم
تصافحه عيون القراء !!؟...
التحية لك و لكاتب رواية "إيقاع العودة"


ردود على فيصل مصطفي
European Union [معتصم الحارث الضوّي] 01-04-2014 06:05 PM
الأخ الكريم فيصل مصطفى
الأدب السوداني قطع خطوات جبارة خلال السنوات الماضية، ولكن ما زال انتشاره واحتضانه في الساحة العربية أقل من المطلوب لأسباب متعددة، أهمها ضعف الإمكانيات المادية بما يؤثر سلبا على حركة النشر، وضعف التوزيع، علاوة على ضعف الحركة النقدية من حيث الكم.
أتمنى أن تتواصل معي على البريد الخاص للنظر في كيفية التعاون بيننا.
تحياتي وتقديري لك


معتصم الحارث الضوّي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة