المقالات
السياسة

01-04-2014 09:18 PM


جاءت فكرة هذا المقال من تعليقات القراء على المقال السابق بعنوان" عذرا العقد وندماء الحوت لقد أفشلتم فكرة الاحتفال"، ولكن أولا على ان اعتذر لأحد ندماء الحوت الذي فسر مقولتي عن الانهزام النفسي كتقليل من شانهم وهي غير ما اقصد، فالحقيقة ان الانهزام النفسي المقصود في المقال هو عدم إمكانية تعويض الفرح في هذا الوطن نسبة لعدم إتاحة المساحة الكفاية للتعبير عن الذات مما ولد حالة من الترميز تتجاوز المساهمة الأساسية المفترضة للرمز، فنشأت حالة من الترميز بدأت من شيوخ الطرق الصوفية في الماضي ولكنها الآن اتجهت إلى السياسية والفن وإذا استمرت بتلك الصورة ستشمل كل مناحي الحياة، والأزمة تكمن في ان الرمز ليس قابل للنقد باي وجه من الاوجه. فالحوت ليس فنان "كما يفترض ان يكون" عند الحواتة ولكنه رمز وظهرت رمزيته من مرضه في رويال كير إلى الاردن ثم عودة جثمانه وسنري الرمزية بصورة واضحة في تابينه القادم. فهذا هو المقصود بالانهزام النفسي عندما يتحول أي إنسان إلى رمز يتناسى الناس بشريته وإمكانية الخطأ والصواب عنده وكذلك لا يمكن تعويضه عند موته فيصبحوا أسيرين لتجربته دون إمكانية لتخطيه وبالتالي يهزم الفرد ذاته فهو ليس انهزام خارجي.

الاخر في تعليقات قراء الراكوبة:
علينا ان نقر بوجود مساحة بين الفكر المعتقدي وتحديدا في الوسط وبين الممارسة التي نحاول من خلالها ان نتواصل مع الآخرين، فعندما ذكرت المسيحية والمسيحيين كنت اقصدها كحالة يفترض وجودها في الاحتفال باعياد الميلاد ولكن من خلال المسيحيين كنت اقصد تقبل كل اخر مختلف، فانا أدرك ان هنالك كثير من الأشخاص يتواصلون معهم ولكن كان السؤال الذي أتي إلى العقد ومن خلالهم إلى الكل وهو: هل يمكن ان يتحول ذلك التواصل السلوكي إلى فكر معتقدي؟، فاغلبنا مقيد برؤية الاخر الديني من خلال الرؤية العربية للرسالة المحمدية والتي تحد من التواصل مع الاخر بل وتحاول ان تصوره كاخر ضد يجب ابادته (راجع سورة التوبة وتفسير اية السيف تحديدا).
وكان السؤال مباشرا لمجموعة العقد وهو لماذا لم تاتي على ذكر المسيحية والمسيحيين وهل يمكن للعقد كمجموعة تتغني لكل السودان ان تتغني باغنية تمجد بها المسيح أو المسيحيين؟، وثانيا كان السؤال حول لماذا الاستسلام للإرهاب الفكري من قبل بعض الجماعات والذي أدي إلى ان تتغني العقد في أولي أغنياتها بمدحة للرسول محمد، فالمديح طقس اجتماعي سوداني (ولا نقول عبادة لان الرؤية العربية لا تعترف بالمديح) له مكانه وزمانه، ام يحتاج المثقف إلى صكوك الغفران من الجماعات المتدينة؟ وكان ذلك السلوك انهزام من المثقف تجاه سلوكه الشخصي، فكيف نحتفي بالسنة الميلادية كسلوك ونقول بحق الاخر بان يكون اخر كامل ثم لا نأتي باي جملة تفيد ذلك السلوك بل نأتي بأغنيات تناقض ذلك كله.
وللأسف تمعنت في التعليقات على اجد من يقول انه يقر باحقية الاحتفاء بالمسيحية على الخصوص وعلى التواصل مع الاخر على العموم ولكن حتى التعليق الوحيد الذي وجدته كان يتحدث عن التعدد الثقافي والديني على العموم دون ان يؤكد بانه كمسلم يعتقد تماما في الدين المسيحي دين كامل ومن الحق الاحتفاء بالمسيح كتأكيد على حق الاختلاف. بل حتى في الواقع عندما اتناقش مع احدهم اجد هنالك من يتسال بان الآخرين قد تجاوزوا المجرة ونحن لازلنا نتسال هل البيضة اول ام الدجاجة؟ بطريقة استهجانية لكل ذلك الجدل، وتتناسي كل النخب ان الذين تجاوزوا المجرة كانت بدايتهم بخوض ذلك الصراع الذي يرفض تقبل الاخر ولديه نظرة أحادية للأشياء، فإذا لم يفعلوا ذلك لكانوا مثلنا الآن، وهو ما يجعل الرؤية المسيحية في مركزها الثقافة الغربية أو في المجتمعات التي لا يوجد بها تعدد ديني متقدمة على الرؤية العربية والرؤية اليهودية.
فتقبل الاخر الإنساني هي بداية النظر للأشياء بصورة مختلفة وتأسيسها داخل المجتمعات وكذلك هي بداية استيعاب مفهوم التعدد الاجتماعي والديني لثقافة واحدة وليس التعدد الثقافي، وكانت النخب على طول التاريخ تحاول ان تبدا طرح تلك الأسئلة ولكنها كانت تهزم أمام حاجاتها الذاتية وتترك مكانها النخبوي وتستخدم التزييف المجتمعي للوعي كما استخدمت عقد الجلاد ذلك الزيف حتى تحافظ على مكانتها وتركت المبدأ النخبوى الذي يلزم النخبوى في الوقوف اما الوعي المجتمعي، فنظرة واحدة إلى كل المجتمعات التي تسمي نفسها أسلامية من المغرب إلى المشرق مرورا بكل الدول تجدها في مازق نتيجة لهروب كل النخب من محاولة خوض ذلك الصراع والوقوف في وجه الرؤية الأحادية التي لا ترى الأخر حتى داخل الدين الواحد. فعدم التأسيس الفكري لتقبل الاخر هو الذي يؤدي إلى ارتداد المجتمعات وهو ما رأيناه في السودان في الردة القبلية. فتقبل الاخر بالنسبة للنخب هو تقبل فكرى أولا قبل تقبل سلوكي، فهل أسست النخب لذلك التقبل؟
وأخيرا:
هي ليست محاولة رد على رد ولكن هي دعوة للحوار الهادي لكل شخص مع ذاته بعيدا عن الإرهاب الفكري، ويجب ان يشمل ذلك الحوار الاخر الديني لأنه المدخل الذي ظل يحد من إمكانية إيجاد ثقافة سودانية واحدة، وهنا يظل السؤال مطروحا هل يمكن ان نتقبل الاخر المسيحي أو اليهودي أو اللا-ديني كاخر كامل؟ وكيف؟ لان إجابة هذه الأسئلة ستتحول تلقائيا اذا كانت بنعم إلى سلوك اجتماعي لا يرفض الاخر وبالتالي تكون هنالك إمكانية وجود دولة سودانية متعددة، اما إذا كان بلا فيجب ان نسعى من الآن إلى تقسيم ما تبقي من هذا الوطن.
وحقيقة رغم انني لا اتبني الرؤية العربية ونظرتها للرسالة الالهية المحمدية أو غيرها من الرسالات ولكن حتى داخل تلك الرؤية اذا تجاوزنا جزئية سورة التوبة واية السيف تحديدا، فيمكن للفرد ان يجد الكثير من التخريجات التي تجعله يعامل الاخر الديني كاخر مختلف، فهنالك اية (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) وهي دعوة لعدم رفض الاخر ومحاولة التواصل معه، وكذلك (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)) وهي تاكيد على عدم النظرة الكلية للديانة من خلال فرد أو افراد محددين فحتي داخل الديانات هنالك اختلاف بين الافراد. بل ان ايمان الفرد لا يكتمل ما لم يؤمن بالرسل والديانات الاخرى (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4))، فكيف لرسل مجدهم الله في المصحف العثماني الا نمجدهم نحن (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ ...).
فهو سلام إلى عيسي ابن مريم في يوم ولادته وسلام إلى والدته مريم العذراء ونحن نحتفل بذلك وسلام على كل الرسل من محمد أخر الرسل إلى أول الرسل والمجد لله في الاعالي وعلى الارض السلام وبالناس المسرة (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)).
وارجو ان لا يفسد اختلاف الراي للود قضية.
ومعا من اجل وطن يسع الجميع
kh_ahmmed@hotmail.com


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 769

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#876820 [سودانى]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2014 12:10 AM
شكرا يا استاذ خالد
هذا الموضوع هو اساس كل مشاكلنا ارجو ان لا يفتر فكرك ويجف قلمك عن سبر اغواره ( ماتفتر يا خالد . . واصل الكتابة والبحث فى هذا الموضوع )
والله الموفق


#876801 [NjerkissNajrta]
0.00/5 (0 صوت)

01-04-2014 11:36 PM
الدم القتل الأرهاب الأنتقام هي مترادفات يومية في حياة المسلمين، أما السودانيون فلهم ثقافة موغلة في الأرهاب لا ينكرها الا مكابر.


خالد يس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة