المقالات
السياسة

01-05-2014 11:43 AM

تحول الحزب الوطني الاتحادي من مبدأ الاتحاد مع مصر إلى الاستقلال التام:
أبريل 1955
(3)
د. فيصل عبد الرحمن علي طه

جنوبيون يطالبون بارتباط دستوري مع مصر
في الأسبوع الأول من أبريل 1955 أصدر الأعضاء الجنوبيون في الحزب الوطني الاتحادي وكان بضمنهم بولين ألير وزير الثروة الحيوانية، بياناً قالوا فيه إن ظنهم قد خاب تماماً في زملائهم في الحكومة وبرروا ذلك بما يلي:
أ- إن السودنة بالرغم من كل نضال وضغط الأعضاء الجنوبيين على الحكومة لم يفد منها جنوبي واحد في الخدمة المدنية.
ب- إن رئيس الوزراء وأقرانه قد تعمدوا الإحجام عن التنمية الاقتصادية. مما يعني إعطاء الأسبقية للتنمية الاقتصادية الشمالية تاركين الجنوب تحت رحمة أصحاب المشاريع الخاصة.
ج- تعمد عدم الأخذ في الاعتبار وجهات النظر الجنوبية السياسية بل تجاهلها دائماً.
د- لما تقدم فإن الأعضاء الجنوبيين في الحزب الوطني الاتحادي يطالبون بالفيدرالية بين الشمال والجنوب وأن تعلن هذه الفيدرالية كسياسة السودان المستقبلية.
هـ- إن الارتباط مع مصر أفضل كثيراً من استمرار الأوضاع الحالية.
وفي الأسبوع الثاني من شهر أبريل 1955 بعث 11 من نواب حزب الأحرار رسالة إلى إسماعيل الأزهري قالوا فيها إن شمال السودان قد أصاب قسطه من التقدم في النواحي الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بفضل المعونات التي أمدته مصر مباشرة بالجزء الأكبر منها. ثم أبدوا استعدادهم لمؤازرة الحكومة إذا وضعت برنامجاً اقتصادياً وثقافياً حاسماً. وطلبوا من الحزب الوطني الاتحادي عندما يضع الخطط لمستقبل السودان ككل لا يتجزأ، أن يقرر بوضوح أنه سوف ينص ضمن الروابط التي تربطه بمصر على ما يضمن تطور المديريات الجنوبية الثلاث. وشددوا على أنهم لن يستريحوا لوجود هذا الضمان إلا إذا وضع به دستور خاص للمصالح المشتركة بين مصر والسودان.
وتأسيساً على ما تقدم أعلن نواب حزب الأحرار الذين وقعوا على الرسالة عدم موافقتهم على القرارات التي أصدرتها لجنة العشرة في 6 إبريل 1955 لأنها لا تلزم البلدين بكفالة مصالحهم وعبروا عن أملهم في أن يراجع الحزب الوطني الاتحادي هذه القرارات.
وقد كان من أبرز الموقعين على الرسالة بوث ديو (نائب وادي الزراف)، وجوشوا ملوال (نائب غرب النوير)، وإيليا كوزي (نائب الزاندي شرق)، ومحمد نجومي (نائب نهر الجور جنوب)، ولينو تومبي لاكو (نائب جوبا)، وإدوارد أدوك (نائب الشلك).
وحري بالذكر أن مؤتمر جوبا الثاني الذي عقد في أكتوبر 1954 وشارك فيه كل نواب حزب الأحرار كان قد قرر استقلال السودان ورفض الاتحاد مع مصر.

ذو الفقار يُعّرف الاستقلال الحقيقي
بعد حوالي شهر من صدور قرارات الحزب الوطني الاتحادي بالتحول إلى الاستقلال التام، أصدر حسين ذو الفقار صبري ممثل مصر في لجنة الحاكم العام تصريحاً أوضح فيه وجهة نظره الشخصية فيما يتعلق بتقرير المصير الذي يقضي باختيار السودانيين بين الاستقلال التام أو الارتباط مع مصر. ثم قال إنه في هذا العصر الذي أصبحت فيه الدول تتكتل للمحافظة على كيانها يتعين على السودان الاختيار بين ثلاثة أنواع من الاستقلال وهي:
أولاً: استقلال انعزالي قد تمزقه أطماع الدول الاستعمارية المختلفة.
ثانياً: استقلال انفصالي في حماية نفوذ أجنبي في صورة أحلاف أو سيطرة اقتصادية أو إدارية.
ثالثاً: استقلال حقيقي يصونه رباط دستوري مع مصر.
هاجمت الصحف السودانية تصريح ذو الفقار واعتبرته محاولة مكشوفة للالتفاف على قرارات الحزب الوطني الاتحادي بشأن التحول إلى الاستقلال التام، وللتأثير على التفكير السوداني بشأن تقرير المصير. وطرحت صحيفة «الأيام» سؤالين على ذو الفقار كان أولهما: ما هو نوع الاستقلال الذي تتمتع به مصر لأنه ليس لها رابطة دستورية مع أي دولة؟ وأما الثاني فقد كان: وأين هو الدستور المصري الذي يُراد أن يرتبط به السودان؟
إعـــفاء نــورالديـن وبــولـين ألــير
أصدر إسماعيل الأزهري في 20 يونيو 1955 بياناً جاء فيه أنه أثناء فترة غيابه في الخارج للاشتراك في مؤتمر باندونج حدثت عدة تصرفات من محمد نور الدين وزير الأشغال وبولين ألير وزير الثروة الحيوانية اعتبرها هو -أي أزهري- أخطاءً تتعلق بواجباتهما كوزيرين. وجاء في البيان أيضاً أنه تحدث إلى كل منهما على انفراد فيما صدر منه. وبما أن إجاباتهما لم تكن مقنعة، فقد طلب من الحاكم العام إعفاءهما من حقائبهما الوزارية بموجب المادة 18/2(د) من دستور الحكم الذاتي.
مع أن أزهري برر الاعفاء بالقصور في الأداء الوزاري، إلا أن الظروف والملابسات التي تم فيها الاعفاء تدعم الرأي القائل بأن الإعفاء تم لأسباب سياسية فنورالدين أصبح الأداة الرئيسية للنشاط المصري في السودان. كما أن بولين ألير استعدى الأعضاء الجنوبيين في الحزب الوطني الاتحادي ضد قرارات الحزب المتعلقة بتفسير مبدأ الاتحاد مع مصر.
نورالدين يؤيد الاستقلال الاتصالي
يبدو أن محمد نورالدين قد تأثر بتصنيف حسين ذو الفقار صبري لأنواع الاستقلال فتبنى تفرقة بين استقلال اتصالي وهو ما يدعو له واستقلال انفصالي يرفضه ويتهم أزهري بالتحول إليه. ففي بيان نشر في 5 يوليو 1955 قال محمد نور الدين إن بوادر التحول عن مبادئ الحزب الوطني الاتحادي بدأت منذ عودة أزهري ورفاقه من رحلتهم إلى لندن والبلاد الأوربية. ودلل نور الدين على ذلك بالتصريح الذي أدلى به أزهري لصحيفة «الأيام» في 25 ديسمبر 1954 ووصفه بأنه رأيه الشخصي.
وأشار نور الدين في بيانه إلى أن قرار اللجنة التنفيذية للحزب الوطني الاتحادي بشأن تفسير مبدأ الاتحاد مع مصر المنصوص عليه صراحة في دستور الحزب لا تكتمل مراحله النهائية إلا بعرضه على الهيئة العامة للحزب. واستطرد نورالدين قائلاً إن بعض الوزراء من أعضاء اللجنة التنفيذية قد استباحوا لأنفسهم الخروج على هذا القرار بخطبهم في المناسبات الرسمية وتصريحاتهم في الصحف والإذاعة الحكومية بما يتنافى ومضمون القرار، والدليل على ذلك أنهم نادوا بالاستقلال الانفصالي وبذلك قطعوا في أمر الروابط المشتركة التي نص عليها القرار وترك أمر البت فيها للحكومة المقبلة.
ورفض نورالدين قول أزهري في خطبة ألقاها في مدينة الجنينة بغربي السودان إن جميع السودانيين ينادون بالانفصال عن مصر. وزعم نورالدين أن أغلبية السودانيين أيدوا الفكرة الاتحادية في الانتخابات الماضية وكان من نتائج ذلك أن جاءوا بوزرائها للحكم.
وحري بالذكر أن أزهري كان قد قال في مدينة الجنينة في 26 يونيو 1955 إن السودنة ستكتمل في 31 يوليو 1955 وأن البرلمان سيجتمع في أغسطس 1955 لاتخاذ الخطوات الضرورية فيما يتعلق بجلاء القوات البريطانية والمصرية. وقال أيضاً إنه قد لاحظ حيثما ذهب أن الناس يفضلون الاستقلال الكامل. وأضاف أنه إذا كانت هذه هي رغبة الشعب السوداني بأسره، فليطمئن الجميع بأن الجمعــية التأسيســية ستــصوت لصــالح الاستقلال.
وفي حديث نشر في صحيفة «الأهرام» في 10 يوليو 1955 زعم نور الدين أن تحول أزهري وأعوانه من الاستقلال الاتصالي إلى الاستقلال الانفصالي لم يؤثر على موقف الاتحاديين في العاصمة أو في جميع أنحاء السودان، ولم يهز عقيدتهم أو ينل من إيمانهم.
نورالدين يعلن التمسك بمبدأ الاتحاد مع مصر
أعلن فريق نورالدين أن «الأغلبية الساحقة» للهيئة العامة للحزب الوطني الاتحادي اجتمعت في مساء 15 يوليو 1955 بمنزل الطيب محمد خير وأن المجتمعين اتخذوا القرارات التالية:
أولاً: التمسك بمبدأ الاتحاد بين مصر والسودان كما ورد في دستور الحزب.
ثانياً: قيام جمهورية سودانية مستقلة ذات سيادة في اتحاد مع مصر.
ثالثاً: المصالح المشتركة بين مصر والسودان كالسياسة الخارجية والسياسة المائية .. الخ ينص عليها في دستور خاص بها يقوم برعايته مجلس اتحادي أعلى نصفه من السودانيين والنصف الآخر من المصريين.
رابعاً: الدستور المشترك هو عبارة عن ميثاق وطني بين شعبي مصر والسودان لا يجوز إلغاؤه أو تعديله بواسطة الحكومات.
خامساً: تقوم لجنة فرعية من المجلس الاتحادي الأعلى برعاية المناطق المتخلفة في جميع أنحاء السودان وبخاصة المديريات الجنوبية الثلاث التي ينبغي أن تمثل في اللجنة.
سادساً: إن الحكومة القائمة قد خرقت بتصرفاتها الجو الحر المحايد، ويطالب المجتمعون بأن تسارع الحكومة بكفالة هذا الجو الحر المحايد حتى يستطيع السودانيون التعبير عن وجهات نظرهم بحرية في حدود القانون.
سابعاً: كلف المجتمعون محمد نورالدين أن يطلب إلى السكرتير العام للحزب أن يدعو الهيئة العامة إلى عقد اجتماع رسمي بدار الحزب في أم درمان مساء يوم الإثنين 17 يوليو 1955.
لم يعقد في 17 يوليو 1955 الاجتماع المذكور في البند (سابعاً) أعلاه. وسيرد لاحقاً أنه عقد في 12 أغسطس .1955
نورالدين وأنصاره يشكون حكومة الأزهري
جاء في الشكوى أن طرفي اتفاقية السودان اعترفا بالفكرتين السياسيتين اللتين ينبغي أن تدور مشيئة السودانيين على اختيار إحداهما في تقرير مصير السودان وهما: الارتباط بمصر برباط ما أو الاستقلال عن كل من مصر وبريطانيا. وجاء في الشكوى أيضاً أن قصر الاختيار على هاتين الفكرتين لم يكن وليد الصدفة، وإنما قام على الاستجابة لما نادى السودانيون به في كل مراحل كفاحهم الماضي.
وذهبت الشكوى إلى أن طرفي الاتفاقية كانا حريصين على كفالة الجو الحر المحايد الذي يتم في ظله التعبير عن وجهتي النظر السياسيتين. ولذلك نصت الاتفاقية على إجراءات تكفل إبعاد المؤثرات الداخلية والخارجية التي تحول دون تمكن السودانيين من إبداء آرائهم في حرية تامة، فقررت سودنة الوظائف التي قد تؤثر على الجو الحر المحايد، وجلاء القوات الأجنبية قبل أن تُجرى عملية تقرير المصير.
ومن منطلق أن حكومة الأزهري حكومة انتقالية وأن واجبها الأول والأخير هو تهيئة الجو الحر المحايد، اتهم نورالدين وأنصاره حكومة الأزهري بالخروج البين على روح الاتفاقية ونصوصها وخرق الجو الحر المحايد، وذلك بتمكينها للدعوة الاستقلالية وتسخيرها للأجهزة الحكومية للدعوة السافرة للاستقلال وخنق الفكرة الاتحادية، والتنكيل بدعاتها، ومصادرة كل وسائل التعبير عنها. وللتدليل على ذلك ساقت الشكوى ما يلي:
(أ) تعطيل الصحف الاتحادية مثل سحب رخصة جريدة «التلغراف» التي يحررها صالح عرابي بأمر إداري، وإيقاف رخصة مجلة «سودانيز دايجست» لعبد الوهاب زين العابدين إدارياً قبل صدورها. وأيضاً فصل رئيس تحرير وتشريد محرري وموظفي جريدة «العلم».
(ب) تسخير محطة الإذاعة السودانية والصحف الرسمية للدعوة الاستقلالية ومهاجمة الدعوة الاتحادية.
(ج) الرحلات الرسمية لرئيس الوزراء والوزراء إلى الأقاليم المختلفة لبث الدعوة الاستقلالية والترويج لها مستخدمين في ذلك سبل النقل الحكومية ومستعينين بالإدارة والشرطة في استقبالهم وحشد الجماهير للالتقاء بهم.
(د) الاستعانة برجال الإدارة في جنوب السودان لخنق الفكرة الاتحادية وبث الدعوة الاستقلالية رسمياً ومطاردة الاتحاديين.
(هـ) تضييق حرية التنقل المكفولة دستورياً في الجنوب والغرب وجبال النوبة، ومحاولة تطبيق قانون المناطق المقفلة بالنسبة للاتحاديين وحدهم.
(و) استباق تقرير المصير والحكم مقدماً على نتائجه وتثبيت الفكرة الاستقلالية بالسعي لفصل العملة.
وفي خاتمة الشكوى دعا نورالدين وأنصاره طرفي الاتفاقية وممثلهما في السودان القائم بالسلطة الدستورية فيه أي الحاكم العام اتخاذ ما يلزم من تدابير حاسمة وعاجلة لحماية الاتفاقية وصيانة الجو الحر المحايد بإيقاف المخالفات الدستورية التي ترتكبها حكومة الأزهري الانتقالية حتى يتمكن السودانيون من تقرير مصيرهم على النحو الدستوري السليم.
وقع على الشكوى 64 شخصاً: فبالإضافة إلى محمد نورالدين والطيب محمد خير وقع على الشكوى عدد من أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب الوطني الاتحادي وأعضاء الهيئة العامة للحزب وبعض أعضاء اللجان الفرعية. نذكر من هؤلاء أحمد السيد حمد، ومحيي الدين صابر، وأحمد الطيب عابدون، وعبدالوهاب زين العابدين، والهادي عابدون، ومحمد أمين حسين، وحسن دراوي، وعبدالعزيز حسن، وحامد صالح المك، ومحمد يوسف هاشم، ومحمود أنيس، والطيب مجذوب الشاعر، وأمين عكاشة محمد أحمد، ومحمد حمزة، وحسن أحمد الجرافي، وحامد المحينة، وأحمد علي بشير كمبال، وعلي أحمد هلال، وأحمد الباشاب، وحمد السيد حمد، ووقع على الشكوى من قيادات الحزب الوطني الاتحادي بالأقاليم ميرغني عقيد (عطبرة)، عبدالحليم خليفة (مدني)، حسن عتموري (كوستي)، الريح الشيخ الريح (الدويم)، الطاهر أحمد موسى (كوستي)، محيي الدين جمال أبو سيف (عطبرة)، أحمد إدريس محمد (العيلفون)، محمد الحسن التوم (الحصاحيصا). ولم يوقع عليها من أعضاء البرلمان سوى محمد محمود عضو مجلس النواب عن ريف كسلا، وعبدالمجيد حتيلة عضو مجلس الشيوخ عن مديرية كردفان.

الحكومة البريطانية تستنكر التدخل المصري
في أغسطس 1955 أبلغ رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن الوكيل الدائم لوزراء الخارجية البريطانية إيفون كيركباتريك بأنه قلق بشأن السلوك المصري فيما يتعلق بالسودان وبوجه خاص الحملة الصحفية التي كانت تشن آنذاك ضد رئيس الوزراء السوداني. وبناء على ذلك وجه كيركباتريك بأن ترسل تعليمات للسفير البريطاني في القاهرة للتحدث حول هذا الموضوع مع رئيس وزراء مصر جمال عبدالناصر.
ضُمنت التعليمات في برقية بتاريخ 13 أغسطس 1955 وقد جاء فيها: «إن المصريين يبذلون كل جهد للتدخل في السودان لإضعاف الثقة في رئيس الوزراء السوداني، وليضمنوا أن السودان سيختار حسب الرغبات المصرية. أنا منزعج لحالة الهستيريا التي أصابت المصريين وأرغب في أن تتحدث مع رئيس الوزراء المصري بشأن هذا عندما تلتقيه» .
وجاء في البرقية كذلك: «وعليك أن تخبره بأنني أراقب بانزعاج الحملة التي تشنها مصر علانية للضغط على السودانيين. إنني أتفهم تماماً اهتمام الحكومة المصرية بألا تتعرض مصالحها للخطر كنتيجة لتقرير المصير في السودان، ولكنني أجد من العسير التوفيق بين السلوك المصري والاتفاقية التي وقعناها معاً».
واشتملت الفقرة التالية من البرقية على تهديد مبطن بأن الحكومة البريطانية قد ترغم لتفعل نفس ما يقوم به المصريون في السودان للتأثير على تقرير المصير. فقد ورد فيها -والخطاب لا يزال موجهاً للسفير البريطاني: «وعليك أن تسأل رئيس الوزراء المصري عما إذا كانت مصر تتصرف وفقاً لنص وروح الاتفاقية المصرية- الإنجليزية. فإذا حاول أن يدعي بأنها تفعل ذلك، فعليك أن تسأله عما إذا كان بوسعك أن تبلغ حكومتك بأنه سوف لن يعترض إذا دخلت حكومتك في المنافسة، وأبلغت السودانيين بما ينبغي عليهم أن يفعلوه، وأطلقت بأقصى قوة حملة دعائية مدعومة بإنفاق سخي للمال؟».
وفي ختام البرقية طُلب من السفير البريطاني أن يؤكد لجمال عبدالناصر بأن الحكومة البريطانية تعتزم الالتزام بروح الاتفاقية وأنها تتوقع أن يفعل المصريون نفس الشيء، وألا يستدعوا الاتفاقية إلا عندما يناسبهم ذلك. كما عبرت الحكومة البريطانية عن استعدادها لمناقشة أي مسائل تخص السودان. غير أنها أبدت أن الطريقة التي يتصرف بها المصريون حالياً تنذر بالشؤم لمستقبل العلاقات السودانية - المصرية ولا تبعث بالثقة في نواياهم.

معركة السيطرة على الحزب الوطني الاتحادي
دعا الطيب محمد خير أعضاء الهيئة العامة للحزب الوطني الاتحادي بالعاصمة المثلثة الثابتون على مبدئهم الاتحادي والذين لم يتحولوا أو يتبدلوا إلى اجتماع يعقد في مساء يوم 12 أغسطس 1955 بمنزل محمـد نورالـدين بالخرطوم. غير أن إسماعيل الأزهري بوصفه رئيساً للحزب الوطني الاتحادي استبق ذلك الاجتماع وأصدر قراراً بفصل محمد نور الدين والطيب محمد خير من عضوية الحزب الوطني الاتحادي ابتداء من 7 أغسطس .1955 وجاء في حيثيات القرار أنهما سلكا سلوكاً يتنافى مع النظم والتقاليد الحزبية، وأن محمد نورالدين أثناء وجوده في مصر كال التهم والأراجيف جزافاً في صحافة مــصر وإذاعاتــها إلى زملائه في الحـزب حـتى بلغ حـد رميــهم بالخيانة.
ولكن عندما التأم اجتماع الهيئة الذي دعا له محمد نور الدين اعتبر قرار الأزهري بفصل محمد نورالدين والطيب محمد خير كأن لم يكن لأنه لم يتخذ بالطريق الدستوري. وبالمقابل أصدرت هيئة نور الدين قراراً بفصل إسماعيل الأزهري وأربعة من زملائه الذين خرجوا على دستور الحزب الوطني الاتحادي ومبادئه الاتحادية وقد كانوا مبارك زروق، ومحمد أحمد المرضي، ويحيى الفضلي، وخضر حمد. كما صدقت هيئة نورالدين على القرارات التي اتخذت في اجتماع 15 يوليو 1955 الذي عقد في منزل الطيب محمد خير بشأن تفسير مبدأ الاتحاد مع مصر.
ورد في صحيفة «الأهرام» أن 198 من 236 من أعضاء الهيئة العامة للحزب الوطني الاتحادي قد حضروا اجتماع الهيئة العامة الذي دعا له محمد نور الدين. ولكن في الاجتماع الذي عقده مجلس قيادة الثورة المصري ابتداء من 25 أغسطس 1955 لمناقشة ما آلت إليه مسألة اتحاد السودان مع مصر، أبلغ جمال عبدالناصر المجلس بأن صلاح سالم قد أخبره عندما اجتمع به على انفراد أن العدد الذي نشر في الصحف بشأن عدد الأعضاء الذين حضروا اجتماع الهيئة الذي دعا له محمد نورالدين لم يكن صحيحاً وأن العدد الذي حضر ذلك الاجتماع كان 89 عضواً.
أما اجتماع الهيئة العامة الذي دعا له إسماعيل الأزهري فقد عقد في 26 أغسطس 1955. أيد الاجتماع بالإجماع قرارات اللجنة التنفيذية بشأن تفسير مبدأ الاتحاد وخول للجنة التنفيذية فصل أي عضو يخرج عن هذه القرارات. كما أيد الاجتماع قرار رئيس الحزب بفصل محمد نورالدين والطيب محمد خير.
وفيما يتعلق بعدد أعضاء الهيئة العامة الذين حضروا ذلك الاجتماع، فقد أبلغ يحيى الفضلي وزير الشؤون الاجتماعية المفوض التجاري البريطاني في 27 أغسطس 1955 بأنه من العدد الكلي للهيئة العامة البالغ 300 عضو فقد حضر الاجتماع الذي دعا له أزهري 220 عضواً. وأما خضر حمد فقد ذكر أن عدد أعضاء الهيئة العامة بعد خصم عدد الأعضاء الذين تركوا الحزب مع وزراء الجبهة الوطنية والذين توفاهم الله كان 262 عضواً 20 منهم كانوا خارج العاصمة و8 اعتذروا عن الحضور لأسباب خاصة وحضر الاجتماع 174 عضواً. لذا فعلى افتراض أن كل من لم يحضر كان من أنصار نورالدين فإن عددهم سيكون 60 عضواً.
لا جدال في أن صراع السيطرة على الحزب الوطني الاتحادي قد حسم لصالح إسماعيل الأزهري وأنصاره. وفي أعقاب ذلك تركت الحزب ثلاثة من مكوناته وهي حزب الأشقاء (جناح نورالدين) وحزب الأحرار الاتحاديين وحزب وحدة وادي النيل دون أن تحدث أي أثر يذكر على قاعدة الحزب الوطني الاتحادي أو قيادته أو هيئته البرلمانية أو مجلس وزرائه. فقد كان مؤيدو محمد نور الدين قلة قليلة، وأما حزب وحدة وادي النيل وحزب الأحرار الاتحاديين فلم يكن جمهور الشعب يعرف عنهما شيئاً. ولم يترك إعفاء نورالدين أي أثر على تماسك مجلس الوزراء. إذ لم يتضامن معه بالاستقالة سوى وزير واحد هو إبراهيم المحلاوي وزير الثروة المعدنية، علل المحلاوي استقالته بعدم الانسجام بينه وبين المجلس ورئيسه لأنهم تخلوا عن مبدأ الاتحاد مع مصر الذي لا يزال يؤمن به هو، ولأنهم خرقوا الجو الحر المحايد بسفرهم إلى الأقاليم ومناصرتهم للدعوة الانفصالية. واستقال من الحكومة كذلك عقيل أحمد عقيل وكيل الوزارة للشؤون الخاصة.
إقصاء صلاح سالم
لقد راهن صلاح سالم وزير الارشاد القومي والدولة لشؤون السودان ومستشاروه من المصريين والسودانيين على محمد نورالدين فآزروه، واستخدموا المال بسخاء لاجتذاب مؤيدين لخيار الارتباط مع مصر. غير أنهم خسروا الرهان وألحقوا بسمعة مصر في السودان ضرراً بليغاً. وكانت خسارة صلاح سالم مزدوجة فقد خسر أيضاً موقعه في الحكومة المصرية. ففي 31 أغسطس 1955 صـدر بـلاغ من مجلـس قيـادة الثورة بقبول استقالة صلاح سالم، ولم يذكر البلاغ أسباب الاستقالة، ولكن كان واضحاً من ملابساتها أن السبب كان هو الفشل الذريع الذي منيت به سياسته في السودان. ففي اجتماع مجلس قيادة الثورة الذي سبقت الاشارة إليه والذي عقد في 25 أغسطس 1955 بناء على طلب صلاح سالم لمناقشة موقف مصر من الاتحاد مع السودان، استمع المجلس إلى إفادات من صالح حرب وزير الحربية الأسبق ومحمد خليل إبراهيم مفتش عام الري المصري بالسودان وحسين ذو الفقار صبري عضو لجنة الحاكم العام وعبدالفتاح حسن والصحفي بجريدة الجمهورية أحمد قاسم جودة الذي كان قد عاد لتوه من السودان. وقد اتفقوا جميعاً على أنه لم يعد هناك أي أمل لتحقيق الاتحاد وأن قيام مصر برشوة عدد كبير من السودانيين قد أضر بسمعة مصر في السودان وأثار الشكوك حول أي سوداني يدعو للاتحاد مع مصر. كما أن نورالدين الذي تعتمد عليه مصر ضعيف، والملتفون حوله قلة لا تذكر.
بعد قبول استقالة صلاح سالم، اتفق أعضاء مجلس قيادة الثورة على أن يتولى جمال عبدالناصر ملف السودان. وطلب عبدالناصر أن يعاونه في ذلك أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، واختار هو بنفسه زكريا محيي الدين وزير الداخلية بحجة أن لديه في المخابرات العامة جهازاً خاصاً بالسودان.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1005

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#877300 [salah El hassan]
1.00/5 (1 صوت)

01-05-2014 12:57 PM
لك الشكر والتحية يا د.فيصل بكل اسف هنالك الكثيرين من افراد الشعب السودانى وخاصة الأجيال الجديدة فئة الشباب تجهل الكثير عن تاريخ السودان والمكائد المصرية الكثيرة التى صاحبت هذه الفترة من معركة الأستقلال .
وللحقيقة والتاريخ ما ذالت مصر تتعامل مع السودان بأسلوب الأستخبارات فتساهم بأجهاض الحكم الديمقراضى دايما بأثارة الكثير من المشاكل الداخلية ..


د. فيصل عبد الرحمن علي طه
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة