المقالات
السياسة
قادة الحكم والعفوية في قراءة وتقدير المخاطر
قادة الحكم والعفوية في قراءة وتقدير المخاطر
01-05-2014 04:56 PM


صدقا هي عفوية ليس قاصرة على قادة الحكم وحدهم وإن كانت هي الأوجع لنتائجها الكارثية ، بل ظاهرة يعاني منها جل أفراد المجتمع على اختلاف مؤهلاتهم التعليمية عندما يتعلق الأمر بعلاقتهم تجاه الآخرين ، سواء كانت العلاقة ذات طابع اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي ، مخيلتنا الثقافية تختزن أنماطا متعددة من أساليب التثبيط نحقن بها القدرة المبصرة لأذهاننا فتبدو تصرفاتنا لا مبالية بالعواقب المستقبلية ولا مقدرة لقوتها التدميرية ، مقولات عفوية نحاول أن نستصغر بها خطورة الحدث كقولنا ( بسيطة ما تشيل هم ) ( يازول سيبك ما توجع راسك ساكت ) ( ياخي براك عامل للموضوع راس وقعر) وهكذا.حتى يجد الفرد العادي نفسه يلتقط العلب الفارغة من مكب النفايات وغير العادي أي المسئول وقد ركبه الخازوق .
المعلوم أن قراءة وتحليل وتقييم وإدارة المخاطر Risk Management أصبح من أهم علوم عصر العولمة وإحدى الفروع الرئيسة في الدراسات الاستراتيجية ، وعلى الرغم من أن تحليل وإدارة المخاطر برعت في إتقان تطبيقاته بيوت وشركات توظيف الأموال غير أنها أضحت أيضا ضرورية في العلوم الإنسانية سياسية كانت أم اجتماعية ، فضلا عن أهميتها لدي الدارسين في العلوم العسكرية والأمنية .
المخاطر هي العمليات التي يترتب عنها حدث ضار ، ولتقديرها يتعين استعراض كافة احتمالات وقوع الحدث ونتائجه ومن ثم اتخاذ كافة وسائل الحيطة والتأمين اللازمين لمنع نتائجه السالبة أو التقليل من خطورتها .
أحيان كثيرة أجد نفسي في حيرة بشأن مواقف وقرارات قيادات الدولة التي تبدو غير مبالية بمحيطها الداخلي والخارجي ، وكثيرا ما أتساءل أحقا لم تستوعب تلك القيادات بعد المخاطر التي تحيط بالبلاد احاطة السوار بالمعصم ؟
ألا ترى وتسمع بالأحداث الجسام والتفلت الأمني و الصراعات الدامية التي تقود بعضها الشعوب وبعضها تنظيمات مسلحة ضد أنظمة حكمها في محيطنا الإقليمي ؟
ألا ترى حالة الفوضى القاتلة التي تعيشها الشعوب من حولنا؟
فإن كانت ترى وتسمع لماذا إذن تستصغر وتستتفه المواقف العقلانية التي تعالج بها المعارضة سلمية كانت أم غير سلمية خلافاتها معها ؟
لماذا تبدو عابثة بمواقف المعارضين لسياساتها وغير عابئة بمقترحاتهم ورؤاهم التي يبثونها سرا وجهرا ، وكأنها وحدها التي ملكت خاتما سحريا لحل معضلات الوطن ألا تدرك بأنها بمنهجها اللامبالي هذا تدفع خصومها الصابرين ومعهم هذا الشعب الذي طحنته الأماني واكفهرت الدنيا أمام ناظريه ليكسر قيد صبره ويهزم احتماله ويوقدها نارا لا تبقي ولا تذر لواحة لكل من يستهتر بإرادة الشعوب وقدرتها على الفعل ؟
أشك في أن قادتنا يقرؤون تلك المخاطر بروح جادة ، أو ربما هناك من يصرفهم عنها عامدا ، فلو كانت لهم جدية لما توانوا لحظة واحدة عن التقاط النداء المتكرر من قبل معارضيها وغير معارضيها ومن عامة الشعب ، أن تعالي لنتوافق على آلية انتقالية تجمع شملنا ونؤسس بها لمرحلة ديموقراطية تجب عورات ما سبق ، وتجبر أضرار المتضررين .
العلة لم تكن يوما مصدرها الأشخاص بل نظام الحكم القائم على رؤية التنظيم الواحد وسياساته ، حتما لن تكون الانتخابات الرئاسية القادمة سواء أن تقدم لها البشير أو غيره حلا للمعضلات التي يعاني منها الوطن ، لقد بحت الأصوات من داخل تنظيم الحزب الحاكم ومن خارجة وهي تنادي بجمع الصف الوطني ، بل نسمع هؤلاء القادة أنفسهم ينادون بجمع الصف ولا أدري على أي رؤية يريدون الآخرين أن يجتمعوا إليهم ؟
هل يريدونهم أن يلتزموا الصمت طائعين باصمين على سياساتهم التي يطبخونها داخل أروقة تنظميهم على انفراد ؟
هل جمع الصف في مفهومهم يعني بذل الطاعة والإستكانة إليهم فحسب؟ أم تراهم يريدون أن تظل المعارضة من خارج صندوق الدولة كما هو حالها الآن في سابقة غير معهودة وتشويه ظاهر لنظم الديموقراطيات التعددية؟
اعتقد ألآن لازالت الفرصة مواتية أمام قادة الحكم لاتخاذ قرارات صعبة وتقديم تنازلات كبرى تقودنا لمصالحة وطنية تحد من احتمالات الانتقال لمرحلة حرب الشوارع بين مكوناتنا الاجتماعية كما هو حال العديد من الأنظمة الحاكمة في محيطنا الإقليمي ، لقد آن الأوان لكي يرفع قادة الحكم رؤوسهم عن ملفات وتقارير الأمن الداخلي المحدودة ، التي درجت على قراءة وتقدير المخاطر من خلال موازين القوة المادية ، صحيح قد تكون لتقديراتهم نتائج وقتية في صالح الحكام من ناحية ، غير أنها تراكم من ناحية أخرى موجات الغضب بين المحكومين فتنفجر على حين غرة .
ساحات الشعوب تعتمل بنزاعات دامية إلي جوارنا ، وبرهن الشعب السوداني على وعيه المتقدم حتى الآن بصبره واحتماله ، كما برهنت المعارضة السياسية عن تقديرها للمصلحة العليا ، ولعل الجبهة الثورية على الرغم من خيارها العسكري فهي لا زالت تتحرك بطريقة محدودة تبدو الغاية منها لفت الانتباه أكثر من إرادة المواجهة الشاملة ، كل ذلك يفرض على قادة الحكم الاعتراف لمعارضيها وللشعب السوداني بالعقلانية في إدارة الصراع ، ولا يكون ذلك إلا بانتهاج خطوة شجاعة عملية بالإعلان عن تشكيل حكومة انتقالية تعنى بالدعوة لمؤتمر دستوري جامع تلتزم بقراراته وتنفذها ، ذاك وحده الحل ، وتلك وحدها القراءة السليمة للمخاطرالتي تحيط بوجودنا .
والله من وراء القصد.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 677

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#877488 [mohmd]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2014 05:22 PM
أخي الكريم،محمد علي، تري هل كان زين العابدين بن علي يعلم وهو يقول:(الآن فهمت)؟! وهل كان القذافي يعلم وهو يقول:(من أنتم)؟! وهل كان مبارك وابنه يعلمون حين سخروا من ثورة الشباب علي المواقع الالكترونية؟! وهل كان صالح يعلم حين قال:(فاتكم القطار)؟! وهل وهل؟؟ نعم انهم لايعلمون! وسيعلمون قريبا ان شاء الله. لك الود والاحترام.


محمد علي طه الملك
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة