المقالات
السياسة
تغريبة دار الريح- رواية جديدة في حلقات (1)
تغريبة دار الريح- رواية جديدة في حلقات (1)
01-08-2014 08:09 AM

تغريبة دار الرِّيح /رواية

1
"أشعر بحضور طاغ لصانع الفخار والخزين ومنصورة!"
قالت (ست البنات)، فيما (جادين جانو)، من خلف نافذة غرفته، المطلة على مقرن النيلين، يتحسس بأنفه رائحة الأنداء الليلية، التي يحملها النيل. رأى في عرّيها شلال الورد، الذي ظل يتوق إليه. فمضى ينضو عنها ثيابها قطعة قطعة، وحزن الفقد والشهوة، يمتزجان في قسماته، فيضج كيانه كله برغبته فيها.. كانا كشجرة جهنمية حمراء، في مهب رِّياح البلدة القديمة المباغتة ومطرها المفاجيء!.. كانا خليطا من التوق والألم، والأحزان المتوهجة في الحنين الغامض!
ألقى جادين جانو نظرة آخيرة على قبر أمه، التي كانت قد غادرت الحياة قبل أشهر قليلة، من مقتل صانع الفخار. وضع على القبر حزمة، من أزهار صباح الخير، وورد الجهنمية الملوّن، ومضى في الدرب الأسود الطويل، الذي يفصل مقابر (ود أمجبو) عن السوق الصغير الورا، الذي تناثرت على فجواته، أضواء منعكسة من النجوم البعيدة، وهي تلامس أرض البلدة المبتلة، بالمياه الراكدة والدموع!
لم يكن على جانبي الدرب سوى الظلام الكثيف، الممتد إلى ما لا نهاية، والمطر الكاذب يراوغ في الهطول، على بيوت الجالوص الواطئة، للبلدة، التي بدت طرقاتها: مهجورة، منسية، ساهمة، تحدق في اللانهاية.. راغبة عن الحكايات الغارقة في عتمتها، والتي كانت لا تفتأ تطفو بشكل مفاجيء، كأنها حدثت ليلة البارحة، فتخرج طيوفها المدفونة كل الأسرار الحبيسة ، وتنثرها في طرقات البلدة ودروبها.. تنثرها في الأمكنة التي تشكلها، بمقابرها وبيوتها وسوقها ونيلها.
كان الوقت متأخرا، وأزقة البلدة ساكنة سكون الموتى. حتى الكلاب التي لم تكن تكف عن النباح، كانت صامتة صمت القبور، وأبواب البيوت مغلقة، وليس ثمة مصابيح، على الأعمدة المنصوبة في الطرقات. العتمة تلف كل شيء! والسحب قد غطت القمر، بستار كثيف من الغيوم الداكنة، والمطر لا يزال يتردد في الهطول!
تابع جادين خطواته المتئدة، لا يأبه بخطى يتوهمها، تمضي خلفه! ومع إبتعاد خطواته، عن المقابر. كان الإحساس بحزن الفقد، بقدر ما يتبدد شيئا فشيئا، يتعمق أكثر فأكثر! فوالدته التي بعد رحيل والده في طفولته الباكرة، والتي كانت تربطه بها علاقة قوِّية ومعقدة، والتي لم تكن تملك من الدنيا سواه، وبضع دجاجات وعدد من أزواج الحمام.. كانت تستثمرهم وتبيع إنتاجهم، لتجار الطيور والنفساوات والمختونات، إلى جانب عملها في بيع كل ما هو فارغ: زجاجات، جوالات الخيش والبلاستيك، الكراتين، الباغات، الثياب القديمة، إلخ...
وفي أيام الجُمع، كانت تفرش الخضروات والمحافض والمشلعيبات، والطباقة والرِّيكات وقواطين القطن، في السوق الصغير وراء مقابر ود أمجبو. كما كانت تخدم في بيوت الموسرين، من أهالي البلدة القديمة، أحيانا.. بهذه الطريقة القاسية، نشأ جادين جانو وترعرع، دون أن يشعر بفقد الأب. وتمكن من إكمال تعليمه، فقد ملأت والدته كل الفراغات التي تنشأ عن غياب الأب.
كانت النجوم قد إختفت، وقد رسمت الصواعق والبروق الكاذبة، خطوطا متكسرة، على صفحة سماء البلدة القديمة. وقد خطر له خاطر أن يقصد دار ست البنات. فمضى بخطى مترنحة، تدفعه رغبة النسيان والسباحة بين ضفتي الرعشة والإغماء!..
وفي الطريق الوعر، المترب .. المفضي إلى الطرف الآخر من البلدة القديمة، بدى كل شيء في الظلمة، كصدى خافت. أو شبح لكائن خرافي، يتخلل الصمت الرهيب، مصدرا أصواتا سرية لا حصر لها، مع الحركة الخفيفة للإحتكاك الناعم، لأوراق أشجار (دقن الباشا) في حفيفها المتلاشي.
تبعثرت خطى جادين في تحفز بطيء، وهو يقترب من دار ست البنات، وتملكته رهبة الإغراء الخفي، الذي يحفز على الإختراق الرهيب لمجاهيل مظلمة. فشعر بعذاب لا حد له، وقد تصبب جسمه بالعرق المالح، الذي فاح برائحة عرقي البلح السوبر.. كان لحظتها كمن يقف على ذروة جبل عال على وشك السقوط!
ومثل كل مرة، تسلق سور الحوش. مد رأسه، وطوح بحصاة صغيرة، على ست البنات، الراقدة تغالب نعاسا دفينا. رفعت رأسها وقامت تتسحب من سريرها مقبلة، والسحب قد إنزاحت لتتيح للقمر، إلقاء نظرة على حسنها البديع!
ومضيا تجاه منزله. كان يشعر أن كل شيء حولهما يتحرك بقوة السماء، التي إنقشعت غيومها، وكفت بروقها عن اللمعان.. القمر والنجوم ولسعة البرد، التي عبرت كل أطراف الكون، لتحط عليهما في تلك اللحظة، لتحفز فيهما دفئا خفيا، يزرع فيهما نوعا من الثقة والتحدي. اللذان يدفعان بجسديهما وروحيهما للتفجر، وبعقليهما ووجدانيهما، للحفر عميقا في ذاكرة المكان/ الحب والمواجد، من أعماق القلب والرّوح.
كانت ست البنات بشعرها القصير، وأقراط الخرز الرهيفة، التي تلمع على شحمتي أذنيها، وعنقها البديع، ونهديها اللذان ككرتين متحفزتين، وفستانها الحاسر الملمومة ذوؤابتيه حول خصرها، وفخذاها الدائريان.. كانت بكل شيء فيها، تكشف عن فتنة طاغية تهد أعتى الحصون.
وهما يعبران دروب البلدة القديمة، كانا يشعران بالأحاسيس اللذيذة، التي عبرت عليها عبر آلاف السنوات! إنحنت ست البنات لترتب الفوضى. شمرّت عن ردفيها الكارثيين، تسوّي حذائها، وفستانها يرتفع أكثر فأكثر، عن اجمل ردفين في الكون، و أجمل فخذين مجنونين! أجمل.. في ملتقى النهرين.. هناك حيث المقرن!.. وهو كحيوان ضار يبحث عن فريسته، تصطرع داخله، كل حرق غابات الصعيد ودار الريح، وهدير كل وديان البلاد الكبيرة وأنهرها.. دون أن تستطيل الصحراء، والجراد والجفاف والتصحر واللبلاب البشري.. دون أن يباغته صانع الفخار والخزين، بالهواجس والظنون والأحلام، المتداخلة في الحقائق والأوهام!
دخلا غرفته، فوقفت قبالة النافذة، تنظر إلى مقرن النيلين.. ومن حيث تتلألأ أنوار مراكب صيد السمك الشراعية الصغيرة، في شهوات الصيادين، إقترب جادين.. جادين المتمترس خلف طبقات من الجدر، تقاوم الحفر. وتنتصب بقوة ضد الإنهيار.. يحفر فيها النيل بمويجاته متجشئة الزبد شيئا فشيئا، فتتهاوى جدارا إثر جدار! ليبقى فقط الحنين، الذي يتشرب قلبيهما كقطعة الإسفنج! ورائحة الأنداء التي يحملها النيل والليل!
سحبها قبالة مصباح الجاز، فتوهج فستانها بالخرز والترتر الملوّن، لافا جسمها في الضوء المرتخي، الذي يمتزج فيه الظل بالهمس، فيما تنحسر ذوؤابات الفستان إلى الأعلا قليلا، بين ساقيها الممتلئين. حدق في عينيها على ضوء النور الخفيف، المنبعث من لمبة الجاز، فالتمعت عيناها بإبتسامة واهنة، إبتلعت كل ما يمكن أن يقال من كلام!
لبث مترددا بضع ثوان، في صراع داخلي قصير الأمد، حسمه بأن طوقها بزراعيه، وشدها إلى صدره. أمال رأسه والصق وجهه بشعرها. رفعت رأسها وباتت شفتاها، أقرب من حبل الوريد!
وعلى نحو مباغت حاولت التملص من زراعيه، وهو يجاهد إفلاتها. إذ شعرت على نحو مفاجيء، أن شبح صانع الفخار والخزين ومنصورة وهي تحترق، حاضرا حولهما الآن بقوة وكثافة غير معتادة!
لا يزال يذكر حين رآها بفستانها القصير، في المرة الأولى، التي زار فيها حلقة الخزين: صبية جميلة ذات عينين واسعتين، وخدان كأوراق الورد، وثغر منمنم دقيق. إلتقاها نازحة في فترة رهيبة، ظلت فيها الحرب البشعة، تشتت العائلات، وتحرمها أوطانها ومساكنها. إنطفأت نوافذ البيوت ومواقدها، وترصد الموت ملايين الأهالي! ومنذها أخذا في الأمسيات الرائقة يذهبان معا إلى المقرن للتنزه، وعندما يكون الطقس باردا أو ممطرا، يعتزلان في غرفته، في داره المطلة على المقرن.
ظلا لأشهر عدة ينتظران اللحظة، التي تتشابك فيها، أصابع يديهما عفويا.. لا إراديا، كما يتعمد كل العشاق! لكنهما ظلا دائما هادئين وهائمين، كأن كلاهما ينتظر من الآخر، الإقدام على الخطوة الأولى.
تمكنت ست البنات من الإفلات من بين زراعيه.. لملمت ثيابها، وولت هاربة، تغادر الدار كالمجنونة. خرج جادين خلفها، لكنها كانت قد إختفت! كأن لم يكن لها وجود!.. كان غاضبا. وفي فورة غضبه، حطم عددا كبيرا من أقفاص الحمام، التي خلفتها له والدته. وقتل بعض الفروخ، ومزق رسائل الحب، التي إعتاد كتابتها لست البنات، دون أن يجرؤ على إعطائها لها، وشرب كل عرق البلح، الذي كان يخبئه تحت سريره. فسكر أكبر سكرة في تاريخ حياته، حتى أنه فيما بعد لم يتذكر أي شيء، من أحداث ووقائع تلك الليلة. فكل ما يتذكره، هو أنه كان يجرجر قدميه في رمال متحركة.. كان كالواقع في فخ محكم نسجه صانع الفخار والخزين ومنصورة!
لم يفق إلا بعد أن شوّت شمس ظهيرة اليوم التالي، جسمه الملقى بإهمال، في حوش بيت الجالوص الصغير، المقابل لمقرن النيلين بمواجهة الكنيسة العتيقة. كان كل شيء وقتها يغرق في عالم لا حدود لتقلباته، في التحولات التي تجري في كل شبر من البلاد الكبيرة، وتزرع إضطرابا مرعبا في كل خلية من خلاياه!
بعد أن أعياه النظر خلال النافذة، رأى فيما يرى النائم: صانع الفخار والخزين، جالسان في رواق مهيب، له رهبة وطابع محفل مقدس، وقد فردا أمامهما عددا كبيرا، من المخطوطات الجلدية العتيقة، ومنحوتات الصخر والفخار، التي حفرت عليها نقوش غامضة. فأفاق وقد تبددت سكرته كلية! مخلفة وراءها صداعا رهيبا..
نظر إلى وجهه في المرآة، وللمرة الأولى ينتبه للحيته المشعثة، وعينيه المتعبتين، اللتان لا تزالان غارقتان، في كنه تلك المخطوطات. وقد تآكله القلق حتى مطلع قمر البلدة الشاحبة. منذها قرر جادين هجر ست البنات وإعتزال العالم، والإنكباب على مدونات ومخطوطات صانع الفخار.
إذ كان يشعر بنفسه كألعوبة، بين براثن ذكريات صانع الفخار والخزين، التي تشتد في ذهنه بريقا وغموضا، كلما مرّ عليها الوقت!.. أشهر عديدة مرّت، وهو يتعقب هذه الذكريات، في الرسائل والمدونات، التي أعطته إياها (منصورة) مع رسالة قصيرة من الخزين، ترشده للمزيد المخبأ عند (تام زين)، في تلك البلدة التي تنأى عن البلدة القديمة، مسيرة ثلاثة أيام، كما أوضحت الخريطة الكروكية، المرفقة مع رسالة الخزين، التي أعطتها إياه منصورة، قبيل إعتقالها بليلة واحدة.
بعد أن حمل من تلك البلدة، كل ما خلفه الخزين وصانع الفخار، من صناديق وكراتين. وأفرغ محتويات (السحارة) القديمة -هي الأخرى- في كراتين وعاد إلى البلدة، شرب كثيرا من عرق البلح، حتى لم يعد قادرا على تمييز شيء. إذ إندفع رأسه إندفاعا آليا، وأنتفضت يده وهي تمسك بآخر كأس عرق، وإنتشرت أصابعه المعروقة، لتقبض على الكأس بشدة، ثم سقط حيث هو، في نوم عميق..
سقط على المخطوطات المبعثرة، دونما تنسيق أو نظام. على أرض الغرفة المتربة. غرق في نوم عميق.. وقد تهدلت شفتاه اللتان، تخللهما لعاب جاف! وبقايا من زبد ناصع البياض كالدقيق! أفاق فجر اليوم التالي، والمخطوطات والرسائل والمدونات، قد تكدست تحته!
هو الآن، جادين جانو، الذي يحاول فض مغاليقها، ليكشف عن حياة وأسرار البلاد الكبيرة، فلا يعثر سوى على الذكريات والطيوف، في ركام التدوينات. التي خطها صانع الفخار، والهوامش والشروحات، التي وضعها الخزين بقلمه البوص المغموس في (عمار) الفقرا!
عالم صانع الفخار والخزين، شيد سورا مانعا حول جادين، فأصبح كالمعزول عن مشاعر وأحاسيس الناس حوله، بل حتى مشاعره تجاه (ست البنات) التي كان قد بدأ يصيبها نوع غير مألوف من القنوط!.. أصبح في معزل عن الإنفعالات والعواطف، في لحظات الضعف والقوة.. كان أشبه بكيان ضائع، في عالم بلا ملامح محددة، في منتصف ليل البشرية، وبحر بؤسها اللعين!
البحث في عالم صانع الفخار والخزين، الذي يتبدى في الذكريات وعنها، أشبه بالبحث في وجه مألوف، وسط ركام من الأقنعة المتشابهة.. كأن الأمر، كالذهاب إلى كل الأمكنة غير المهمة، وإغفال المكان الوحيد الذي يتوجب البحث فيه: المكان/ الذاكرة.. حيث الدمل العميق، خلف كل ما دونه صانعي الفخار.. الدمل الصديدي، المؤذي.. في أعماق تاريخ البلاد الكبيرة، الذي عملت فيه تدويناتهم ومنحوتاتهم، عمل المبضع في يد الجراح. ومع ذلك أراحهم تفجير الصديد، فيما الدمل المسموم، ظل مفتوحا على مصراعيه، يجتذب داخله، كل جراحات أهالي البلاد الكبيرة، كثقب أسود كبير ينعدم فيه الإحساس بالزمان والمكان، وتتشكل فيه مصائرهم وأقدارهم، ومأساتهم الكونية!
منذ دخل عالم صانع الفخار والخزين، أخذت تنضاف في كل يوم يمر، وقائع وأحداث جديدة. تتبدى عن تشرخات وتصدعات ذاكرة البلدة، التي يتعمق فيها الكيان الواسع، للبلاد الكبيرة، التي صارت فيها الشبكة التي طرفاها الخزين وصانع الفخار، تصطاد داخلها أوهام عالم مهتز، قلق، مضطرب، زلق وفي إنحدار مستمر!.. عالم هو عالم البلاد الكبيرة، التي هي وحدها، لا شبيه لها بين البلدان!
تدوينات صانع الفخار وهوامش الخزين حولها، كانتا كبركان خامد، غسلته الدموع، وفتحته على أسرار سجن قديم، بلا أبواب أو نوافذ. حيث يعاني سجناءه، أسى إختلاط الأحلام والكوابيس، بالأوهام والحقائق، التي تتبدى في التنقيب عن الحزن، الدفين للبلدة الهشة.. المهمشة والمهشمة!
حزن البلدة القديمة بدأ مع النبوءات.. نبوءة (المنقذ- المنتظر) الذي سيملأ الأرض عدلا، بعد أن ملئت جورا.. توهم الكثيرون أنهم هذا المنتظر وباعوا للناس الأوهام، فأصبحوا يشربون ماء وضوءهم للعلاج وطول العمر!.. ويقطعون لهم الأخشاب مجانا لتصدر إلى لانكشير، مقابل الحصول على ظل في جنة عدن!.. يرعون لأنفسهم أشجار النيم وويزرعون للأنبياء المزعومين الخضروات والأشجار المثمرة، مقابل قاكهة الجنة الموعودة! وبينما تمتليء خزائن هؤلاء الأنبياء الأدعياء، كان الفقر والجهل والمرض، يتآكل هؤلاء البسطاء الذين وعدوا بالجنة!...
يعلق الخزين:
"البلاد الكبيرة أكبر مصنع لإنتاج المهووسين ورجال الدين المحتالين والمنحرفين!"
فيضحك ود التويم وهو يقول وقد تناثر البصاق الجاف على شدقيه:
"ما لا أفهمه كيف للأنبياء أو رجال الدين أن يكونوا تجار رقيق أو متواطئين مع تجارة الرقيق؟ موش حاجة غريبة؟!"
"الغريب هو أن ليس هناك شيء غريب في البلاد الكبيرة!"
تجرع الخزين كأس المريسة ولم يزد حرفا!
2
كان المطر يهمي.. حملوه بسواعدهم السمراء النحيلة، التي أطلت منها آلاف العروق النافرة.. مزيج من رائحة الليمون والنعناع والرّيحان البّري، كانت تفوح من جسمه العاري.. المعفر برماد ثيابه المحترقة. بدى كأن لم تمسسه نار! كأن لم يحترق!.. وعينيه اللتين كانتا ككرتين من زجاج شفاف، تتحرك خلفه آلاف الحكايا، كانتا حيتان.. تحدقان في اللانهاية. لم يغسلوه فقد غسلته النّار. قال ود التويم:
"لم يحترق. كان بإمكانه أن لا يموت إذن!"
فرد عليه حمد الأعرج:
"لقد قرر.. إختار خاتمته!"
وهم يهيلون عليه التراب اللزج، ويسوون قبره بالكوريك، بهوادة وحرص.. كانوا كأنهم يخشون إستيقاظه من سباته العميق، إذ بدى كالمستغرق في النوم، فيما بدت ريح غريبة تشتد وتضعف، تهب متهالكة حينا، وحينا قوِّية، تعبث بأزهار الجهنمية وأشجار دقن الباشا والنيم، وتطيح بزهرة عباد الشمس وعشبة صباح الخير، فتذبل كل النباتات.. وتتقشر جدر البيوت في الحال!
مثل مقتله عبئا جديدا لهم.. هم الذين لم يفهموا البلاد الكبيرة جيدا، إذ يفهمونها الآن، كأنهم يقفون على حافة هاوية مخيفة، يطلون منها، فلا يرون سوى أنفسهم!
لسوف يحملون هذا العبء إلى الأبد.. مات صانع الفخار الحفيد.. مات.. تركهم وحدهم وراح.. لم يترك لهم سوى ولولتهم على أنفسهم، وحزنهم الذي تحمله كل الوجوه الملتفة حول قبره،كوجه واحد!
سلالة صانع الفخار عريقة موغلة القدم. وجدت على هذه الأرض، ولم تأت من خارجها. كان صانع الفخار الحفيد هو الوحيد من بين أفراد هذه السلالة العريقة، الذي لم يكن له خلف، يحمل إسمه من بعده، لذا كان الأهالي مدفوعين، بإحساس ما تعرضوا له من ظلم وجور، قد أشاعوا أنه سيبعث حيا فهو (المختار) و(المهدي المنتظر) و (المنقذ من الضلال).. الذي سيملأ الأرض عدلا، بعد أن ملئت جورا. وأن بعثه لا محالة قائما، وستكون عودته كالرِّيح السموم.. قوِّية.. كاسحة.. لا يمكن (للثلاثة الكبار والحاكم العام).. هؤلاء الذين يمثلون (المسيخ الدجال) ردها أو الوقوف بوجهها. وبالفعل في الشهور التالية، أكد الكثيرون رؤيته، يتجول ليلا في دروب البلدة وطرقاتها!
كان آل صانعي الفخار، قد إنزرعوا عبر تاريخ البلدة القديمة، كالنباتات الجذرية. ظلوا يتنازعهم قلق الترحال وحنينه، إلى أماكن غير معلومة! يغيبون سنينا عددا، حتى يظن الناس أنهم ماتوا، أو قتلوا ولم يعد لهم وجود.. بل يتناساهم أو ينساهم حتى الأصدقاء والأحباب، بينما هم في الأماكن، التي يترحلون فيها، يظل يتنازعهم حنين العودة إلى البلدة القديمة، لإنجاز قضيتهم الغامضة! التي حملوها على عاتقهم، عبر آلاف الأجيال. وكان أهالي البلدة القديمة، يحكون عنهم وعن بطولاتهم، وكيف ظلوا يقاومون الغزاة والمحتلين والمستوطنين، والكيفية البشعة، التي قتل بها بعضهم، في عهود الإستعمار الأجنبي والمحلي.
وكانوا لا يزالون يتذكرون تلك اللحظة، التي إمتلأ فيها وجه صانع الفخار الأب بالفرح والقابلة تبشره بالمولود الوحيد: (صانع الفخار الإبن)! الذي حبلت به أمه في ظروف غاية في السرِّية! فلم يتسرب أمر حملها خارج الدار على الإطلاق، خصوصا أنها ككل نساء صانعي الفخار، لم تنتفخ بطنها منذ حبلت، إلى أن وضعت حملها!..
وفيما هي تشيد الأسوار تلو الأسوار لحماية حملها! كان صانع الفخار الأب، يتلفت حوله وقد أضناه إنتظار هذه اللحظة، بعد الإجهاضات المتكررة، التي كانت تحدث لزوجته. فهي وككل آل صانعي الفخار، عبر القرون، تجهض نساؤهم الأجنة في الشهر الثالث للحمل، لأسباب ظلت مجهولة، فلا ينجو سوى جنين واحد، يصبح هو صانع الفخار (المختار) الذي على عاتقه، مواصلة مسيرة الأسلاف!
قبل أن يتلقى صانع الفخار الأب، خبر ميلاد الطفل بنجاح، كان يجلس وحيدا في قلب الدار، تحت ضوء القمر، وأمام عينيه تمر حياته وحياة كل أسلافه، الذين شكلت طيوفهم حضورا كثيفا في الدار، في تلك الليلة!.. جميعهم كانوا ينتظرون معه بشارة القابلة..
وعبر طيوفهم تمر الأيام والليالي الغائرة في التاريخ، وكل الذكريات التي خلفتها العصور.. و.. وبشرته القابلة، ثم دخل على زوجته.. كانت خائفة، متعبة، تبكي فرحا، وهي تتطلع إلى صغيرها الوليد، الذي غاب عن الوعي لثلاث أيام بلياليها، حتى ظن الجميع أنه سيلتحق بأشقاءه، الذين لم يروا النور! لكن ظلت قدماه تحفران على الفراش بقوة، ليست قوة طفل في عمره، حتى أن القابلة، لم تتمكن من تحديد نوعه ذكرا كان أم أنثى!..
وفي الليلة الثالثة إضطرت القابلة، إلى ضربه على مؤخرته عدة مرات، حتى صرخ، وأخذ يتمتم بكلمات غامضة، تبين فيها صانع الفخار الأب فيما بعد، لغة البلاد الكبيرة الضائعة المجهولة، التي ظلت مفقودة منذ آلاف السنوات! والتي لا يمكن لأحد تقليدها، وكما تقول النبؤة المتوارثة: أن صانع الفخار الحفيد، بعد عشرات السنوات، سيتعلمها من صانع الفخار الإبن، وينشرها في كل البلاد الكبيرة، فتوحدها وتزرع فيها المحبة والسلام!
ولد صانع الفخار الإبن ككل صانعي الفخار، بعد ستة أشهر وستة أيام من حبل أمه به، في يوم ككل أيام أواخر الخريف في البلاد الكبيرة، ذات أمسية باردة، أطفأت حرارة شمس ذلك اليوم الغائظ، الذي كان بخاره لا يزال يتسرب مع رطوبة الجو.. كان يوما غائظا، دفع بأهالي البلدة، للإنتشار بعناقريب القِّد والهباب، تحت ظلال النيم. في تلك الأمسية، التي إنسلخ فيها القمر من وراء السحب الداكنة، في اللحظة نفسها، التي قالت فيها القابلة، بعد ثلاثة أيام وهي تقهقه بفرح طفولي:
"عفريت صغير.. ولد"
حمل صانع الفخار الأب الوليد بين زراعيه، وأخذ يقبله، وهو يهمهم بكلمات يفهمانها وحدهما. وقتها كان الحاكم العام، الذي جاء إلى السلطة بإنقلاب على حكومة الإستقلال من الإستعمار الأجنبي، إستجابة لنبؤة (عراب حزب الحقيقة المطلقة -العرّاف) الذي أقنعه:
"أنه الزمان، الذي سيولد فيه من ينازعك حكم البلاد الكبيرة"
وبناء على هذه النبؤة، اطلق الحاكم العام عسسه بحثا عن المواليد الذكور الجدد، الذين كان العسس ينتزعونهم من أهلهم، ليقتلهم الحاكم العام بنفسه،بدم بارد. ثم يدفن جثثهم في الباحة الخلفية لقصره، حيث يزرع نبتة البنقو الشقية، التي تتغذى على تحلل أجسادهم الصغيرة!
إستمر الجميع على إختلافهم، حول السنة التي ولد فيها صانع الفخار الإبن. فبينما يزعم البعض، أن ذلك حدث في السنة السابعة للمجاعة، التي باع فيها الحاكم العام، بني شنقول وأرضهم للنجاشي، والتي تلتها سبع سنوات من الخير الوفير، بدأت بميلاد صانع الفخار الإبن -ولأن آل صانعي الفخار، لا يتقدمون في العمر، إذ يتوقف بهم الزمن عند سن الأربعين، بينما يكون أقرانهم قد أكلت السنون أجسادهم، وقد نهشتهم الهموم وأمراض الكبر! لهذا السبب كان البعض، ينسب هذا التاريخ لصانع الفخار الأب نفسه، وليس الإبن- بينما يشتط آخرون، فينسبونه لصانع الفخار الحفيد!
صانع الفخار الأكبر، الذي قطن هذا الجزء من البلاد الكبيرة، لم يرد بتأسيس البلدة القديمة هنا، في هذا المكان بالذات.. عند ملتقى النيلين.. أن يربط بين أجزاء البلاد الكبيرة، بل أن يجعل من البلاد الكبيرة، عاصمة للقارات حولها. غير أن الغزاة المتعاقبون، قضوا على هذا الحلم، الذي اعتبروه ساذجا! وهكذا بفضل مجهوداتهم الجبارة، أصبحت البلاد الكبيرة، مجرد رقعة متآكلة الأطراف! وجسرا متهالكا، يعبر عليه الآخرون، وهم يصبون عليها اللعنات بسخاء!
3
بعد أن تجرع جادين من برمة الشيخ الأرباب، آخر جرعة تبقت في قاعها، همس في أذن الساقية (مثيرة) أن تخبر (تام زين) أنه مرسال من طرف الخزين ود طبلة، فمضت مثيرة، وأخبرت تام زين، التي أمرتها بدعوته إلى راكوبتها الخاصة. وما أن مثل جادين جانو أمامها، وهو يتلفت يمنى ويسرى، حتى همس بكلمة السر:
"دار الريح"
فأجابته بحذر:
"حُرّة"
وعند إنتصاف الليل، والعتمّة تلف كل شيء، لتتبدد بين آن وآخر بالبروق، الخاطفة، غادر (الإنداية)، تتقدمه تام زين. سارا بإتجاه سوق البلدة. إجتازا صفوفا من الدكاكين، المبنية من الجالوص. والمتجاورة دونما تنسيق أو نظام محدد. إلى أن توقفت تام زين أمام أحد الدكاكين، في قلب السوق. كان مغلقا بطبلة إنجليزية كبيرة. أخرجت تام زين من محفضتها مفتاحا كبيرا، ومدته له:
"أفتح الباب"
مرت دقائق قليلة كأنها دهرا بكامله، حتى تمكن من فتح الباب. تقدم بحذر وتردد. أشعلت تام زين عود كبريت، وبحثت في مكان محدد من زوايا الدكان. عثرت على لمبة جاز (أم قيطان، حبوبة ونسيني). كانت رائحة هي مزيج من رائحة العطن والجلود المدبوغة، تهيمن على المكان بكثافة!
كانت محتويات المخزن، التي يعلوها الغبار لا تلفت الإنتباه: شوالات خيش، قصرية طلس قديمة، كوريك وطورية متشابكين، وأواني ألمونيوم وثياب قديمة هي الأخرى، وبعض الأدوات البلاستيكية، غير محددة الوظيفة.. بدت متشققة، ولوحات مائية رسم عليها باللون الأحمر، مطرقة وسندان وطورية ومنجل متعانقون، على خلفية من الشمس البيضاء.. كان كل شيء قديم جدا لحد مريع!
نظر إليها في إستفهام، فابتسمت وهي تشير إلى الأرض:
"انزح التراب عن هذا المكان"
أمسك بالكوريك و بدا ينزح التراب، حتى تبين له باب خشبي صغير بمقبض. جذبه إليه بشدة، فتبين تحته فوهة مربعة، يستند على جدارها سلما. إلتفت إليها متسائلا، فسارعت بالقول:
"إنتهى دوري هنا. سينتهي بك السلم، إلى غرفة ستجد فيها ما تريد"
ثم مدت له لمبة الجاز وغادرت.. كانت الغرفة صغيرة الحجم، تناثرت على أرضيتها صناديق وكراتين صغيرة الحجم، وعلى جدارها صندوق خشبي متوسط الحجم يشبه (السحارة).. كانت كل كرتونة أو صندوق، قد لصقت عليه ورقة عليها محتويات الصندوق أو الكرتونة: الحركات المسلحة، عامة الناس، المثقفين والفنانين والشعراء، الإندايات، الثلاثة الكبار: الطائفي المستنير(أو الأمير المخلوع) الطائفي الجشع أو (شهبندر التجار)، العرّاف أو (عراب حزب الحقيقة المطلقة)، الإنقلابي أو (الحاكم العام)، العسس، الجيش،المجلس الثوري الديموقراطي السلمي، المجلس الثوري الديموقراطي المسلح، الصعيد، دار الريح، إلخ، إلخ...
كانت السحارة تكاد تكون شبه خالية. أزاحها.. رأى تحتها ما يشبه الباب الصغير.. جذبه نحوه.. إنفتح عن فوهة تسمح بدخول جسمه. أفضت به إلى قبو قديم، لا يمكن لأحد أن يتصور وجوده.. فوجيء بسبعة جثث في ثياب من الكتان بحالة سيئة، متراصة إلى جانب بعضها البعض ومحنطة، وأمام كل جثة منها قطع أثرية وصلبان ومخطوطات، وأدوات أخرى غريبة من الفخار والعاج والأبنوس والنحاس والحديد والذهب والفضة، تشبه الأواني المنزلية وأدوات القتال والحروب.
كان من الواضح أنه سرداب أثري، يبدو أن صانع الفخار أنفق زمنا طويلا في دراسة محتوياته. إذ كانت ثمة تدوينات، بدى له خط الخزين بقلمه البوص واضحا في هوامشها.
قرب الضوء من التدوينات والهوامش أكثر. كان أصحاب الجثث المحنطة قد فارقوا الحياة، وهم في أعمار تجاوزت الأربعين بقليل عدا جثة واحدة؟!.. وكانت الجثث ومحتويات السرداب تعود للحقبة، التي ظهرت فيها دولة (المقرّة).. الجثة الرابعة من اليمين، كانت للمطران جيورجيوس، الذي توفي في عام 1113 وهو في الثانية والثمانين من عمره، بحسب نقش كتب على ضريحه التذكاري!
ثمة عدد من الإشارات في تدوينات صانع الفخار، إلى المعابد والأديرة، التي شيدت على أرض (المقرة)؛ التي إندثر تاريخها، كما تمضي البلاد الكبيرة الآن إلى الإندثار!
معرفة جادين جانو بصانع الفخار والخزين، لم تكن وليدة الصدفة، كانت علاقة عميقة في الزمان والمكان، وغائرة في كل الحكايات التي لم تروى، والخطب التي لم تلقى بعد!!. إذ كان جادين دائما موجود حيث وجد أحدهما!.. موجود بين المتحلقين حول الخزين، وهو يروي عن البلاد الكبيرة، ما تواتر من حكاياتها.. وموجود بين المتحلقين حول صانع الفخار، وهو يهمهم بخطاباته الثائرة، ويزرع فيهم الأمل، في غد طال إنتظاره!
كان موجودا في كل الوجوه التي عرفاها، بينه وبينهما شعرة، شعرة فحسب! لكن أبدا لا تنقطع. فلا هو راغب في الغرق في عالمهما المعقد، المتشابك. ولا هو بقادر على النأي بنفسه، بعيدا عن هذه الوجوه الحُلُمية، التي تتراءى أحيانا كوهم أو كوابيس ليلية!
ومع ذلك، كان يمسك بأطراف هذه الكوابيس، فيما خلفه صانع الفخار وراءه من تدوينات. ويفلتها من آن لآخر.. من هنا.. من خلال نافذة غرفته الجالوص، المطلة على مقرن النيلين، كانت الحكايا هي الأخرى تفلته حينا، وتستعيده حينا آخر، لتحمله خيباتها وجراحاتها، التي خطت على وجهه، كل آثار السنوات العجاف، كما خطت على قلبه المهشم، تصدعات وشروخات آلاف السنوات، التي مرّت عابرة على البلاد الكبيرة، دون أن تتريث لتبدي ملامحها، إذ سرعان ما تنحسر، كشحنة من الشجن والإنفعال، الذي لا يخلف سوى الحسرة والأسى العميق. فالبلاد الكبيرة، أشبه بتداع عابر، بل هي.. كإنبثاق مباغت من العدّم!
فهي وبلداتها القديمات من أغرب البلدان، بطابع عمرانها المزدوج، الذي بقدر ما تنهض فيها العمارات السوامق، والبنايات الحديثة والمعاصرة، ذات الطوابق والأبراج، بقدر ما تحتضن بين جنباتها، كل مخلفات التاريخ القديم، من معمار مشوّه، وأبنية بدائية، تعود لطفولة الجنس البشري، في صراعها مع قوى الطبيعة المدمرة!
وعلى الرغم من كونها جسرا بين شرق الكون-فهي البوابة الأم للنجوم- وغربه وشماله وجنوبه. ظل حظها من علوم الفضاء منعدما، فالفضاء بالنسبة لها ترجم فيه الشهب الشياطين؟! وهكذا ظلت معزولة عن همسات أقوام الفضاءات البعيدة -حيث تظن أنها موطن الآلهة، وفقا لإجتهادات عرافها- كما هي معزولة في الجغرافيا والتاريخ!
رغم التساؤلات التي تتمللك زوارها من الآثاريين والباحثين، فيسعون للإجابة عليها دون كلل أو ملل، إلا أنها في عيون سكانها، ظلت على الدوام منبعا للقلق والحيرّة، لا ينضب. كبلاد ينتمون إليها ولا ينتمون إليها. إذ كان أغلبهم يشرئب بمشاعره ووجدانه، خارج حدودها الواسعة المتسعة، في تعاسة كونية غير مسبوقة!
وهؤلاء كان قد ترسخ نحوهم في لُب الخزين، إعتقاد قوّي بأنهم مستلبين، وخونة لتراب هذه البلاد وشمسها الغائظة، ولبشرتهم السوداء التي هي سيدة البشرات! بعد أن ظل الحكام العامين المتعاقبين، منذ الإستقلال من المستعمر الأجنبي، يسمحون لمُلاك الحقيقة المطلقة، الذين هم فقهاء الظلام، وحراس النوايا شذاذ الآفاق. بتغذية هذا النّوع، من مشاعر الإنتماء الضّالة، الغريبة، للبلدان خارج حدود البلاد الكبيرة. ولذلك وطن الخزين نفسه على الإعتقاد بأن:
"البلاد الكبيرة لا شبيه لها في بؤسها، رغم أن هُوِّيتها داخل حدودها، فهي لطالما إكتفت بذاتها، منذ إختلطت فيها الأقوام وتمازجت، منذ عصور سحيقة".
لكن من أين جاءتهم هذه الأفكار الفانتازية حول أصلهم وفصلهم؟لقد مثل الدين رأسمالا معنويا لا غنى عنه للثلاثة الكبار، لإستدرار عواطف الناس بغرض الحصول على مكاسب مادية، وهكذا تطابقت في أذهانهم هوية البلاد الكبيرة مع الدين العقيدة، فأصبح لا غنى للعقيدة عن اللغة والعرق! وهكذا تم إستهداف كل اللغات والأعراق الأخرى، والتكريس للغة والعرق المنسوبين للدين على حسابهم!
تلمظ الخزين رغوة المريسة على شفتيه، ونهض في تثاقل، ومضى إلى طرف الدار، حل تكة سرواله وأخذ يبول وقد تملكه إحساس عميق بالإرتياح!..
4
فيما كان جادين جانو،يتأمل هذه الشذرّة من شذرات صانع الفخار، ، في مخطوطة مفرودة على الأرض أمامه. كانت الذاكرة تسحبه إلى اللحظة، التي غادر فيها إنداية تام زين، وهو يحمل معه، في طريقه إلى البلدة القديمة، كل ما خلفه صانع الفخار والخزين، أمانة عندها، من مخطوطات و أوراق، دون عليها صانعي الفخار خبراتهم ورؤاهم عبر آلاف السنوات. ومضى ينتظر القافلة التي حملته أول مرة،عند أطراف البلدة.
ظل صانع الفخار (الأب) حتى أيامه الآخيرة، يطالب بإنهاء الرِّق والتمييز العنصري، كما ظل صانع الفخار حفيده، حتى ظهيرة مقتله، مصلوبا ومحترقا على عيدان شجرة اللعوت، التي تتوسط فناء كنيسة المقرن القديمة، يطالب بإيقاف حروب الإبادة، ضد أولئك الذين لا يشرئب وجدانهم، للإنتماء إلى البلدان، خارج حدود البلاد الكبيرة، والإرتماء في أحضانها الباردة، الموحشة!
يتنهد جادين جانو في سرِّه:
"كان أعظم داعية للحرِّية وحقوق الإنسان، في تاريخ البلاد الكبيرة"
في السنوات القليلة، التي سبقت إستقلال البلاد الكبيرة، كاد التوتر يفتك بصانع الفخار (الأب) في البلدة القديمة، إذ كانت كل أفكاره ومشاعره، مركزة حول زوجته، التي ظلت خلال ثلاث عقود متتالية، تفقد جنينها ما أن يبلغ الشهر الثالث، إذ يتوقف نموّه ويموت في رحمها. وفي كل مرة يجهض لصانع الفخار الأب جنين، تقول زوجته وهي تغالب دموعها:
"يبدو أن أطفالنا يرفضون التورط، في الحياة المشبوهة لهذه البلاد الموحشة!"
فيعزيها في حنو ومودة:
"لا بأس. قد يغيرون رأيهم في المرّات القادمة"
وتستمر محاولات الإنجاب، ومثل كل مرة تعاني زوجته أشد العناء، في حمل جنين جديد. وبعد سنوات من عذاب المحاولات الفاشلة. ولد صانع الفخار (الإبن)، فكادت قلوب كل صانعي الفخار عبر التاريخ، الذين كانوا قد فقدوا الأمل في إستمرار سلالتهم المباركة، تتوقف عن الحركة لفرحتها الطاغية. دون أن يتمكنوا من إخفاء مخاوفهم، لأن الوليد النّاجي بدى ميتا، فلم يتنفسوا الصعداء، إلا بعد أن صدر عنه ذلك الصراخ الحاد، بعد ثلاثة أيام من إنجابه، وبعد أن كررت القابلة صفعه بشدة، على مؤخرته الصغيرة، أكثر من مرة!
كانت جذور هذا الطفل، تمتد بعيداً في تربة البلاد الكبيرة السمراء، التي لطالما اقتلع منها الغزاة و المستعمرين والمستوطنين أجداده، ليباعوا ويشتروا في الجوار، والضفة الأخرى من الأطلسي الرهيب! لتستغل أجسادهم وأرواحهم لخدمة السادة المزعومين، الذين لطالما شكلوا عبئا على تاريخ البلاد الكبيرة والتاريخ البشري!
كان صانع الفخار (الأب)، كأسلافه من صانعي الفخار الأماجد، بتطلعاته الواسعة، فعمل إماما في مسجد البلدة القديمة العتيق، بعد أن تلقى قدرا من المعارف، في (رواق دار الريح) بالأزهر الشريف، وعاش بعد زواجه في بيت والده صانع الفخار (الجد) الذي كان –البيت- قد إنتقل إليه من صانعي الفخار، الذين ظلوا يتوارثونه جيلا إثر جيل، منذ جدهم صانع الفخار (الأكبر)، الذي كان راعيا لكنيسة البلدة القديمة، والتي كانت قد شيدت على أنقاض المعبد اليهودي، الذي كان صانع الفخار (الأكبر) أحد حاخامته، بعد أن تخلى عن ديانته النوبية القديمة.
ظل نشاط صانعي الفخار، عبر تاريخهم مؤثرا جدا في حياة البلدة القديمة. يرافقهم في مسيرة هذا النشاط أسلاف الخزين ود طبلة. ولطالما سارا (صانع الفخار الحفيد والخزين الأب)، معا.. على ذات الدرب، التي سار عليها أسلافهما، والتي لطالما جلبت لأسلافهما، تنكيل السلطات الحاكمة في كل العصور، حتى أصبح إسم صانع الفخار، المقترن –دائما- بإسم رفيق دربه الخزين ود طبلة، دلالة بديهية لمقاومة الظلم والمطالبة برد الحقوق.
ولهذا السبب بالذات، ورغم كونهما معارضين، إمتنع كلاهما: صانع الفخار الحفيد والخزين (الأب) من الإنضمام للكيانات المعارضة للسلطات الحاكمة أسوة بأسلافهما، فقد استقر في وجدانيهما، أن حال البلاد الكبيرة، لن ينصلح لطالما على رأس معارضتها الطائفية البغيضة، واليسار المتواطيء، ومُلاك الحقيقة المطلقة حراس النوايا شذاذ الآفاق!
البلدة القديمة التي كانت في تاريخها القديم، قاعدة لحملات الرِّق، التي تستهدف دار الريح والصعيد، وأجزاء من جنوب شرق النهر، ترك تاريخها المظلم آثارا عميقة، على وجدان الكثيرين. إنسحبت هذه الآثار على الأجيال المتعاقبة، بعد إنقضاء عصور الرِّق. فكان يغلب على صانع الفخار (الأب)، البكاء حينما يقف عاجزاً عن تفسير: لماذا ينبذ أقرانه بعضهم البعض، ولماذا كانت الأمهات تمنعن أبناءهن، عن اللعب مع بعضهم البعض. وكان الخزين (الجد) يحاول أن يشرح لصانع الفخار (الأب) ، أسباب هذا البؤس، الذي تعيشه البلاد الكبيرة، مستشهدا دائما بقول والده:
"يجب أن يحفز فيك ذلك، إرادة التغيير. كما كان أسلافك يطمحون"
وبعد مرور سنوات من طفولته، تنقل خلالها بين خلاوى السافل ودار الريح ودار صباح، ومنها إلى مدرسة البلدة القديمة، التي كانت قد إنفصلت لتوها، عن مسجد البلدة القديمة، مستقلة بذاتها، إلى أن التحق بكلية "غردون التذكارية" متفوقا على أقرانه، عثر على الكثير من الإجابات، لكثير من الأسئلة الحارقة!
حافظ صانع الفخار (الحفيد) على هذا التفوق الوراثي، الذي رشحه لمنحة في إحدى جامعات عاصمة الإمبراطورية، التي لا تغيب عنها الشمس. السفر والدراسة خارج البلاد الكبيرة، ساعدا صانع الفخار (الحفيد)، على فهم العالم و توسيع مداركه، لحد كان يذهل مدرسيه، بإكتشافه لأُكذوبة الكثير من المفاهيم الشائعة في البلاد الكبيرة! وفي الإمبراطورية العجوز أيضا!
وبعد عودته كانت آخر فلول الإستعمار، تتهيأ لمغادرة البلاد الكبيرة، والعطبراوي من خلفها يغني:
"يا غريب يلا لبلدك.. سوق معاك ولدك.. لملم عددك"
وفي الليلة التي تلت رفع العلم، كان صانع الفخار (الحفيد) يواري جسد والده صانع الفخار (الأب) وهو يقرأ عليه مع الدعاء له عهد الأسلاف، من صانعي الفخار الأماجد، الذين قضوا نحبهم، وهم يطلبون التغيير في كل عهود الإستعمار الأجنبي والمحلي الفاسدة!
يعلق ود التويم:
"هو العلم ده داير مروه؟ هو الرفع ده مشكلة يعني؟ أي زول ممكن يرفعو.. شابكننا رفعنا العلم، رفعنا العلم.. نزلوه ياخي وريحونا، بل قرف معاكم"
فيضحك حمد الأعرج وهو يصفق بيديه ويهتز كقرد عجوز:
"علي الطلاق يا ود التويم إنت سكرت.."
"سكرت.. سكرت، أصلها خمر الرب.. بعدين القال ليهم أرفعوه منو، إنت ده.. أمانة في ذمتك، في زول جا شاورك؟"
.. ورفض صانع الفخار (الحفيد) أن يحل محل أبيه، كإمام لمسجد البلدة القديمة العتيق. ومضى منشغلا بهموم الناس وأزمة المكان، الذي أصبحت الأرضة واللبلاب البشري، ينتشران في كل أرجاءه!
بعد وفاة والده بعدة أشهر، مضى صانع الفخار (الحفيد) إلى دار الريح، التي كانت وقتها ميدانا خصبا للنضال، ضد التمييز العنصري، لنظام الطائفي المستنير -الذي تم خلعه فيما بعد إثر إنقلاب عسكري- والذي حوّل التمييز، إلى حرب أهلية ضارية، أشعلت شرارتها، غارة تحالف من (قبائل الجنجويد الرعوية) بدعم من نظام الحاكم العام، على أراضي الأهالي (المزارعين) البسطاء. فما كان من نظام الحاكم العام، المتكيء على عصاة العرّاف، إلا أن أرسل مليشيات ممن أطلق عليهم المجاهدين، ووحدات من الجيش، مسحت قرى الأهالي من الوحود. بعد أن تم إغتصاب النساء وقتل الرجال. وهكذا أصبحت أوضاع دار الريح كلها، تنذر برد فعل عنيف يمكن أن يفجر أنهارا من الدماء، تكفي لإغراق كل أراضي البلاد الكبيرة!
بإنقلاب طائفة مُلاك الحقيقة المطلقة، على كبير الوزراء الطائفي المستنير، وتنصيب الحاكم العام رئيسا للبلاد الكبيرة، ذات فجر شاحب، أُفتتح عصر جديد من المعارك الطاحنة، بين فروج النساء والأعضاء الذكورية للرجال المؤمنين، وصارت البلاد الكبيرة ساحة للرغبات العارمة والرّعشات، التي لا تهدأ إلا لتبدأ من جديد، تزود الإندايات بالحكايا الراجفة، عن النسوة اللائي طارت سراويلهن! والرجال الذين تعرّت مؤخراتهم، لتستقبل خوازيق بعضهم البعض!
فيما كانت أحلام صانعي الفخار المتعاقبين، التي استلهمت النهود الرائعة، لنسوة البلدة القديمة الماجدات، تنهار، منذ حوّل المستوطنون المتعاقبون، نساء البلدة القديمة إلى محض محظيات. وبالميلاد غير الشرعي لأول حاكم عام بُعيد الإستقلال من الإستعمار الأجنبي، كان المستوطنون قد أكملوا تزييف خريطة البلاد الكبيرة، ووجهة تاريخها ومستقبلها!.. بل وأصبحت الأمهات تخفن أطفالهن كي يشربوا الحليب ويناموا، بأن هناك (زنجي يختبيء تحت السرير)!
وبعد أن أدرجت إلى حيز التطبيق العملي، كل المشاريع المأزومة، للطائفية ومُلاك الحقيقة المطلقة، وأحيلت المشاريع الكبرى إلى الإرشيف، لتتراكم عليها طبقات النسيان، في مزابل قصر الحاكم العام ومقار طائفة العراب، ودار الوثائق المركزية والوزارات، التي تحوّلت لخفارات مهمتها حراسة تلك المزابل. إعترت البلاد الكبيرة الكثير من التبدلات والتحولات، وأصبحت كالمسخ إذ طال التشوّه كل شيء!
من خلال الخدر الذي يمنحه عرق البلح السوبر، الذي يسري في تضاعيف دماغ جادين جانو. كان يرى هذا الحال الذي تغير إلى غير رجعة، بما بثه الحاكم العام من رعب في البلدة القديمة، المولعة بالإندايات. والتي بدأت ذكريات أهلها تتلاشى، حتى لم يعد لديهم الكثير منها لتبديدها، بعد أن استئصل مُلاك الحقيقة المطلقة وعسسهم ذكرياتهم كما تستأصل الزوائد الدودية!
فقط جادين وحده، لا يزال يخبيء ذكرياته في قاع بعيد من ذاكرته ضد النهب، بتشبيعها بمدونات صانع الفخار، إلى حد أن ثقبت الذاكرة في وجدانه، أنفاقا من الذكريات، تفاجئه محتوياتها من آن لآخر، بحضور طاغ. يزداد كثافة يوما بعد يوم!
ربما أن السبب في نجاة ذكريات جادين من النهب والتبد د العام، كان بسبب حبه الغامض لست البنات. وربما كان بسبب حبه للمعرفة حد الشغف. وهو الحب ذاته، الذي وقف وراء رحلة بحثه الطويلة، عن إرث صانع الفخار والخزين. إذ لطالما اعتقد أن معرفته لما جرى ويجري، في العهود البائدة البعيدة.. وما وراء الجدران المتعاقبة، التي سيجت ذاكرة البلدة القديمة لآلاف السنوات، خلال عصور من الحضارات المتنحية والمرتاعة والمروعة والضائعة، على ضفاف الأنهر والوديان، التي تنسج أرض البلاد الكبيرة. تكمن شروحات الألغاز الرهيبة، التي تحاصر حياة الناس!
كان يبحث عن إجابة لكل شيء.. إجابة عن بقاء صانع الفخار الحفيد ثلاثة أيام غائبا عن الوعي، قبل أن يطلق صرخته الأولى! بعد أن توالت ضربات القابلة على مؤخرته البريئة! كذلك أخوته المجهضين الذين سبقوه، ولم تكتب لهم النجاة.. أراد أن يعرف: لماذا ظل صانع الفخار يحمل إسم (صانع الفخار) عبر آلاف السنوات، دون أن يتغير هذا الإسم، الذي لا يميز فيه المؤرخون، بين صانع فخار وآخر، إلا بكلمة واحدة: الأكبر، الجد، الأب، الإبن، الحفيد، إلخ...
وفيما كان يبحث عن هذه الإجابات، كان الطائفي المستنير، الذي لطالما شعر أن البلاد الكبيرة محض (ضيعة) ورثها عن جده الذي (إمتلكها) بحد السيف ووضع اليد! يمضي لتأكيد تحالفه مع الحاكم العام، بقبول وسام الجمهورية من الطبقة الأولى، وفي الوقت نفسه التنسيق مع القوى المعارضة للحاكم العام، التي كان يختلف ويأتلف معها من آن لآخر، بسبب محاولاته المستميتة لتدجينها، وإدخالها في عب الحاكم العام وأتباعه، من طائفة مُلاك الحقيقة المطلقة!
فالرجل الفرق بينه وبين الحاكم العام، أنه يعرف كيف يتأنق بالكلمات، وكيف يخفي طبيعة مشروعه الإستبدادي الظلامي –الذي هو ذات مشروع الحاكم العام- وكيف يبطن خلاف ما يظهر، وكيف يدعي الديموقراطية، بينما يخفي وجها عقائديا شموليا بائسا!
لذلك كان يرى في دخيلته ان زوال الحاكم العام، يعني زوال سلطة الطوائف على البلاد الكبيرة، وعلى هذا الأساس، تمكن من إقناع رصيفه الطائفي (شهبندر التجار)! فمضيا يعلنان المعارضة جهرا، ويوطدان دعائم سلطة الحاكم العام سرا!
ولأن الرجل كان صاحب عبقرية فذة، قل أن يجود الزمان بمثلها، قسم طائفته ك(المرارة) إلى عدة أكوام، إلى جانب الكوم الذي يقوده شخصيا، كمعارض مزعوم للنظام وحليف له في الوقت نفسه!
كوم يتزعمه إبن عمه بغبائنه المعروفة في نزاع السلطة والثروة داخل الطائفة المالكة.. وكوم يرى أن قضايا المهمشين عادلة، وأن الحاكم العام دفعهم دفعا لحمل السلاح، بعنجهيته وصلفه وعنصريته، وهو الكوم الذي لا زال يحمل أحقادا عميقة، نتجت عن صراعات قديمة، بين الطائفي المستنير وعمه، الذي كان يرى، أنه أحق بقيادة الطائفة المالكة من إبن أخيه المستنير!
وكوم آخر من أبناء الطائفة الفقراء، وهؤلاء كانوا بوعيهم الغامض، يكنون لصانع الفخار نوعا من الإعجاب الملتبس، بدفع من وطأة الفقر والتطلعات الخجولة، لتحقيق ذواتهم. وتحت وطء هذا النوع من الأحاسيس، كانوا يندفعون مع المتظاهرين لإسقاط الحاكم العام، تسبقهم هتافات أهاليهم المؤيدة، الذين ظلوا يكتوون بنيران ما ينتج عن صراعات الأسرة المالكة، أكثر من إكتواءهم من نيران الحاكم العام!
العارفون ببواطن الأمور، وبطبيعة الحال حمد الأعرج وود التويم ليسا منهم، يقولون حول نظرية الأكوام هذه:
إما أن الرجل يراوغ بتوزيع "البيض" في سلال مختلفة! أو أن هناك صراع جوهري فعلي داخل الأسرة المالكة؟ خلق هذا القدر الهائل من الإضطراب في المواقف؟ التي لازمت طائفته تاريخيا؟
ولأن الرجل غرابة أطواره لم تكن لها حدود، ما أن علم بإنقسام بعض مُلاك الحقيقة المطلقة عن الحاكم العام، حتى مضى يتوسط لهم المعارضون، كي يقبلوهم في مجلسهم الديموقراطي الثوري:
"كيف تريدنا أن نقبلهم؟ منذ متى كانت لهؤلاء "القتلة" مباديء أو أخلاق؟ أنهم لم ينقسموا الآن إلا لشعورهم بأن سفينة الحاكم العام توشك على الغرق"
"كيف تريد لنا أن نقبلهم وقد فصلوا الصعيد، وقاتلوا بمليشياتهم أهل دار الريح، وعلى أعناقهم دماء الملايين من أبناء البلاد الكبيرة، أليس هؤلاء هم الأشخاص أنفسهم، الذين ألغوا دور الجيش ومنحوه للأمن والإستخبارات، والمليشيات بأشكالها وأنواعها؟ لماذا نقبلهم بيننا الآن، ونحن نعلم أنهم ما خرجو على الحاكم العام، إلا بعد أن أطاحت بهم صراعات مراكز القوى، داخل طائفة ملاك الحقيقة المطلقة والنظام، فأصابتهم "الغبينة" بعد أن فقدوا إمتيازات السلطة في الطائفة والدولة، وبعد أن فشلت محاولاتهم الإنقلابية على الحاكم العام؟! لن نقبلهم بيننا، وهذا آخر كلام"
"وما هو أكثر أهمية أن هؤلاء ولاءهم لمشروعهم الذي مزق البلاد الكبيرة وأفشلها، أكبر من ولاءهم للبلاد الكبيرة"
خرج الطائفي المستنير، وقد تملكته خيبة الأمل، ومضى يفكر في حيلة، يجمع بها بين هؤلاء الفرقاء، الذين يهددون (مُلك أباءه) كما أستقر في وجدان طائفته المالكة، عبر تاريخها الفاشل!


أحمد ضحية
[email protected]
نواصل


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1173

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#880426 [ابو قمبور]
0.00/5 (0 صوت)

01-08-2014 03:38 PM
أحمد ضحية

لم اقرأ موضوعك واتمنى الاجابة على سؤالي لأنه اهم من اي امر اخر يدور في البلد الان حسب تقديري
لماذا لم تدافعوا وتكتبوا عن سودانية حلايب ، هل تخافون من جهاز الامن ؟ ام الصحف لن تنشر اي موضوع عن حلايب ؟ هل موافقتك انت والصحفيين الاخرين امثال الطاهر ساتي وبكري الصايغ و الفاتح جبرة وبقية الكتاب الاخرين الشرفاء وعثمان شبونة وصلاح مرغني وكل الكتاب النزيهين ؟ اذا منعتم عن الكتابة في الصحف اليومية لماذا لم تكتبوا في المواقع الالكترونية ؟ ولماذا لم تكتبوا عن الفشقة.

هذه مسألة وطنية مات اجدادنا لكي يطردوا الاحتلال من اراضينا فهل تستكثرون على انفسكم اراضينا التي احتلت في عهد الظلام (عهد الانقاذ) ؟ اليس شرفاً لكم ايها الصحفيين الشرفيين ان تسجنوا دفاعا عن اراضي السودان ؟ وقد مات اجدادكم من اجل وحدة وسلامة اراضيه ؟

عيب وعار عليكم والله تتكلموا في امور اقل اهمية من احتلال اراضي البلد وسرقتها من قبل عصابة الانجاس


ردود على ابو قمبور
[أحمد محمد ضحية أحمد] 01-09-2014 07:50 AM
لم اقرأ موضوعك واتمنى الاجابة على سؤالي لأنه اهم من اي امر اخر يدور في البلد الان حسب تقديري
لماذا لم تدافعوا وتكتبوا عن سودانية حلايب ، هل تخافون من جهاز الامن ؟ ام الصحف لن تنشر اي موضوع عن حلايب ؟ هل موافقتك انت والصحفيين الاخرين امثال الطاهر ساتي وبكري الصايغ و الفاتح جبرة وبقية الكتاب الاخرين الشرفاء وعثمان شبونة وصلاح مرغني وكل الكتاب النزيهين ؟ اذا منعتم عن الكتابة في الصحف اليومية لماذا لم تكتبوا في المواقع الالكترونية ؟ ولماذا لم تكتبوا عن الفشقة.

هذه مسألة وطنية مات اجدادنا لكي يطردوا الاحتلال من اراضينا فهل تستكثرون على انفسكم اراضينا التي احتلت في عهد الظلام (عهد الانقاذ) ؟ اليس شرفاً لكم ايها الصحفيين الشرفيين ان تسجنوا دفاعا عن اراضي السودان ؟ وقد مات اجدادكم من اجل وحدة وسلامة اراضيه ؟

عيب وعار عليكم والله تتكلموا في امور اقل اهمية من احتلال اراضي البلد وسرقتها من قبل عصابة الانجاس

تحياتي وسلامي أخونا أبو قمبور..حلايب سودانية والفشقة سودانية (وكل أراضي فور برنقا سودانية) وأسوان ذاتا سودانية صدق أو لا تصدق.. لأنو الخرايط الحدودية عملوها الإنجليز وعملو جواها أسافين.. شخصيا كتبت عن سودانية حلايب ودونك عمنا قوقل....الصحافيين الذين تسميهم بالكتاب الشرفاء أعرف بعضهم مثل الولد شبونة (إبن حسين خوجلي كادر قديم في الحركة الإسلامية من أيام رابطة الجزيرة وسنار يا راجل) فإذا حسين خوجلي شريف شبونة برضو شريف؟..
أروحنا ودمائنا لهذه البلاد التي نؤمن بها كعقيدة ولذلك نقول ونفعل ما نقول و نفعل.. التحية لأجددك الذين هم أجدادي بر ضو.. وصدقني كتبنا عن حقوق بلادنا لكل الجهات حتى طوب الأرض نفسو لم يسلم من كتابتنا بشأن حقوق بلادنا..لكن في النهاية نحن مجرد كتاب ليس لديهم سلطة لتحقيق أي فعل؟!


أحمد ضحية
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة