المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
تأصيل الإقصاء، هو أصل البلاء
تأصيل الإقصاء، هو أصل البلاء
01-14-2011 06:55 PM


تأصيل الإقصاء، هو أصل البلاء
د. حسن بشير محمد نور


وضعت سفينة نيفاشا مراسيها بعد إبحار عاصف. بذلك حقق كل من طرفي الاتفاقية مراده، ذهبت الحركة الشعبية بالجنوب الذي كانت منفردة بحكمه طوال الخمس سنوات الماضية، الي دولة مستقلة بكامل سيادتها. كما انفرد المؤتمر الوطني بحكم السودان المتبقي ولو الي حين، ذلك مع تصاعد موجات المطالبة بتقرير المصير من مناطق السودان المختلفة وكأن الانفصال هو العصا السحرية لحل المشاكل المستعصية في البلاد. ربما أعطي التنظيم الممتاز، الذي أدهش المراقبين لعمليات الاستفتاء في الجنوب والزخم الذي تم به وما صاحبه من حماس، ربما أعطي قوة دفع للدولة الوليدة في الجنوب لتلملم أطراف خلافاتها وتواجه التحديات الكبيرة التي تنتظرها بنجاح يجنبها الفشل الذي يتوقعه لها كثير من المراقبين والمتربصين. لم يكن انفصال الجنوب حدثا طبيعيا او بسيطا كما يعتقد البعض وإنما حدثا جسيما وستكون نتائجه علي قدر ما يستحق من مكانة في التاريخ.
اكبر التحديات التي ستواجه البلاد في الشمال والجنوب ستكون اقتصادية، لان في الاقتصاد يكمن أصل الفقر والتهميش، عدم تساوي الفرص سواء كان بسبب عدم التنمية المتوازنة، انعدام عدالة توزيع الدخول والثروة التي أدت الي زيادة معدلات الفقر والبطالة واختلال مؤشرات الاستقرار الاقتصادي ومفاقمة أثارها الاجتماعية. زاد من كل تلك الآثار حدة الاستقطاب السياسي وتأصيل الإقصاء في كل ركن من أركان الحياة وفي أي موقع من البلاد. الاحتقان الذي حدث جراء التهميش والإقصاء ظل يتراكم منذ فجر الاستقلال ولكنه اخذ شكلا أكثر حدة خلال العقدين الأخيرين ولم تنجح اتفاقيات السلام الشامل من التخفيف منه بل، وفي بعض الأحيان عمقت المشكلة، باعتبارها مثالا للاخرين في جانبها السلبي الذي أدي الي الانفصال. بهذا الشكل يتحمل طرفي نيفاشا وزر الانفصال وما تنتج عنه من تداعيات.
لتجنب الأسوأ يحتاج الأمر الي معالجات جذرية في النظام السياسي والاقتصادي والإداري المتبع في البلاد خاصة بعد انفصال الجنوب الذي تؤكده جميع مجريات عمليات الاستفتاء التي شارفت علي نهايتها في الجنوب. إضافة الي إعادة هيكلة نظام الحكم تحتاج البلاد الي تغيير العقيدة الاقتصادية المتبعة ومراجعة النظام الإداري المتضخم في الشمال وإرساء قواعد ألمؤسسية وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين استنادا الي حق المواطنة، المساواة أمام القانون، التأهيل والقدرات والخبرة والقدرة علي العطاء. ان تأصيل الإقصاء والتهميش السائد اليوم في البلاد قد ولد جملة من الأحقاد والإحن التي قد تودي بما تبقي من البلاد الي التهلكة. تلاحظ حالات من اليأس واللامبالاة في أوساط معظم الفئات السكانية وتغلب لدي الشباب وهذا مؤشر خطير يجب علي جميع القوي السياسية العمل علي تداركه قبل لحظة الانفجار. هذه الحالة السائدة تجعل من الشباب لقمة سائقة للاستقطاب في مختلف أشكال القوة التدميرية المتصاعدة التي تدفع نحو تدمير الوطن والذات معا واقرب الأمثلة لذلك موجات الهروب الي إسرائيل.
هذا الوضع يستدعي من كل حادب علي ما تبقي من هذا الوطن ان يعمل علي حمايته وصيانة وحدته غض النظر عن رؤيته للتغيير والسلاح المستخدم فيه. لقد ظل عدد مقدر من الاقتصاديين الذين تهمهم مصلحة البلاد، بمختلف توجهاتهم الفكرية في الداخل والخارج ينبهون الي خطورة الوضع الذي تسير فيه البلاد من تبديد للموارد واختلال في أولويات الإنفاق وضمور مخصصات التنمية الاقتصادية والاجتماعية واستئثار أصحاب الو لاءات بكيكة الوظائف والمناصب والمخصصات والأصول والحوافز المعلنة والمستترة النقدية والعينة الي أن وصل الحال الي ما هو عليه اليوم من تفاوت ومفارقات تفوق القدرة علي التخيل. كل هذا نتاج طبيعي لتأصيل الإقصاء والتهميش وإيجاد المبررات للأخطاء المتراكمة مما يغري بالسير في الطريق الوعر المؤدي مباشرة الي الهاوية، هذا هو أصل البلاء الذي يجب التخلص منه اليوم قبل الغد بالتخلص من العقلية المنتجة له.
نتيجة لكل ذلك تقسمت البلاد وهي تعاني من ضعف البنيات التحتية وضعف استغلال الموارد المتاحة للاستخدام، تدهور في قدرات وتنافسية الإنتاج الزراعي والصناعي، هي تعاني من سوء الخدمات العامة وضعف الكفاءة في قدراتها البشرية مع خدمة مدنية تتخبط في الضياع. في هذا الوضع لابد من مراجعة الأوراق ونقول لدعاة الانفصال الجدد تمهلوا حتي تقف دولة الجنوب علي قدميها ويمكنكم بعد ذلك الاقتداء بها . ان الجنوب اليوم أحوج من أي وقت مضي الي الاستقرار والسلام والسير في دروب التنمية بعد ان حرم منها طوال تاريخه، هذا هو الطريق البديل للدخول في نزاعات وحروب ومشاكل لا قبل له بها وستؤدي به الي فشل مؤكد. أما دعاة الفتن والعنصرية وأمراء الحرب في الشمال كما هو الحال في كل مكان وزمان فلن يصنعوا التاريخ ولن تكون لهم الغلبة في يوم من الأيام والأمثلة علي ذلك يفيض بها التاريخ القديم والحديث. كما ظللنا نردد لزمن طويل فان اكبر ضمانة للأمن، مهما كان نوعه، الشخصي، القومي، الاجتماعي، الغذائي، اكبر ضمانة له هي التنمية وانتهاج سياسات اقتصادية تستهدف العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أبناء الوطن وكفالة العيش الكريم دون الحرمان من ابسط مقومات الحياة. أي طريق أخر حسب رأينا سيؤدي الي ضياع ما تبقي من الوطن وتفككه وضياع كراسي الحكم الوثيرة دون رجعة، والأمثلة علي ذلك أيضا يذخر بها التاريخ.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 871

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#78331 [حسن]
0.00/5 (0 صوت)

01-15-2011 07:38 PM
بورك فيك


#77966 [somer]
0.00/5 (0 صوت)

01-15-2011 10:58 AM
دكتور حسن تحية طيبة وبعد
أرجو وأكرر رجائي لك ولأمثالك أن تكونوا لجنة حكما لإسداء النصح لكل الأطراف لأن مصير هذا البلد يبدو مظلما بالرغم من توفر الفرص لإنقاذه أو إنقاذ ما تبقى منه. أي شرارة تنطلق سوف لن تبقي ولن تذر وستغرق البلد في حمام من الدماء. الناس بالداخل لاأدري ماذا جرى لها فهي غير قادرة على رؤية ما يجري حولها. كنت قد حضرت في إجازة للسودان قبل رحيل دكتور قرنق وكان واضح لي وضوح العيان أن الوضع سينفجر وقد أبلغت أي واحد كان يسألني عن الوضع- لأنه بالنسبة لي أنا كل شيء واضح. وفعلا وثع ما توقعت. أنا أدعي نبوة وامتلك عين الزرقاء ولكن الأمور كانت واضحة خاصة للقادم فأنت لا ترى أن الأرض كروية ما لم تطل عليها من خارجها. بحكم وظيفتي سافرت وأسافر كثيرا للعديد من البلدان العربية والأفريقية وق كنت قبل حوالي شهرين في تونس والمغرب ويوغنذا. كان كل من يسألني عن تونس أقول له إجابة واحدة وهي أن الوضع سينفجر في أي لحظة. كانت الصورة وضوح الشمس منتصف النهار. الشارع الرئيسي في المدينة هو شارع الحبيب بورقيبة (طبعاالحبيب محبوب عندهم بدرجة لا تصدق حتى اليوم). هذا الشارع يمتد لأكثر من 5 كلم ولكن حوالي 90% من المحلات الواقعة فيه عبارة عن مقاهي. يبدأ الشباب والشابات في التوافد على هذه المقاهي ويحولونها للون أسود (لترتدائهم الجاكيتات السوداء) وأتحدى أي شخص أن يجد مقعدا خاليا هذا المنظر يبدأ يوميا من الساعة الخامسة صباحا وحتى الساعة الواحدة صباحا وهذا يتكرر يوميا قهوة ودخان لا شغل ولا مشغلة, أما وسطل البلد في محطات الترام فهذ صورة مصغرة ليوم القيامة. ما أن تهبش أي مواطن إلا ويطفق في السب على بن علي وحكومته وعائلته وأصهاره وغيرهم من الحاشية ثم يبدأ يذكر لك محاسن الحبيب ما يحصل الآن كنت أراه رأي العين قبل شهرين - هذا الوضع نفسه ينطبق على الغرب إلا قليلا ولكن بصورة أقرب في الجزائر. هل مازالنا نرى ونسمع ويمكن أن نتعلم من تجارب الآخرين. لا تعولوا على الأحزاب والنقابات ف 80% من الشعب السوداني لا ينتمي لهذه التنظيمات- أنقذوا الوضع فهناك الكثيرين الذين يفترشون الأرض لبيع الخضار أو الرغيف.


د. حسن بشير محمد نور
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة