قل لاعاش من يفصلنا
01-14-2011 07:29 PM

نحن روحان حللنا بدنا..منقو قل لاعاش من يفصلنا
خالد ابراهيم عبدالله

كنا نرى الدنيا بعيون أخرى ونقيس الأمور بمقاييس تختلف كثيرا عن مقاييس هذا الزمان السودان يسير على الدرب الصومالي، فنظام البشير، كُتف وأجبر على مطاوعة ما يراد لأطراف البلاد من مصير، وإن كره ذلك، والنفط كان عاملا مسرعا للاندفاعة الانفصالية في الجنوب، كما أن التلويح بالخير الذي سيعم دارفور في حالة انفصالها عن السودان، هو بداية لإعادة نفس معزوفة الجنوب فيه.
موقف البشير يشابه من نواح كثيرة موقف سياد بري قبل انفراط عقد الصومال، وعليه فإن استقالة البشير وقبل فوات الأوان، ثم إقامة نظام ديمقراطي بديل تجمع عليه كل القوى السودانية الوطنية والديمقراطية الفاعلة جنوبا وشمالا وشرقا وغربا، سيغير قطعا من النتيجة الحتمية التي سيصل إليها السودان بقيادة البشير، والتي لن تكون بأفضل من الحالة الصومالية قبل وبعد سياد بري نحن روحان حللنا بدنا..منقو قل لاعاش من يفصلنا
النسبة الأكبر من الناخبين في الجنوب السوداني صوت لمصلحة خيار الانفصال، الأمر الذي رسمت معالمه اتفاقية نيفاشا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية قبل ست سنوات. اليوم بات السودان أمام واقع جديد مليء بالتعقيدات والعقبات المتعلقة بمستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب على غير صعيد حتى ليمكننا القول إن الانفصال ربما يصبح قريباً بداية لمشكلة أكبر وأخطر من الحالة السودانية في ظل الصراع المستمر منذ زمن بعيد، والتي كان يمكن التعايش معها لفترة طويلة قادمة لو قامت الحكومة المركزية بما يتوجب عليها تجاه أطراف الوطن السوداني جنوبه وشماله، شرقه وغربه بما يحقق العدل والمساواة.
الأسباب والخلفيات وغيرها من العوامل التي أدت للحالة الراهنة لم تعد على جدول البحث بالنسبة للسودانيين الذين أنهكتهم الحرب الأهلية والصراعات الاثنية والعرقية والفقر وغيرها.
الآن البحث يدور حول عقابيل الانفصال ومفاعيله، وقدرة السودان على تحمل النتائج والترسبات التي سيخلقها وهي كثيرة ومعقدة وتحتاج لوقت طويل لمعالجتها.
هناك قضايا موجودة وقابلة للانفجار في كل لحظة ولا يعالجها الانفصال بل قد يزيدها تعقيداً واشتعالاً، وفي مقدمتها الصراع القبلي بين المسيرية والدينكا والنويرية التي تشكل النسبة الأكبر من سكان الجنوب، بخلاف الصراع بين القبائل الأخرى، كالفراتيت والاستوائيين، وهذا الصراع سينعكس بالتأكيد على الشمال وقد يستدرج تدخلاً اضطرارياً من الخرطوم ويقود في النهاية لحرب جديدة مع الجنوب، ناهيك عن تدخل دول الجوار التي لها امتدادات وأطماع في جنوب السودان، وخاصة أوغندا التي تسعى لضم جنوب السودان، ودول أخرى تحت الوصاية الأمريكية بقيادتها وللاستفادة من إمكانيات الجنوب السوداني.
إن انغماس الجيش الشعبي في هذه الصراعات سيؤدي في حال استمراره \"وهذا المرجح\" إلى تشققات في بنيته في ظل صراع على السلطة يتوالى فصولاً داخل هذا الجيش منذ فترة طويلة.
وتحت عنوان الصراع الداخلي في الجنوب سيعني الانفصال تصاعد الصراع بين أجنحة الحركة الشعبية وظهوره للعلن بشكل أكبر وربما أعنف حيث هناك من يرى أن سلفا كير رجل غير مناسب لقيادة المرحلة المقبلة في ظل نشوء الدولة الجديدة ومتطلبات بنائها.
القضايا الأخرى يمكن أن توصف بالأقل خطورة لكنها مهمة من حيث ارتباطها بحياة الناس ومعيشتهم. إن انعدام البنية التحتية في جنوب السودان سيساهم في تأجيج كل أنواع الصراعات المرتبطة بالفساد الإداري والمالي المستشري في السودان عموماً والجنوب خصوصاً.
يبقى أن نشير للقضايا التي ستبقى عالقة بين الشمال والجنوب وهي معقدة وكثيرة كما أسلفنا. هناك مشكلة الأصول المتعلقة بالتراكم أو الأرصدة المملوكة للدولة وكيفية تقاسمها، وهناك مشكلة الحدود التي لم يتم الاتفاق على ترسيمها وبقيت تشكل قنبلة موقوتة كمنطقة أبيي الغنية بالنفط، علماً أن التحريض فيها على الانفصال عن الشمال يجري على قدم وساق وقد يجر لحرب داخلية بدت معالمها خلال المناوشات بين قبيلة الدينكا وقبيلة المسيرية التي أودت بحياة عدد من أبناء القبيلتين.
إن قضية أبيي وكافيا كنجي وحفرة النحاس الغنية بالنفط تعني كذلك الخلاف على تقاسم هذا النفط الذي ينتج القسم الأكبر منه في الجنوب \"80 بالمئة\" حيث سيطالب الجنوبيون بأن تكون هذه النسبة لهم رغم عدم حسم موقع أبيي وجوارها التي تنتج الكمية الأكبر منه.
أما الديون الخارجية فستكون هي أيضاً نقطة للخلاف والمساومة، لكن الأهم هو أن هذا الانفصال سيفتح شهية مناطق أخرى على ذات المطلب الانفصالي، ومن المعروف أن الحركة الشعبية لها علاقات جيدة مع بعض هذه المناطق وقد تلجأ لدعم انفصالها عملياً كوسيلة للضغط على الشمال ما قد يقود لمواجهة مبكرة بينهما.
الانفصال كذلك سيترك آلاف السودانيين الجنوبيين في مهب الريح مع ما يعنيه ذلك من فقد الوظائف والعمل ومقاعد الدراسة وغيرها، وقد سمعنا الكثير من الجنوبيين المقيمين في الشمال يعبرون عن أسفهم وحزنهم لهذا الاستفتاء الذي سيقود حتماً للانفصال على حد تعبيرهم.
رغم أن النسبة الأكبر من سكان الجنوب وثنيون إلا أن هناك ما يقرب النصف أو أكثر قليلاً يدينون بالمسيحية والإسلام وهذه التعددية الدينية مع شبيهها التعدد الاثني والعرقي ستكون مصدراً للتوتر والاحتكاك مع الشمال إن لم يحسن التعامل معها بحكمة وحساسية، كما أن هناك نسبة كبيرة من المسلمين العرب في الجنوب بعضهم ينتمي أصلاً للشمال ستبقى عيونهم شاخصة للشمال، مع نسبة أخرى من الجنوبيين ترى في الانفصال خياراً سيئاً.
إعمال السيادة في دولة الانفصال لجنوب السودان ستؤدي كما هو واضح إلى وجود سفارة إسرائيلية فيها مع علاقات مميزة، وهذه في حد ذاتها تستفز السودانيين العرب والمسلمين، وربما تشكل حجر عثرة في طريق علاقة طبيعية سلمية بين الشمال والجنوب.
بعد الاستفتاء سيصبح السودان أصغر مساحة وأقل إمكانات اقتصادية واستطراداً ستقل سيطرة العرب على مقدراتهم المائية والزراعية وسيواجه السودان متاعب ستنعكس سلباً على الوطن العربي وقد تدخلنا في دوامة من الصراعات التي تمس مصر وغيرها من دول الجوار العربية.
الانفصال وإن بدا حلاً ديمقراطياً لمعضلة خلقتها الدول الاستعمارية على قاعدة تقرير المصير لشعب الجنوب السوداني إلا أنها خطوة لم تحسبها القيادة السودانية جيداً، وكان من الأفضل لو شاركت كافة القوى والأحزاب السودانية في اتخاذ القرار بشأنها ايضآ هناك قلق واسع يجتاح مختلف الأوساط العربية الرسمية خاصة، من انفصال جنوب السودان، وتحوله إلى حدود جديدة بين العالم العربي وأفريقيا.
وهو يعاني من تمييز سلطوي وديني مؤلم . حكومات السودان لم تنفذ في الجنوب أي مشروع اقتصادي يستحق الإشارة لدرجة أن كل الطرق المعبدة في جنوب السودان لا تتجاوز 80 كيلومترا ، والجنوب غني بالأراضي الزراعية التي لم يستغل منها حتى اليوم إلا 20% ، وهي أراضي خصبة، وأيضا جنوب السودان مليء بالثروات الطبيعية ، فعدا النفط هناك الذهب والألماس والعديد من المعادن الثمينة مرتفعة الثمن التي لم تستغل حتى اليوم إطلاقا.
لماذا الانفصال ؟
عندما تكون السلطة المركزية أسيرة فكر ديني متزمت وتطبق سياسة تمييز عنصرية، الى جانب غياب النظام الديمقراطي والفساد الواسع في قمة النظام ، فمن الواضح أن المشاكل مع الأقليات ستحتل مساحة كبيرة من اهتمام الدولة، والاهتمام الذي أعنيه ليس الاعتراف بحقوق الإنسان والقانون الدولي والحريات، بل إتباع نهج القمع والاستبداد والابادة الجماعية،وما زلنا نتابع الجرائم التي ترتكب في دارفوار، وهذه الحالة رافقت السودان منذ أيام استقلاله الأولى.
بالطبع يؤلمنا تفتيت السودان ويؤلمنا أكثر إن السنوات تمضي والسودان بوضع اقتصادي من سيء إلى أسوأ، وبحروب أهلية مدمرة، وكل محاولات تطبيق الشريعة الإسلامية في دولة متعددة الديانات، أو غير متعددة الديانات، تعني محاولة حلق مقاييس متشابهة للتفكير والعقائد وهو أمر مستحيل وثبت فشله وعقمه.
تاريخ العلاقات بين الشمال والجنوب السوداني يشير فقط إلى أن الحكم المركزي لم يلتزم بالاتفاقات التي وقعت مع الحركات الجنوبية، وعلى راسها وقف سياسة الاستبداد، وإنهاء القتال، وخلق ظروف لتطوير جنوب السودان وشماله، ومع ذلك نقضت حكومات السودان كل الاتفاقات الموقعة.
البعض يحاول البحث عن دور إسرائيلي أو دور استعماري أو دور مسيحي دولي. كل هذه المحاولات عقيمة جداً، وإذا كان من دور لإسرائيل أو الغرب أو المسيحية الدولية، فإن سياسات الشمال الظالمة هي التي مهدت الطريق لمثل هذا الواقع، وما زاد الطين بلة تبني نظام البشير لحكم الشريعة؟ بل في تصريحاته الأخيرة يعبر عن سعادة معينة بأنه بعد الانفصال سيبني دولة إسلامية. بمعنى أنه يدفع نحو الانفصال في سبيل هدفه الأعظم بناء دولة السودان الإسلامية.
ما يجري في السودان خطره يجب أن يفتح عيون الشعوب العربية كلها، بأن تجزيء أوطانها أضحى سهلاً بسابقة جنوب السودان، وأن الحل لهذا الخطر الداهم، هو في جوهر نظام الحكم.
الأكراد في العراق أيضاً يلوحون بحقهم في تقرير المصير، أي الاستقلال عن دولة العراق. لماذا لا يستقل أيضاً أكراد سوريا وينضموا لدولة الأكراد العراقية؟ هل واقعهم في سوريا أفضل من واقع سكان جنوب السودان مع حكومة البشير؟!
الأمازيغ( سكان المغرب الأصليين) أيضاً في المغرب العربي يعانون من سياسات تمييزية لا يمكن احتمالها.
الأقليات المسيحية في مصر والعراق تعاني من واقع صعب وبالغ الخطورة. وإذا لم تقم الأنظمة بتوفير الحماية، ورفع المظالم، وإقرار المساواة بنظام حكم مدني علماني ديمقراطي، فسيكون من الغباء أن يظلوا تحت حكم أنظمة لا توفر الأمن إلا لرجالها.
حين نتحدث أحياناً عن الأمن العربي لا تقصد مواجهة التحديات العسكرية والعلمية والتكنلوجية والاقتصادية التي تطرحها إسرائيل مثلاً ، والتي فشل العالم العربي في مواجهتها فشلا مخجلا.إنما توفير الأمن للمواطن بممارسة حقوقه المشروعة بدون تمييز. وضمان تلبية الضرورات الأساسية لكل مواطن، والحق في العمل والتعليم، والحق في الضمانات الاجتماعية والصحية والتقاعد ومختلف أشكال التأمينات والحق الإنساني في السكن والمياه وخدمات النظافة، كل هذه الحقوق تبدو غائبة من العالم العربي، وتحويل مفهوم الأمن العربي إلى مفهوم سياسي عسكري، هو أيضاً غائب عن الواقع العربي.
في التلخيص الأخير، لو كنت جنوبياً في السودان، لما اخترت الا الانفصال!!
ولو كنت قبطياً في مصر أو العراق لدعوت لطرح موضوع الحصول على شكل من أشكال الحكم الذاتي، وتنظيم ميليشيا خاصة وأجهزة خاصة لضمان الأمن والحماية.
نفس الأمر في المغرب العربي مع الأمازيغ.
هل هذا هو الحل الوحيد؟!
بالطبع لا، ولكن مع استمرار تسلط أنظمة عربية طائفية، قبلية، فاسدة، لا أرى حلولاً أخرى في المدى القريب! من هنا يجب علينا قادة ومواطنين أن يعوا أن الحفاظ على الأمة مهمة مقدسة، عليهم أن يتنازلوا لبعضهم البعض قبل أن يأتي الطوفان ويلتهم الجميع، حينها لن يكون باستطاعة أي طرف أن يستعيد ما كان ممكناً تحقيقه قبل سنوات، ولنا في التأريخ عبرة لمن يريد أن يفهم من هذا المنطلق يأتي القادة ويذهبوا كما اتوا ولكن تبقى الافكار))اقول لريبيكا عندما اغتال الغرب وجواسيسه جون قرنق اغتالو معه الوحدة لانها هي من افكاره وكنا نردد (( نحن روحان حللنا بدنا..منقو قل لاعاش من يفصلنا.))


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 766

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد ابراهيم عبدالله
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة