المقالات
السياسة
المنسيون في سجون النظام
المنسيون في سجون النظام
01-11-2014 05:55 PM


بسم الله الرحمن الرحيم
المنسيون في سجون النظام
بعد الإستيلاء الغادر علي السلطة في السودان، عبر الإنقلاب العسكري المدعوم من قبل تنظيم الجبهة الإسلامية، حكم التراجع والتردي الواقع السوداني، كإنعكاس طبيعي ومتوقع ومعبر عن الحكم الشمولي الغاشم، والمُعادي للحريات والكرامة والإبداع والأمل، ليس بقصد التعمُد(والذي لا يعفي من سوء النية وفساد الطوية للإنقلابيين)، ولكن لطبيعة الأنظمة العسكرية الإستبدادية نفسها! بوصفها لا تستقر وتستمر إلا في بيئة من الكبت والقمع ورفض الآخر، بل وإحتقار الشعب المحكوم القاصر! الذي تُرحل إليه كل الإخفاقات والتدهور والتردي! كجزء من آليات الحماية الذاتية، وفي ذات الوقت تفسير لحالة غياب الوعي والمسؤولية، التي تتميز بها تلك الأنظمة من الحكم! والتي تتخذ لدي ممارسيها طبيعة الغاية، وهي بدورها تتماهي مع تقديرهم المتجاوز لذواتهم، أي كذوات متفوقة ومتعالية ومتميزة، وتاليا نائبة عن المقدس المطلق علي الأرض! بمعني أنها ليست وسيلة متداولة، ومحكومة برضا المحكومين، وتسعي بما تملك من تفويض وقدرات وأدوات، لتحسين الأوضاع وحل المشاكل وإزالة العقبات، لغرض إنتاج قيم جديدة وروح جديدة، تدفع بالحياة الي الأمام، بما يتفق ومسيرة التاريخ الصاعدة، او إستجابة لسنن الحياة في التجاوز والإستفادة من الأخطاء ومراكمة الخبرات، وهذا بالطبع سمة الأفراد والأنظمة الجادة الحكيمة، والساعية بحق وإخلاص لأداء وظيفتها المنوطة بها. وبتعبير آخر، أصبح التردي والتدهور، هو السمة العامة في البلاد! وبقدر ما طال مُنتجيه(الحكومة/النظام)، نجده أيضا طاول المعارضة بكل تشكيلاتها، ومنظمات المجتمع المدني ومن بعدهما المجتمع المحكوم. بمعني، إن العجز أصبح هو الحالة المُسيطرة، سواء علي الحكومة، بإفلاسها سياسيا وإقتصاديا وحتي قيميَّا! او المعارضة بفشلها المُتكرر، ليس في تغيير النظام الفاشل فقط! ولكن حتي في إمتلاك القدرة والأدوات التي تُمكِّنها، من توظيف هذا التردي، في بناء موقف معارض صلب، يجتذب اكبر قاعدة من الجماهير! او يُمكِّنها علي الأقل من الوقوف كند او خصم شرس، تضع له الحكومة الفاشلة المتهاوية، الحساب او الإعتبار والإحترام. والأسباب في ذلك العجز عديدة، ولكن أهمها وكما ذُكر كثيرا، هو تركيز الحكومة علي إضعاف المعارضة والعمل المعارض او مجرد بناء الموقف المعارض، أكثر من إهتمامها ببناء الدولة او ترقية الأداء السياسي والوظيفي والخدمي! وإنعكس ذلك في صورة طبع البلاد بالطابع العسكر/أمنجي، وذلك بتحويل البلاد الي سكنة عسكرية! فحيث ما إمتد بصر المواطن، يجد نفسه مُحاصر بنقاط التفتيش ومراكز الشرطة ووحدات الجيش، ومظاهر الأمن داخل دواوين الحكومة وفي الأسواق. وإضافة الي ذلك البرامج والإعلام العسكروأمني، أي الرقابة الذاتية الأمنية، التي تحكُم فضاء العمل الإعلامي في الداخل! بل حتي ملابس الطلبة وبعض اللغة والمفردات اليومية، لم تنجُ من هذا المصير القاتم! بمعني إن الفضاء العسكروأمني، إحتل فضاء الحرية وهامش الحركة والتغيير، وقيد ليس القدرة علي حركة وفعالية المعارضة، او التعبيرات البسيطة المنظمة للمواطنين فقط! وإنما خلق نوع من التبرير لذلك الفعل، عبر الدخول في نزاعات مُفتعلة ولا حد لها مع الأطراف، طوال فترة وجوده! وتصوير ذلك الواقع الهروبي من دفع الإستحقاقات التشارُكية في السلطة والإقتسامية للثروات! وكأنه حالة طوارئ مفتوحة ودائمة، يمتنع في حضورها الإنصراف لقضايا هامشية، من شاكلة الحريات والديمقراطية او مجرد التعبير البسيط عن الحرمان من أبسط ضروريات الحياة! بمعني، أن الحكومة تسعي لتكريس الإرهاب وكأنه مطلب او حوجة شعبية!!
إضافة الي ذلك، التحطيم المُتعمد لأهم أدوات المطالب التنظيمية، أي النقابات. بل شمل التحطيم، المشاريع والهيئات نفسها، والتي تستوعب أكبر قدر من الجماهير الواعية بمتطلبات مهنتها، وتاليا حقوقها(السكة حديد النقل النهري المواني البحرية مشروع الجزيرة...الخ)، بمعني أنها غير الجانب المهني، فقد كانت مدارس لرفع الوعي النقابي المطلبي، أي تجذير للصراع السلمي بين الطبقات وبالأصح السلطات، او من أجل تعديل علاقات الإنتاج بصورة حضارية، بحيث تقترب من قيمة العدالة وتقطع مع شبهة الإستغلال، لتلبية إحتياجات جميع العاملين، والتي تدفع بدورها لزيادة الإنتاج وخلق بيئة الإستقرار. والأسوأ من ذلك سيطرة الحكومة بصورة مُطلقة علي التوظيف، والذي لم تستنكف في تحويله الي أحد وسائل سيطرتها وحمايتها، ولو علي حساب المهام الوظيفية والمصلحة العامة! والمحصلة، أن الحكومة داومت علي بث نوع من الإرهاب ونشر الخوف والقلق الأمني والإقتصادي لدي المواطنين! وقاد ذلك الوضع، لصعوبة العمل المعارض من جهة، أي بتضييق هامش حركته وتأثيره، ومن الجهة المقابلة، جعل الجمهور المعني بالتغيير، ينصرف إما للبحث عن المخارج الآمنة التي لا تكلفه مخاطر، أي الرضا والقبول بالأمر الواقع! أو بالحرص علي ما يملكه من منافع إقتصادية لا تفي بأبسط حاجاته، خوفا من فقدان حتي هذا القليل! خاصة وهو يواجه نظام غير معني به أساسا، لأ علي المستوي السياسي الخدمي الإقتصادي او علي المستوي الإحترامي التقديري! ولأ يتورع عن إستخدام كافة الأسلحة الشرعية منها وغير الشرعية، ضد المواطنين، لقهرهم وكسر شوكتهم وإهانة كرامتهم، من أجل إستدامة بقاءه في السلطة. خاصة وهو نظام قائم أساسا علي عدم ثقته في الشعب. ومع إستمرار فشل النظام سياسيا وعجزه المتوقع تنمويا، يزداد عجزه في تقديم خدمات مرضية للمواطنين او مجرد كسب القليل من ثقتهم فيه، وتاليا تزداد حساسيته وقلقه وظنونه، تجاه مطالب الحريات العامة او حق التعبير، او مجرد المس بأي جزء من مكتسباته غير الشرعية! ومع إستمرار الضغط علي النظام، بسبب إخفاقه حتي في تلبية ضروريات الحياة! تزداد شكوك النظام في المعارضة ومن ثم الشعب المحكوم، وتفيض هذه الشكوك لتطال جسد النظام نفسه!! ويبدأ في التخلص من عناصره المشكوك في ولاءها! لتنحصر دائرة القرارات المصيرية، التي تؤثر علي الدولة ككل، في دائرة ضيقة مضطربة، أكثر ميل عسكري ووعي أمني، أي حلقة تتميز بتغليب الجانب الدفاعي علي الجانب السياسي والتنظيمي! وتاليا كل ما يصدر عنها، يتسم بالتردد والخوف والشكوك، والإبتعاد عن دائرة التعقل والحكمة والمصلحة العامة، المرتبطة بدورها بالهدوء والثقة والشرعية!
في ظل هذا الواقع المتردي أعلاه، وهو بطبعه واقع مُحفز علي الرفض، او الثورة عليه والتصدي له! قامت ثورة سبتمبر التي لم تكتمل فصولها، بسبب غياب التنظيم المُحْكَم، الذي يديرها، بناءً علي موقف مسبق قبلها، يحدد أهدافها وسائل عملها وإستمرارها وإحتياطات نكوصها وتراجعها. وأيضا غياب تقدير حجم قوة وعوامل سيطرة الحكومة/النظام، وكيفية التعامل معها! إما بإستقطاب الجزء الهام والمؤثر فيها، وتوظيفه بعد إقناعه بالإنضمام للثورة، التي ستوفر له الحماية والمشاركة في بناء المستقبل، أو علي الأقل تحييد الجزء الأعظم من تلك العوامل، وجعل المواجهة مع النواة الصلبة للنظام/الحكومة، وهي الجهة الأكثر إستفادة من الحكومة وإستمرارها. خاصة وأن المسالة بالنسبة لها، تخطت مسألة التخلي عن الحكم، الي مرحلة البحث عن الحماية الشخصية! بسبب ولوغها في دماء الأبرياء والفساد المالي والسياسي العظيم. بمعني، أن السلطة لم تصبح لديها إمتياز مجتمعي وعقدي أو إيديولوجي فقط! بل أصبحت ساتر يمنع عنها المحاكمات و المحاسبة، سواء في الداخل او الخارج. أي تحولت السلطة من ترف يرضي غرور النفس الي حاجة لحماية النفس وخلاصها! بهذا المعني، يصبح التعامل مع جهة كهذه، أكثر صعوبة ومخاطرة وجذرية! مما يستدعي وضع أكبر قدر من الإحتياطات، وتوقع أسوأ ردات فعلها!
المهم، إنتهت المواجهة وبالأصح الجولة، بين الجماهير صاحبة الحق والحكومة المغتصبة لتلك الحقوق، بسيطرة الحكومة علي الأوضاع! ولكن بعد أن تعرضت كرامتها للإهانة وشعبيتها المزورة للتمرغ في التراب، وقبضتها الفولاذية المتوهمة للإختبار القاسي، وفقدت من جراء تلك المواجهة، ما تبقي لها من إحترام لدي الغافلين! خاصة وهي تمارس أقصي درجات العنف والتقتيل المتعمد للمواطنين العزل! وبعد إنتهاء هذه المواجهات الدامية، تعرض المنتفضون والثائرون لحملة إعتقالات عشوائية عمياء. ومن ثم فُتحت في حق غالبيتهم تهم جنائية! بقصد تحويل القضية من طابعها السياسي المطلبي المستحق، الي قضية جنائية تجريمية، تبعدها عن أرضيتها التي إنطلقت منها. وذلك لأن تحويل القضية الي وجهتها الحقيقية أي السياسية، وبقدر ما يمثل دليل براءة للمتهمين!! أصحاب الحق في التظاهر، فهو يمثل دليل إدانة للنظام/ الحكومة، التي صادرت هذا الحق بغير وجه حق. وبتحويل القضايا السياسية الي قضايا جنائية، تكسب الحكومة الظالمة القضية! لأنها سلفا وضعت دستور وقوانين إحتياطية، لمواجهة مثل هذه الحالات المتوقعة لديها، بحكم الهاجس الأمني الذي يسيطر عليها، بوصفها منظومة غير شرعية وغير جديرة بالبقاء! فهي كمن يلعب دور القاضي والجلاد في هذه القضية المصيرية! بإعتبار أن هنالك خطوط حمراء او مناطق محرمة علي المعارضة والجمهور، وأي تجاوز لها يمس شرف وكرامة النظام/ الحكومة! وتاليا ردة فعلها مبررة ومشروعة، سواء بإستخدام القوة العارية، او باللجوء للقوانين الشكلية التي تحفظ لها حقها علي الدوام! وبكلام أكثر وضوح، إن القصد من الإعتقالات والمحاكمات والدستور والقوانين، ليس البحث عن العدالة ولو في أسوأ مظانها ومصادرها! ولكن القصد الأساس، ترهيب الجمهور، وكسر عزيمة الثوار الأحرار، وإهانة المناضلين وتسفيه أنبل أنشطتهم! بقصد جرح كرامتهم! وذلك لردعهم عن درب المطالب الوطنية العادلة والمستحقة، والساعية لتحرير شعبهم من قبضة الطغمة الفاشية، والمتحكمة في مصائر البلاد والعباد، والتي تعاني سلفا من قصور الوازع الوطني، وضمور القدرات السياسية والإدارية والقيادية!
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بصراحة وتأنيب للضمير الوطني! هل يمنع إرهاب الحكومة وسيطرتها علي الفضاء الإعلامي والسياسي والإقتصادي! أن تقف الجماهير والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، موقف أكثر وضوح وقوة وجرأة ودعم مادي ومعنوي، مع أولئك المعتقلين والمصابين والجرحي، أبطال الإنتفاضة (السبتمبرية) الماضية؟! هل من المروءة الوطنية، أن يترك هذا الأمر الجلل، الذي يُماثل رد الدين لمن خرج الي الشارع، وعرض نفسه للموت من أجلنا! أن يتركوا فقط لأسرهم وأصدقائهم وبعض الجماعات النبيلة، والتي مهما اوتيت من إمكانات، تظل قليلة الحيلة والقدرة، ومكشوفة الظهر ويسهل علي النظام مضايقتها والإستفراد بها، لذلك يصعب عليها وحدها القيام بهذا الواجب العظيم، والذي يرقي لدرجة الواجب او الدين الوطني! ألا يمثل التخاذل عن هكذا واجب؟ رسالة سلبية للآخرين، الذين تجري في دماءهم جينات التضحية والفداء، من أجل وطنهم وحقوق شعبهم، أن عاقبة تصديهم لجور السلطة المغتصبة الغادرة، التجاهل والنسيان والإهمال، من أصحاب القضية الأصليون(بقية الشعب المستبعد من حقوقه الإنسانية والقانونية والوطنية او الشعب المنفي داخل وطنه وخارجه)؟! ألا يمثل هذا الموقف المتهالك! دعم بصورة غير مباشرة للنظام الحاكم، ليستمر في إذلاله وقهره للمواطنين؟! وهو يري شرفاءهم يتعرضون لهذه المواقف المخجلة من أبناء طبقتهم او فصيلتهم التي من المفترض أن تؤويهم!! وهل المسؤولية تقع علي عاتق المواطنين في الداخل فقط! أم تطاول حتي السودانيين في بلاد الشتات؟! وذلك ليس علي المستوي المادي، المتمثل في توفير تكاليف العلاج والرعاية لهم ولأسر الشهداء، والسعي بجد لتوفير مهن لمن صودر حقه في العمل فقط، ولكن أيضا علي المستوي السياسي، بالوقفات الإحتجاجية أمام السفارات وعرض هذه القضية الإنسانية الوطنية أمام المنظمات الحقوقية والقانونية الدولية، لأنها في حد ذاتها تمثل أحد أدوات المواجهة السياسية والشرعية الهامة، في محاربة هكذا نظام ظالم مجرد من الفضائل، ووسيلة فعالة لمحاصرته. كما أن إستغلال هذه القضية سياسيا، يصب في نفس الهدف الذي ضحي من أجله أولئك الأبطال، أي يمثل إنحياز لرغبتهم الصادقة والعادلة، في إسقاط هذا النظام والخلاص من آثاره وذكرياته المريرة!! وفي هذا أكبر تعويض وتكريم لوقفتهم البطولية، التي ردت لنا الكرامة والكبرياء اللذان سحقهما هذا النظام الباطش طويلاً.
والخلاصة، أننا كلنا شركاء في هذا التقصيِّر، سواء كنا في الخارج او الداخل. وهو تقصير لا يجبره، إلا السعي بجد والضغط من أجل إخراج كل من هو معتقل الآن! ومعالجة كل المرضي والمصابين ورعاية أسر الشهداء، ورد الإعتبار لهم ولدورهم البطولي، الذي أشعل شمعة أمل طال إنتظارها في طريق الخلاص. وتكريمهم بطريقة تليق بما قدموه، ولو انه يستحيل مكافأة من يقدم نفسه، فداءً للوطن والشعب وعدالة القضية وحفظ الكرامة الإنسانية وإعلان الأمل في وجه المستحيل. ولكن علي الأقل لتبرئة ذمتنا أمام التاريخ.


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 758

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة