المقالات
السياسة
ذكريات علي ضفاف النيل
ذكريات علي ضفاف النيل
01-15-2014 06:55 PM


تمر بنا الأيام والليالي دون ان نشعروتقربنا السنون إلي أجلنا المحتومة ويومنا الموعود، وتحمل لنا الأعوام والساعات أخبارا سارة مليئة بالبهجة والحبور وأخرى ضارة مفعمة بالحزن والأسى! كما يحمل العام في طياته الأتراح والأفراح والبشائر والأنذار المبكرة للأشياء الجميلة في حياتنا.
أنظرُ إلي السنوات الخمسة الأخيرة فأتذكر لحظات الغربة القاتلة، كما أتذكر لحظاتها الجميلة وساعاتها الراعة في المقاعد الدراسية أوفي الحدائق العامة وعلي ضفاف النيل والمكتبات التي تعج بأصناف العلوم والمعرفة، فأتعجب كيف مرت الأعوام هكذا سريعة وكلمح البصر! وفي خضم تيهي علي وادى الإستفهامات أتساءل: هل هرولت بنا السنون؟ أم أسرعت ومرت كالبرق وكالموجات السريعة؟ أم أننا لا نحس مرور الأيام والليالي بإنغامسنا في ملذات الدنيا وشهواتها وجمالها الفاني؟.

خمسة سنوات عشتها علي أكتاف الجمال ومدينة الخرطوم الساحرة ،وتحملت مشقات كثيرة بسبب العلم وتحصيل المعرفة، ورقصت علي أهداب الزمان بخيلاء وشموخ، وعزفت العود وبنغمات رقيقة علي كورنش النيل وفي أعتاب المنافي المتعبة بالأغاني المشحونة بذات الروح من الوجع والألم، كما أحببت الحدائق الخضراء المنسقة بالزهور و عنذ ملتقى النيلين في المقرن الثملة بسكرة المشهد وشذوى الألحان ذات الإيحاءت الرومانسية التي تصدح من أعماق الأجساد وفي صميم الأبدان وواحات التسوق المتناثرة فوق شاطئ النيل، واجتاحتني وأنا متلفع برداء الغربة المطاطي مسحة شوق غامضة ومضة حب عارمة أولطمة حياتية موجعة في دروب الحب الطويلة.

في غربتي الأنيقة قطفت ثمارا يانعة من بساتين الذاكرة الرمادية، وتعللت آمالا أيقونية ساطعة، وسامرت أطياف الجمال وزرائب الأحزان في هدأت السحر، وتنعمت في حضن الخرطوم الدافئ أحيانا واللافح أحيانا أخرى في عز الغربة والشوق وفي منتصف الصيف الخرطومي الساخن، وكانت الدراسة مجرد مسكنات آنية تقطع لوعة الغربة في الليالي الباردة، وعندما يجتاحني لهيب الشوق كنت أردد في غربتي بإستمرار أغنيات كلاسيكية مختارة، ذات أوتار خماسية ورنات موجعة ولمسات إنسانية وتشويش عاطفي وحس شاعري جميل أمثال:

TACLIINTAAN USOO DHOOFAYEEN UGA IMID DHULKAYGII DHAYAL ILAMA AHA OO WAAN DHOWRAYAAYEEY.

"التعليم التي سافرت وتركت وطني من أجلها ليست هينة عليّ وسأحافظها وأعتنيها دوما".

خمسة سنوات كانت الكتب رفيقي في الحل والترحال والأقلام أصدقائي في كل حين، وكانت ملتحفة بتناقضات الحياة والمسالك التي يطول فيها العبور، أخبار مظلمة وأجواء صحراوية جرداء وطقوسات رطبة شتائية وتدافع الأفكار وتنمية العقل والإدراك، وتنقلات عجيبة من نيروبي لندن أفريقيا إلي عطبرا بلد الحديد والنار، ومن جكجكا عاصمة الثقافة الصومالية الأصيلة والرقصات الشعبية الموغلة في الوجدان الصومالي إلي بهردار وموضع الجمال في العمق الأمهري وأعالي هضاب الحبشة.
عشت في الغربة والأحشاء تحترق،! وعكفت فوق ربى الحزن أطالع صفحات وطني وحب شعبي المليئ بين قصبات الضلوع كأنه مرسوم علي لوحة سريالية تربطني بأفراد شعبي وتاريخ بلدي، فتزيدني شوقا ولذة خاصة تسكن بين العيون والرموش.

2009،2010،2011،2012،2013 خمسة أعوام مشحونة بالشوق والضنى ومفعمة بالألم والشجن تبتسم كغرة الربيع وتبكي كالثكالي، ولم تكن سوى سنوات غائمة وأرقاما سديمة المعني تائهة المعالم بلا طعم ولافائدة، وأياما تئن وتتوجع ولا تؤنس وحشة الفراق في دياجير الغربة وقيودها التي لا تلين، كما كانت سنوات لا تخلو عن ساعات أحسست بفرحة الفرج بعد الضيق وأياما متألقات تشع عنها الدفء والنور، ولحظات تفيض جمالا وتتآلف القلوب وتندمج النفوس إليها، وكسمراوات الحي رشيق القوام نحاسي البشرة.
هنا الزمن يمشي سريعا وكأنه يلاحق موعدا، وتمتزج التاريخ بالجغرافيا وجمال النيل الذي أصبح نهرا يرتبط في السودان بموروثات الهوية والحضارة، في السنة الأولي من سنوات الغربة والضياع كنت كورقة متعاكسة تدور حول نفسها! وكنت أناجي أشجار التمر الباسقات التي يتدلي منها الرطب كضفائر الغواني في عطبرة مع رفقة أجلاء وأصدقاء أوفياء عاشوا في دار جعل برفقة الكرم والشهامة، ولم تكن السودان حينها في نظرة مراهق أبعدته الحروب والصراعات العبثية عن وطنه سوى بلد غريب عنوانه النيل وشعاره العزة ولسانه دارجي وتكاليفه باهظة وصعبة.

وقُطر كثير القوانين واللوائح يصعب لقرصان مثلي جاء من أقصي الشرق للقارة يحمل تمردا لكل القوانين في جيناته وقلبا ناصعا لم تغتاله أيادي الحقد وبقايا سبحة ويقين أستعين بها في نوائب الدهر، وحبا جارفا للعلم والمعرفة أجبره ليحط به الرحال إلي وسط الصحراء العتمور والكثبان الرملية في اللوى القريبة للجداول، وفي تلك السنة وفي جناب البرلوم كنت أتذكر ملاعب الطفولة ومدارج الصبا ورمال الشواطئ الدي يشكل النبض الأكبر في بلادي.

أما العام الثاني الذي حملني طيف الغربة إلي عمق السودان والعاصمة المثلثة فقد كان عاما مترعا بالبهجة والجمال رغم الأسى ولوعة الغربة! تعودت أكل الفول محبوب الجماهير وصديق البسطاء وزميل الكادحين وحديث السمار، وأصبحت ماهرا في تحضير الفتة والطعمية والجبنة والشاي وبطريقة أهلي في أقصي الجنوب من الوطن، وكونت علاقة رومانسية غريبة أرسلتني من سكون الغربة إلي دفء العشق وتربة الوطن.

إرتبطت بإنسانة لطيفة وفتاة لامعة في أوساط الطلبة الصوماليين في تلك الفترة، حبها كان يهوّن علي كثيرا من السآمة والملل ورهبة الغربة، أحسسنا كثيرا تدفق الحب في أوصالنا علي وقع موسيقي الجاز والألعاب التقليدية السودانية التي تصدح في حناجر السمراوات داخل السينما والقنوات الثقافية والمسارح المطلة علي النيل العظيم، وضحكنا كثيرا من أجل الأمسيات المبللة بقهقهات الحب المجلجلة والصباحات المتألقات في الحرم الجامعي وفوق الكراسي الدراسية، وبكينا كثيرا من أجل أحبة رحلوا عن دنيانا الفانية إلي دار البقاء، وآخرين قلبت لهم الدنيا ظهر المجن وشربوا كؤس الحور بعد الكور أصنافا!.
في بداية السنة الثانية من الدراسة الجامعية والإنخراط في السلك التعليمي لجامعة افريقيا العالمية بدأت أستأنس لقصص الطلاب وتجاربهم وأستوعب ثقافاتهم المتعددة وأساطيرهم المتنوعة، وفي ذكر هذه الجامعة الشامخة وهذا الصرح العلمي الكبير أتذكر أصدقايئ من السودان وتشاد وتنزانيا ويوغندا والصين وسريلانكا وجزر القمر وبنين وتوغو وبوروندي ورواندا ومالي، كما أتذكر الداخليات وقاعة الطعام التي تشبه ساحة الأمم المتحدة والمبني الفاخر لها الرابض بشموخ في عاصمة الموضة والإقتصاد الأمريكي نيويورك، جنسيات متعددة ولغات مختلفة وسحنات متباينة وأفكار متناقضة وتوجهات متعارضة وأيديولوجيات متقاطعة تعيش جنبا إلي كتف في الحرم الجامعي وفي الغرف السكنية في الداخليات والفصول والملاعب!.

الغربة صناديق مختلفة وأغلبها حزن مشوب بأمل ولا تدري أي صندوق سيفتح لك أولا، لذا فهي محفوفة بالمخاطر ومزدانة بالمفاجآت الجميلة التي لاتخطر علي بالك، ومن أصعب الأشياء التي واجهتني في الدراسة الجامعية كان المعمل الكيميائي الذي لم أر يوما في حياتي!، مدارسنا المتواضعة كانت تفتقر إلي الأساسيات ناهيك عن الأشياء التي تبدو وكاتها رفاهية في أعيننا،! وكانت المدارس شبيهة لحالة الطوارئ في بلد لم يعرف الأمن والإستقرار أكثر من عقدين من الزمن، لذا كان تحضير المحاليل وحفظ أدوات المعمل من : السحاحة والدورق والأنبوبة والقمع وحامل اللهب، وصفعات ولطمات الأستاذ "إمنع الكلام" أستاذ المعمل، والهيدروكلوريك أو كلور الماء HCL، والعناصر المتفاعلة والطريقة الصعبة لإحضار العينات وكتابة التجارب وصعوبة الحياة وندرة المواصلاة إلي جبرة في الثانية ظهرا وفي شمس الخرطوم الحارقة، كلها تركت في وجداني ترسبات سئية وخيبات متتالية وذكريات غير جميلة لا تخلو نوعا من البهاء وإن كانت علي حفيف الغربة، مما يجعل ذلك العام من السنوات التي لا أنساها أبدا.
2011م أجمل سنوات الغربة علي الإطلاق وأقصر سنوات المنافي وأنضرها، بداية عادية لسنة جديدة إنتقلت إلي عمارة جديدة مكونه من أربعة طوابق لم أسكن أجمل منها في حياتي، وفيها زرت مسقط رأسي بعد غياب دام (15)عاما كما زرت الأقارب والأحباب ومهد الطفولة وعشت لحظات جميلة لا تتكرر، ولكن في منتصفها وقفت في حافة المجهول دراسيا بسبب تهوري ونزق الشباب، وفيها فقدت إنسانا عزيزا علي حياتي وآخر من يعيش بيننا من صلب قرني جدي الكريم، وأخيرا رحلت عنا بهدؤ لاتثير الزوابع ولا تنثر الضجيج ، بل ولت كما جاءت وهي منقبة بحياء عجيب وأحلام كبيرة تصرخ وأمنيات مشروعة إغتالها الواقع.

2012م حققت واحدة من أجمل أحلامي وأمنية كانت مرسومة في ذاكرتي علي لوحة من الكوارتز الأبيض وتعزف في أركان وجداني لحنا بلا وتر، وصرتُ الإنسان الذي كنت أريد أن أكون رغم بعد المسافة وطول الطريق، كنت محبا للقراءة والكتابة ومشغوفا بإقتناء الكتاب والمجلات منذ نعومة أظافري، وكنت أسعي دوما إلي القمة والتربع علي هامات المجد، ولم أقتنع يوما في الحضيض ولم أطمع سوى المعالي والتسلق إلي أعلي قمة في أعلي جبل لأغرد وحيدا هناك، وكان طموحي يعانق عنان السماء ويكبر معي كلما كبرت ويقفز معي ضروب الحياة وقفر المعيشة ، أحببت أن أكون كاتبا رغم قلة بضاعتي وصعوبة التجربة وضيق أفقها وندرة الأدوات المساعدة لهذه الأمنية المشروعة في مجتمع لم يعرف سوى الشفاهة شئا يحفظ له تاريخه وتراثه، وفي وطن يساهم ترهل الهمم ويلفظ كل القامات ويشرد الكوادر العلمية ويرسل الأدمغة المثقفة إلي المهجر والمنافي بنزق وجنون.

حاولت فعثرت فنهضت رغم الجراح! وتركني الواقع أمام الطرق المسدودة ألاعب أحلامي وآهاتي! ولكن لم أرم المنديل ولم أستسلم ولم أشك يوما بقدراتي وأن حلمي سيصبح حقيقة، إستهزأ الجميع بعنجهية وحسد! ورأى البعض محاولتي الدؤؤبة نحو المجد أنها نزوات مراهق أو سخافة شاب وترهات معتوه مهوس بالكتابة وأماني مكتوبة بورق الكربون، وبعضهم حاولو إذلال شخصيتي وتضعيف عزيمتي واغتيال طموحاتي حين قالوا: من يقرأ ما تكتبه أنت؟ ومن يهدر وقته ليطالع سطورك المهترأة وأحرفك الباهته وفكرتك الطفولية؟ ولكن جذوة الأمل كانت متقدة في أعماقي رغم الظروف والمطبات.

2013م نفضت عنه غبار السنين وعانقت المجد فيه، تخرجت من الجامعة ورحلت من السودان وتركت مبكيا علي ضفاف النيل والحدقات الجميلة لخرطوم السلام وحيي الأنيق الصحافة شرق، ورحلت بعدما أصبحت سودانيا بالأصالة وعشت مع سودانيين كرام أمثال أبوبكر خليفة، كرم يمشي علي وجه الأرض وعز ورثها من الجابرية في الريف السوداني العريق والعرق دساس يا جماعة، ومحمد شكر الله شهامة عربية أصيلة وإكرام الضيف مغروس في جيناته الحاملة أنفة العروبة وشاعرية الأعراب، ومهند عبد المجيد شيخ الفصل وإمامنا في العراء وخطيبنا في الرحلات الجيولوجية، وعلي محبوب الطلاب، والمشاغب محمد شرف والوقور عمر الفكي والمجنون العبقري دفع الله محمد محجوب والسهل الممتنع موسي محمد ورجال آخرون أكن لهم ودا صافيا وحبا أبي إلا أن يسكن في أعماق وجداني تركتهم وفي مقلتي دمعة بعد بسمة! الدموع لفراق الأحبة والرحيل المرتقب من السودان الحبيب!، والبسمة من أجل العودة الحميدة لأرضي وأبناء بلدي وشرق قارتنا الجميلة وفي حضرة السمراوات ذات القوام السمهري والأنوثة المتوثبة.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1097

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#886847 [سودانى طافش]
3.38/5 (6 صوت)

01-16-2014 04:27 AM
إن شاء الله تكون عرفت مشاعرنا كيف نحوكم ياخى حلوا عن سمانا وأتركونا فى حالنا ..!


ردود على سودانى طافش
European Union [حسن محمود قرني] 01-16-2014 01:10 PM
شكرا يا طافش


حسن محمود قرني
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة