النبقة
01-16-2014 12:25 AM

حكايات الحلة


كانت امدرمان القديمة فى الأربعينآت من القرن العشرين محدودة المساحة والاحيآء ، وكنا لانزال فى مرحلة الطفولة وفى مراحل التعليم الاولية ، وبحكم السكن فى فريق ريد من منطقة الموردة ، بالقرب من النيل والذى نسميه البحر ، وكانت المنطقة الممتدة من حديقة برمبل والتى تغير اسمها الى حديقة الرفيرا ثم تغير الأسم بعد ذلك الى منتزه الريفيرا العائلى ، ويليها مباشرة شمالا" طوابى المهدية والى المسرح القومى ودار اذاعة امدرمان ومبنى التلفزيون وجنينة الهادى على الشاطئ والتى أصبحت جنينة السيد عبد الرحمن المهدى ، وكانت مرسى ليخته المسمى الطاهرة ، وكانت هذه المنطقة مسرحا" للعبنا ، ففى البحر نعوم ونشرك السمك ، وفى أعلى الأرض فوق الشاطئ نصطاد الطيور ونلعب كرة الشراب ، ونجرى فى سباقات بيننا فى الساحة التى تحتلها الآن جامعة القران الكريم للبنات وقبل ذلك كانت مدرسة الحرية المتوسطة للبنين وناظرها وصاحبها الاستاذ الكبير المرحوم احمد بابكر البشير ، ثم شيدت بجانبها شمالا" مدرسة امدرمان الثانوية للبنات وهى اول مدرسة ثانوية للبنات فى السودان ، وفى المهدية كانت هذه المنطقة يحتلها سجن الساير الرهيب سيء السمعة كبيوت الأشباح فى عهد الأنقاذ وكان الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود اذا قدر له الخروج ، وكان سجينا" فيه سلاطين باشا والأب اورهولدر ، وكذلك قائد المهدية الكبير الزاكى طمل هازم الاثيوبيين والعالم الكبير الحسين الزهرة كبير قضآة الاسلام فى المهدية وماتا بداخله ميتة شنيعة ، وكان امام طوابى المهدية صهريج للميآه لامداد المدينة بالميآه ، ثم ألغى واستبدل بالصهريج القآئم فى حى بيت المال عندما اتسعت المدينة ، وهذا بدوره اضيفت له صهاريج عديدة عندما استمرت المدينة فى الاتساع . وقصدى من هذا الأسهاب هو تبيان وتحول قطعة الارض هذه فى عدة ازمان ، وطوابى المهدية الموجودة حاليا" كأثر من الماضى أمر الخليفة عبدالله بعملها لتصد البوارج الحربيه لجيش كتشنر الغازى من المرور والوصول الى كررى ، ويوجد فى كل طابية فتحات للبنادق واخرى أكبر للمدافع ، والطابية عبارة عن حآئط غليظ السمك .
وكانت هذه المنطقة مسرحا" لالعابنا كما ذكرت آنفا" وخالية من البنيان وتملأها اشجار وشجيرات اللالوب والنبق والحنبك والعشر ، وكانت هناك على الشاطئ شجرة نبق كبيرة ظليلة تحمل من اغصانها ثمارا" وفيرة شهية من النبق ، وثمار النبق حلوة وطرية عندما تنضج أو عندما تجف ، وكنا نستمتع بتناول تلك الثمار . وفى يوم كان نحسا" علينا وجدنا رجلا" غريبا" جالسا" تحت الشجرة وكان ضخم الجثة له عينان حمراوان كأنهما تقدحان بالشرر ويرتدى جلابية قديمة رثة متسخة وينتعل مركوب قديم مهترئ ويضع الى جانبه بقجة صغيرة وعكاز كبير ، وله لحية كثة وشارب غزير وخطهما الشيب ، وكان أشعث أغبر الهيئة ، وكان كل واحد منا يحمل جريدة نخل طويلة لناخذ بها النبق من الشجرة ، وتوقفنا لحظة ثم تقدمنا نحو الشجرة ، فصاح فينا صيحة قوية منكرة : ماشين وين يا شفع ، اوعكم تحتوا النبق ، واضطربنا ولكن تمالكنا انفسنا بسرعة وقلنا له :؛ لكن يا عم انحنا طوالى بنشيل النبق من الشجرة دى وبيوتنا قريبة من هنا ، وصرخ فينا صرخة مروعة : الكلام ده كان زمان وهسة النبقة دى بقت حقتى والبقرب منها بكسر ليه راسه بعكازى ده ومافى نبق الا بالقروش ، وكان ذلك الرجل الغريب المتوحش يغيب من تحت الشجرة ساعات عديدة اثنآء اليوم ، فكنا نستغل غيبته فى أخذ النبق من الشجرة ، وفى مرة عاد مبكرا" وضبطنا ونحن نأخذ النبق من الشجرة ، وصرخ فينا صرخة مدوية ، وجرينا كالريح المرسلة ، وطاردنا ولم يتوقف الا عندما وصلنا الى الحلة ، واخذ فى شتمنا وتهديدنا وتوعدنا قائلا" : ليكم يوم بتروحوا منى وين .
وقر رأينا على أن نستعين بمن هو أقوى منه ، وقد كان هناك عاطلين من ابنآء الحلة اتخذا من النبقة الظليلة مكانا" يجلسان فيه ويرميان الرمايات لصيد السمك ، وكان الغريب فى حضورهما ملتزما" الأدب وينام أو يتظاهر بالنوم بعيدا"عنهم . وشكونا الغريب المتشرد الى ابنآء الحلة الاثنين وهما شحرة وكتلة وكانا مشهورين ببطشهما ، فأتيا ومعهما ثالث وهو عنتر ويحمل الاول ماسورة والثانى سيخة والثالث عكاز مضبب ونحن ورأءهم واخذوا عكاز المتشرد المتناوم واخذوا يركلونه باقدامهم ويشتمونه بالفاظ منها : يا ملقوط يا عفن يا ***** يا رمدان ، جايى تهدد اولادنا وتعتدى عليهم ـ انت فاكرهم هاملين زيك ـ والله انحنا نقطعك حتت حتت نرميها للسمك ، ونكاد لا نصدق ما حدث لولا اننا رايناه باعيننا ، فقد رفع المتشرد يديه متوسلا" قائلا" بصوت مرتعش متمسكن وهويكاد يبكى : والله يا اولادى انا ماقصدت حاجة بس كنت بخوفم ساكت انا زول الله سآى عليكم الله ما تاذونى ، وفجأة قام منتفضا" من رقدته واطلق ساقيه جاريا"بكل قوته تاركا" وراءه عكازه وبقجته .
وهب هوآء خفيف هز اوراق وافرع الشجرة وتساقطت منها حبات النبق وكأنها فرحة معنا ونحن نقهقه بالضحك فرحين وشامتين فى المتشرد المرعب والذى لم نره ابدا" بعد ذلك ، وعادت الينا النبقة مرة أخرى .
هلال زاهر الساداتى
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 863

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#888293 [هاجرحمد]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2014 09:49 PM
اخونا زاهر
والله هذا اسكتش فكاهي كامل الاركان يصف الحالة التي نحن فيها يدقة واحكام . بس المعلقين غمرهم حب ام در وفاض بهم شوقهم فبكوا ! تذكرت "الضاحك الباكي" لفكري اباظة المصري والتي لم يكن فيها ضحك ولا بكاء ! لكنها سطوة الاعلام المصري ! يالك من مظلوم ! وياله ضحك في بكاء ذلك الذي رسمه قلمك البارع . شكرا ياخينا


#887724 [الكلس]
2.25/5 (3 صوت)

01-16-2014 10:52 PM
كدي اوما معاكم فرصة برضو نحكي ايام طفولتنا يا ناس الراكوبة...!!

التحية لام در
ام در يا حبيبــــــــــــــة


#886867 [shawgi badri]
1.00/5 (1 صوت)

01-16-2014 05:17 AM
الحبيب هلال لك التحية. الساعة الآت الثانية صباحا ونحن في شتاء السويد . قرات قصة النبقة . ولم استطع السيطرة علي دموعي . انت تعرف ان شحرر وكتلة كانوا من احبابي . وتحت هذة النبقة جلست مع اعز البشر احدهم فردتي وابن حيك مصطفي كتبا . كان تغالبني بقية نعاس . والآن انا في كامل يقظتي . وافكر في كل من جلس تحت النبقة الرحمة للجميع .


ردود على shawgi badri
[هلال زاهر] 01-16-2014 10:27 PM
الغالى شوقى
لا عليك يا أخى ،فانا مثلك بعد بى العهد من امدرمان الحبيبة ،ولك دعنا نأمل ان نجتمع عن قريب وان نجلس تحت النبقة الظليلة نتامل فى البحر وتحملنا مياهه الصافية الى الذكريات العذبة مع اصحابنا واحبابنا . الحمة الاسعة من الله للأحيآء منهم والأموآت
لك التحية ولك الصحة والعافية والعمر الميد .
اخوك هلال


#886762 [محجوب عبد المنعم حسن معني]
3.63/5 (4 صوت)

01-16-2014 12:46 AM
متعك الله بالصحة والعافية عمنا هلال، كل شئ في امدرمان جميل
مع مؤدتي


ردود على محجوب عبد المنعم حسن معني
[هلال زاهر] 01-16-2014 10:45 PM
الابن محجوب لك التحية مقرونة مع المودة ياابن امدرمان الاصيل ولعائلتك الكريمة
سوف تنقشع سحابة الكيزان الكئيبة وستعود امدرمان اجمل وابهى قريبا


هلال زاهر الساداتى
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة