المقالات
السياسة
الجزولي سعيد ( 1925-1994): يشهي الشيوعية ..
الجزولي سعيد ( 1925-1994): يشهي الشيوعية ..
01-17-2014 02:35 PM


كتاب "الجزولي سعيد: سيرة عامل سوداني" (2013) هو الكتاب الثالث بقلم أحد خريجي مدرسة الصنائع بعطبرة في سنوات النصف الأول من الأربعينات، أو عنهم. صدر أول ما صدر منها، لو صح رصدي، كتاب عن تاريخ الحركة النقابية بقلم رفيقنا الحاج عبد الرحمن السكرتير العام لاتحاد نقابات السودان. ثم كتاب "من تاريخ الحركة النقابية في السودان" لرفيقنا على محمد بشير، رئيس نقابة السكة حديد الأسبق والنائب البرلماني عن مدينة عطبرة، في برلمان 1965. والكتابان الأخيران أمتع لعناصر السيرة الذاتية فيهما بينما تخرج من كتاب الحاج بالتاريخ دون كبير معرفة بالحاج نفسه. ووددت لو استكملنا سير خريجي مدرسة الصنائع بكتب حاقة الاسم تؤرخ للشفيع أحمد الشيخ وقاسم أمين وإبراهيم زكريا وأرباب العربي من مؤسسي الحركة النقابية والحزب الشيوعي.
أكثرت من القول إنني أروج للحزب الشيوعي لا عن عصبية له. فقد خرجت عليه منذ 36 عاماً لا آسفاً ولا منحرجا. ولكني أكتب عنه كمؤرخ يذيع سيرة هذه المؤسسة السياسية الاجتماعية الثقافية لتأثيرها العظيم على حياة السودانيين بعد الحرب العالمية الثانية. وأحاول أن أرد إلى شيء من الرشد أولئك الذين يودون لو محوا الحزب بالاستيكة (لإلحاده أو ما شئت) من لوح السودان. أرجو أن تجرب أن تتصور لنفسك تاريخ السودان منذ الحرب العالمية الثانية وقد محوت الحزب الشيوعي من سجله. ربما ما أصابك من هذا التمرين دوار مثل أن تتصور أن تكتب تاريخ التغذية في السودان بغير الفول. وليس هذا مجرد جمباز فكري. فقد خشي حتى أخوان مسلمين من العقال من احتمال أن تخلو السياسة من الشيوعيين. فقد سبق أن أعدت عليكم طرفة حكاها لي رفيقنا الأخ المسلم خالد التيجاني. فقال إنه استاء الشيوعيون في جامعة الخرطوم يوماً من تصرفات إخوانية ما وقرروا الانسحاب من العمل السياسي. ولاحظ خالد أن زميله الأخ المسلم في الغرفة بالداخلية بالجامعة خرج مبكراً بعد صلاة الصبح وعاد بعد مدة متهلل الأسارير فرحاً:
-تعرف الشيوعيين علقوا "مساء الخير" (صحيفتهم الحائطية في الجامعة). رجعوا ولاد الكلب. والله سياسية بلا شيوعية ولا عندها معنى.
لن يكون للسودان تاريخ مستحق بغير الشيوعيين. وهذا عين قولك إنه لن يكون للسودان تاريخ مستحق بغير الأنصار، والختمية، وعمال البحر والموانئ، والوراريق أهل القبب، وحركة السحيني، والنمانغ، وكسار قلم مكميك، وحتى موسيقي القرب مثلاً. لنجري تمريناً آخراً. أغمض عينيك وتصور السودان بغير عالم عباس وحسين آدم الحاج وعبد الله آدم خاطر ومكي أبو قرجة وحسن موسى ومحمد عبد الحي وغيرهم. وأكثر هؤلاء غير شيوعيين. ولكن يدينون لمكتبات أنشأها الحزب الشيوعي في مدنهم حيث كانت. فلما توفي رفيقنا صديق محمد البشير صاحب مكتبة الجماهير بالفاشر نعاه عالم عباس وحسين آدم وعبد الله خاطر وذكروا كيف غذت هذه المكتبة ملكتهم للقراءة والتعبير. وحين رحل عنا رفيقنا يونس الدسوقي نعاه مكي ابو قرجة وسائر ولاد بحر أبيض ذاكرين فضل مكتبته على ثقافتهم. وكتب حسن موسي عن كيف تفتحت عيونه على خبرات صينية في الرسم والتلوين وهو يغشى كشك رفيقنا عبد الله محمد بابكر بالأبيض ويتصفح مجلة الصين المصورة وغيرها. وقل هذا عن مكتبة الفجر بمدني أو المواطن بسوق السجانة للرفيق بابكر علبوب أو تلك الأخرى بعطبرة.
ولم أعرف خطر المكتبة الشيوعية في سودان الخمسينات وما بعده إلا حين قرأت كتاب "الجزولي سعيد". فقد فتح مكتبته في مكان غير متوقع في شرق السودان وهو أروما بل صار لها فرعاً في وقر. فتأمل. وبلغ توزيع الميدان فيها 100 نسخة عام 1955. ومن أطرف ما قرأت في الكتاب أنه بلغ الحزب أن أحدهم يصدر باسمه منشورات في بلدة ما دون أن يكون هو نفسه شيوعياً. فاتصل فيه الجزولي ليراجعه في الأمر. فقال الشيوعي من منازلهم: ما أنا بقرأ الميدان! وكانت المكتبة مشتركة بصورة مباشرة في الصحف والجرائد المصرية وتتلقى 20 نسخة من كل مطبوع لا تنتظر الجاري. وبلغ من شغف الناس بالاطلاع أن صار تعطل وصول الصحف إلى أروما خبراً تنقله الصحف نفسها.
كانت المكتبة هي المحطة التي قرر الجزولي منها بناء الحزب الشيوعي والحركة الجماهيرية حين تكلف بقيادة العمل السياسي في قلب مشروع القاش. وكانت للمكتبة وظيفتان. الأولى بؤرة لنشر الوعي السياسي عامة والثوري خاصة. أما الوظيفة الثانية فكانت مقابلة منصرفات الحزب لرواتب 3 متفرغين وغيرها. وأظهر الجزولي مهارة في إدارة المكتبة ومسك دفاترها مما استثمره الحزب لاحقاً حين جعله المسؤول المالي المركزي في السبعينات. وشهد الحزب انضباطاً مالياً في عهده لم يشهده من قبل. ونفذ الجزولي من المكتبة لبناء الحزب بكوادر بجاوية محلية، ثم انتقل بهم إلى تكوين اتحاد مزارعي القاش وسط مصاعب لا حد لها، ثم مؤتمر البجا في 1958.
ولا أعرف من يجازي مجازاة غمار الناس لمن أحسن إليهم. فقد اتفق لمزارعي وشعب أروما اختيار الجزولي، ضمن 5 مناديب عنهم ليمثل المنطقة في مؤتمر البجا. وكانت لغة المؤتمر التبداوي التي لن تستصعب على الجزولي الدنقلاوي القادم من الخناق، فعطبرة، فالقاش والبجا. تلك حياة تستعصم بعالي القيم وتتعلق بذؤاباتها. ولذا قال أحدهم والله زي الجزولي دا يشهي في الشيوعية.
(أرجو ممن له تجربة مع مكتبة للشيوعيين في اي بلدة بالوطن، حسنها وقبيحها، أن يكتب لي عنها لفصل لي في كتاب عن تاريخ السودان الحديث)

[email protected]


تعليقات 10 | إهداء 0 | زيارات 1880

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#889540 [امبكول نفر]
5.00/5 (1 صوت)

01-19-2014 12:08 PM
اعوذ بالله من ارذل العمر


#888890 [أبو أهل الكيزان]
5.00/5 (1 صوت)

01-18-2014 04:46 PM
عبد الله ابراهيم مكانه الطبيعي أمانة الفكر بحزب السفاح البشير


#888832 [امبكول نفر]
4.00/5 (1 صوت)

01-18-2014 03:24 PM
.


#888628 [الممغوص]
5.00/5 (1 صوت)

01-18-2014 11:43 AM
يا عبد الله بالله خليك في مداهنة النظام و خلي الحزب الشيوعي في حاله فله رجال و نساء يحملون راياته في صمت و نكران ذات و أثرهم ظاهر لمن يقدرهم و النظام بيعمل ليهم ألف حساب


#888386 [فيصل مصطفي]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2014 12:55 AM
كيف لمن يحب الحزب الشيوعي بهذاالقدر
ويعتقد جازماً أن تاريخ السودان الحديث
لا يمكن أن يستقيم قوامه إلا من خلال
وجود الحزب بين ثناياه حتى بالنسبة
لأعدائه فما بالك بمعتقديه و رافعي
راياته !!؟....
و لعل التسبيح بالدور الفاعل و المؤثر
في تثقيف الناس و رفد وعيهم من
خلال مكتباته التي أنتظمت مناحي
السودان ، و كان لها الأثرالتنويري في
تعريف الجماهير بدور النقابات في
توحيدهم للحصول على حقوقهم و و..
و بما أنك كنت أحد أهم ركائز هذا
الجسم الرائد في توجيه سهامه الى
الجهل و المرض و المسغبة
كنا نأمل أن يكون ذلك بصورة مستدامة !!؟؟....


#888361 [OMER ABDULLAHI]
5.00/5 (1 صوت)

01-18-2014 12:18 AM
لا يمكنك يا دكتور أن تتكلم عن اسهامات عدة سودانيين بما فيها موسيقى القرب! وتنسى الأستاذ محمود محمد طه وثورته الدينية والثقافية وحتى السياسية والاقتصادية والاجتماعيةعلى مجمل شعب السودان.


عمر عبدالله


#888202 [الحاج]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2014 07:02 PM
يا استاذ
ان انسي لا انسي ابدا مكتبة الفجر بوادمدني لصاحبها المناضل الشايقي العظيم محمد سيد احمد
وقتها قرانا الدولة والثورة
وكيف تكون شيوعيا جيدا ل ليو شاشي
والكثير الكثير من الكتب الماركسية


#888180 [يحي]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2014 05:56 PM
في المقابل يوجد من يكرهك الشيوعية منهم محمد الفاضل الاستاذ بجامعة السودان فما احقره يا دكتور


#888120 [ضد جماعة غورباتشوف ومساعد الرقاص]
3.57/5 (5 صوت)

01-17-2014 03:54 PM
انت بالذات اسكت خالص وكلم معاك خالد المبارك ومحمد محمد خير وسبدرات وبلاش انتهازية فهلوة معاك


#888119 [دار الوثائق]
3.25/5 (3 صوت)

01-17-2014 03:52 PM
انت بالذات اسكت خالص وكلم معاك محمدمحمد خير خالدلندن .


د. عبد الله علي إبراهيم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة