المقالات
منوعات
موسى ود التلب/ قصة قصيرة
موسى ود التلب/ قصة قصيرة
01-18-2014 12:01 PM


-1-
حين رحل أباه وتركه فى كنف أمه كان موسى ود التلب صغيرا لم يتجاوز العاشرة من عمره، فنشأ مع أختيه فى رعاية أمه بت قاسم وعمه محمود ود الفضل، وسرعان ما تزوج عمه من أمه بعد عام على رحيل والده حتى يرعاهم ولا يضطر إلى قسمة النخيل والأرض الزراعية التى ورثها مع أخيه عن أبيهم ود الفضل.
نشأ موسى منذ صغره شقيا متمردا على كل شىء مألوف وغير مألوف فى زمن وبلد كانت تعرف شجاعة الرجل فيها بشرب العرقى والدكاي ودق السوط والصفقة والجابودى فى الأعراس ومغازلة الحسان، متبعا وصية عمه الذى طالما ذكره بقوله:( يا موسى يا ولدى الراجل ما بعيبه أى شىء إلا حاجتين إتنين كان سواهن خلاص إنتهى، الراجل ما بيسرق وما ببقى باطل ينفعل به، كان عملن بتلازمو طول عمره والناس بتناديه يا حرامى ويا باطل طول ماهو عايش....!!!)، وعلى كلام عمه شب شقيا معنادا نافشا ريش الرجولة الذى لم ينبت بعد، مجالسا شلة القوز منذ صباه الباكر، فتعلم منهم سف الصعوط وشرب سجائر القمشة، وما أن إشتم رائحة إبطيه حتى بدأ فى شرب العرقى مع أولاد عمه والشلة وتعلم دق الطنبور والغناوى معهم فى الليالى المقمرة، راكبا دحشه مع صبايا البلد الذين يكبرونه ويذهبون إلى كل عرس يقام رقيصه تحت ضوء الرتاين والقمر فى القرى المجاورة وفى البعاد، ينزلون الدارة فى شلة يصفقون ويعرضون على رقص الحسناوات أمامهم ويأخذون الشبالات بشعرهن المنسدل على أكتافهم، يتمون كيفهم ومزاجهم طوال الليل حتى ينتهى الرقيص ويتفرق الناس ثم يعودون إلى بيوتهم بغناويهم ونهيق حميرهم المرافق لهم.
كل تلك الشقاوة لم تجلب العتاب للفتى الصغير، لا من أولاد عمه الذين يحمونه، لا من أمه ولا حتى عمه الذى طالما نظر إليه على أنه رجل يعمل بوصيته بل وجد الحماية والثناء من الجميع...!! وما أن أكمل عامه الثامن عشر حتى زوجه عمه إبنته زينب كعادة أهل البلد الذين يزوجون أبنائهم وبناتهم فى سن صغيرة طالما عاش الناس فى زمان لا يجدون فيه من يرشدهم ويشجعهم على التعليم الذى لا توجد فصول مدارسه إلا فى البعاد، وهكذا نشأوا ولم يتوارثوا سوى الأرض والمرعى وزواج باكر أبا عن جد، حتى أصبح عرفا زوجوا به أبنائهم وبناتهم من بعدهم...!!
زوج محمود ود الفضل إبنته زينب لأبن أخيه موسى حتى ينشغل بنفسه ويتحمل المسئولية فى قوادم أيامه، وسرعان ما رزق بأبنه الأول بعد عام ونصف على زواجه، فرحت أمه بقدوم حفيدها الأول كما سعد الجميع كأسرة واحدة متحابين يتعاونون على مشاغل الحياة وفلاحة الأرض، وهكذا مرت الأيام وموسى مع أهله وأهل البلد يقضون ساعات الضحوية والعصرية فى الزراعة وفى المساء يركن إلى مزاجه ومقارعة كأس العرقى وملازمة شلة القوز يتوانسون ويطنبرون إلى هجيع الليل بغناهم وحكاويهم ونكاتهم التى لا يملون ترديدها وسماعها مرات ومرات حتى يغلبهم النعاس فترى البعض منهم وقد نام على الرمال إلى الفجر ومن ثم ذهب إلى داره، وكان موسى واحدا من هؤلاء الذين يختمر السكر بعقلهم حتى ينسوا مرقدهم بجوار أهليهم فيناموا حيث يغلبهم النوم، وكثيرا ما رجع لداره وش الفجرية وقد سبب لزوجته ضجرا كثيرا..!! وبمرور السنوات رزق بولد وبنت آخرين وتزوجت أختاه، ومع كثر متطلبات الحياة ومصروفاته الإحتياجية لشرب المر لم يطق الإعتماد على الزراعة وحدها والحصول على سيولة المال بعد كل موسم حصاد، فقرر أن يعمل بالسوق أيضا لزوم الكاش حتى تدوم السيولة المادية فى يده.
-2-
أصبح ملازما للأسواق فى سوق أرقو المركزى وسوق السبت بحلة كودى، يذهب فى الصباح باكرا ليشترى الخضار والفواكه بالجملة من المزارعية ثم يعيد بيعها بالقطاعى من على طبليته التى أقامها فى سوق الخضار وسط السوق، وقد نجح فى ذلك وأصبح يدر مالا وفيرا، ساعده على نجاحه حسن تعامله مع الزبائن ولسانه الحلو فكثر زبائنه خاصة النسوان اللائى إرتحن لبيعه المريح وكثرة مداعباته ومشاغباته معهن،،مرات كان يعود إلى داره بعد إنتهاء السوق محملا بالأغراض المنزلية وفى بعض الأحايين كان يعوج دربه فيذهب إلى أرقو الشرقية فى حلة الجلابة ليشترى العرقى الذى أدمنه حتى يتم كيفه ومزاجه، حاملا معه القليل الذى تبقى من معروض الخضر والفاكهة هدايا لستات الكار فأحبته النساء وبعضهن عشقنه، يتغدى عندهن ويشرب فى ضيافتهن إلى ساعات متأخرة من المساء، ثم يقوم مترنحا فيركب حماره حاملا مؤونته إلى بيته بأرقو السرارية، قاطعا مسافة ساعة ما بين أرقو الشرقية والسرارية كلها أراضى زراعية وغابات من الأشجار وصحراء ما بين إمتداد مقابر شيخ طويل غرب قرية أبتة ومقابر شيخ دياب غرب السرارية، ورغما عن ذلك إلا أن موسى قد تعود منذ صغره أن يكون شجاعا لا يخاف، وفى مرة بينما هو قادم بسكرته من حلة الجلابة منتشيا آخر الليل وهو يغنى على ظهر حماره هاجمه ضبع شرس بطريقة مباغتة حتى طارت سكرته من الخلعة، كاد السبع أن يفتك به لولا أنه تصرف بسرعة وأشعل النار فى عمامته ثم لوح بها فى وجه الضبع الذى خاف وأنزوى بعيدا...!!
وفى مرة وهو عائد فى العصرية أصابه صداع نخب المر الذى حرق جوفه فما كان منه إلا وأن نزل من حماره، ربطه إلى جذع نخلة ثم رقد فى جدول المشروع الرئيسى وكان خاليا من الماء، حيث أراد أن يبرد جسمه بطينه اللازب، ولم ينقذه من موته المحقق سوى صبايا الرواعية الذين مروا بالمكان صدفة على نهيق حماره فأيقظوه...!!
ومرة ثالثة أراد أن يحضر زواج أحد معارفه بالسوق فى جزيرة مروارتى المجاورة وقد أتفق مع أبناء عمومته وأصدقائه بالبلد ليذهبوا معه ليلة الخميس، لكن خميسه لا تكتمل متعته إلا بعرقى الجلابة، ذهب إلى هناك كعادته بعد إنتهاء السوق، ولما تأخر أراد أن يذهب من هناك إلى الجزيرة على أمل ملاقاة أصحابه وأولاد عمه بالمشرع، لكنه عندما وصل لم يجد أحدا ولا مركبا تبحر به إلى شاطىء الجزيرة، فما كان منه إلا أن أنزل سرجه من على ظهر حماره وجلس عليه فى إنتظار من سيأتى، ولما طال إنتظاره قرر أن يبحر بنفسه، وعلى حسب سكرته وجد فلوكة صغيرة بالشاطىء تخص أحد الصيادين، سحبها ودفرالحمار داخلها، وحتى يأتى بسرجه ويبحر بالفلوكة، كان الماء قد جرف الفلوكة وبداخلها حماره إلى وسط النيل، ومع مشاغبة الحمار ومدافراته إنقلبت الفلوكة وغرق حماره أمام ناظريه ودهشته التى أصابته فى مقتل....!!
-3-
كل ذلك التيه لم يمنع موسى ود التلب من مغامراته العجيبة إلى أن أتى اليوم والليلة التى غيرت مجرى حياته إلى الأبد دون رجعة وأجبرته على ترك البلد كلها والغياب فى المجهول بقية عمره....!!
فى ذلك الخميس وبعد أن أنهى عمله كعادته فى سوق الخضار المركزى بأرقو، أسرج حماره قاصدا حلة الجلابة لشراء تعميرة الراس من عرقى البلح الذى أدمنه، وكعادته جلس مع ستات الكار يشرب ويتونس معهن بالساعات إلى أن جن الليل ثم قام راكبا حماره ليعود إلى بيته فى السرارية، مضت رحلته عادية على طول الطريق إلى أن وصل الأرض الفضاء الواقعة بين مقابر شيخ طويل غرب قرية أبتة ومقابر شيخ دياب أعلى قرية السرارية، وهناك توقف حماره فجأة مزعورا راجعا برجليه إلى الخلف ومقاوما كل محاولات صاحبه ليتقدم به إلى الأمام، وما أن نظر موسى أمامه والحمار يريد أن يجفل منه، حتى كاد أن يفقد عقله من روعة المشهد الماثل أمام عينيه، حفل راقص وضياء مبهر، رجال يرقصون ويعرضون ويتمايلون طربا، وحسناوات فى غاية الجمال ترقصن وتتمايلن بأجسادهن فى أروع ما يكون الجمال، وصوت حسناء يشق سكون المكان بغنائها الجميل،، فرح بشدة ولم تصدق عيناه ما بدأ أمامه حفل عرس مدهش،، متسائلا كيف يقام رقيصه فى هذا البعاد ولماذا أتى كل هؤلاء الناس إلى هنا..؟ ودون إجابات لأسئلته التى عشعشت فى رأسه لم يكترث كثيرا وقرر أن يقضى باقى ليلته ويشارك الجميع هذا الكرنفال من الصخب البديع...!!
رجع إلى الخلف بحماره الجافل حيث أنزل سرجه وربطه إلى أقرب جزع من شجر العشر المتكاثف بالمكان ثم جلس قليلا ليزود المعيار فى رأسه بكأسين من العرقى الذى يحمله فى مخلاية سرجه، بعدها قام ليشارك الراقصون فرحتهم..!!
بالطبع لم تكن وجوها مألوفة لديه وهو الذى يعرف كل أهل البلد صغارهم وكبارهم من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وقف مشدوها يسأل نفسه ثانية: ما هذا بحق الجحيم إزن..؟ من أين أتى هؤلاء الغرباء ليقيموا حفلهم هنا..؟ لكن الترحاب الذى وجده من الجميع جعله ينسى ولا يكترث كثيرا بقدر ما شغل نفسه وعقله المشدوه بجمال الحسان اللائى لم يرى مثلهن طوال حياته، لم يرى من قبل أجسادا ناعمة تتلألأ ببياض فاقع لكأنهن أتين من كوكب آخر،،لكن موسى ود التلب حسب ما يدور برأسه لم يدرى أنه دخل حوش الجن...!! لم يدرى أنه وسط حفل ورقيص صاخب أقامته الجن لعرس أحد من أفرادها، ومع الترحاب وتبسم الجمع فى وجهه بدا الأمر بالنسبة له عاديا وحسبهم مجرد ناس غرباء لا يعرفهم وما يهمه هو الإستمتاع بليلته ومتعة نظره بالحسان...!! عندها شق طريقه إلى داخل دارة الرقص الصاخب بتمايل الحسناوات الماثل أمامه، حيث رأى إختلاط الحابل بالنابل، كل الجن تتراقص إتنين إتنين إلا هو وحيد جنه المشعلل فى رأسه، ومع حيرته لمحته جنية غاية فى الجمال بزينتها، تبسمت فى وجهه ولم يصدق نفسه عندما غمزت له بعيون لخبطت كيانه وهى قادمة نحوه تتمايل بخصرها وقوام أفقده صوابه..!! أمسكت بيديه وراقصته قليلا ثم إنحنت بجسدها نحوه وهمست بشىء لم يفهمه، بعدها غمزت له ثانية وأشارت له بأصبعها ليتبعها وقد أخذت طريقها إلى خارج دائرة الرقص، تبعها موسى فى اللحظة التى هاجت فيها حسان الجن بالزغرود فرحا،،ووسط تأوهات ذكورهم وتنهدات كبيرهم مرددين: أوه،، أوه،، أوه...!! لم يلتفت موسى إليهم بل شق طريقه وسط زحامهم وسار خلف جميلة الجميلات التى غمزت وأشارت له غير مصدق لنفسه بأنه خطف من أهل العرس أجمل ما عندهم وهو لا يدرى بأنها جنية وكل الناس من حوله جن أولاد جن أبا عن جد....!!
-4-
سار موسى خلف جميلته متحسسا شيئه الذى إنتفض وممنيا نفسه أن ينال منها ومن جمالها الذى ما رأت عيناه مثيلا له من قبل، خرجت الجنية بموسى المتصابى على نفسه وخلفهما دون أن يرى خليط من ذكور الجن وإناثهم يتبع خطواتهما حتى أرتأت به إلى منحدر رملى تقبع فى أسفله شجرة طندب، وقفت شلة الجن أعلى التل تراقب ماذا ستفعل حفيدتهم الجميلة بود التلب..!! وعلى هوس صاحبنا بالجمال الماثل أمامه أخذ يداعبها وتداعبه كاشفة عن ساقين وصدر مائج يمور فرحا وطربا لكأنها حورية عاشقة على أرخبيل الجنة التى طالما عشقها كل من إستشهد فداء لذلك اللقاء الموعود...!! أمسكت بطرف يده تماسجها ثم هندامه ليفهم ما عليه أن يفعل، ففهم موسى أن معشوقته التى طغت عليه وحركت كل إحساس فيه قد إستهوته وأرادت أن تستمتع بعصارة فحولته، وسرعان ما تخلص من ستر حاله ورمى ما غطى سوأته بعيدا...!! كل ذلك تمثل وسط همهمات شلة الجن أعلى التل: أوه، أوه، أوه، يأتيه الصدى ولكن لايرى مصدرا لذلك التأوه..!! ومع الهمزات واللمزات أعلى التل وأسفله لم يبال موسى كثيرا بقدر مبالاته وهمه فى أن يكمل ما بدأ له سهلا بعد وصوله إلى مرحلة فقد فيها كل توازن لن يستعيده إلا بأراحة نفسه من جميلته...!!!
إلا أنه فجأة وهو فى تلك الحالة وجد نفسه يحتضن الرمال على الخواء الذى إختفت منه جميلته، وما درى بنفسه وقد غلبه النعاس الذى لم يمكنه حتى من إرتداء ملابسه وستر حاله، ولا يدرى بأن الجن قد سرق ملابسه وأفزع حماره الذى قطع رباطه وفر هاربا إلى البيت تاركا سرجه وصاحبه من خلفه يغط فى نوم عميق إلى طلوع شمس النهار، ولكأنه قد حقن بدواء جنى مميت...!!
فى الصباح فزع كل من رأى منظر الجسد المسجى على التراب على مسافة ليست ببعيدة عن المقابر حتى خيل إليهم أن أحدا قد خرج لتوه من مقبرته، أو من ظن أن أحدا قد قتل فى بلد لم تشهد حالة قتل واحدة على مر تاريخها القديم والحديث...!!
مع الفجر وصل الحمار المفزوع إلى البيت وظل يبعث بنهيقه بجوار الزريبة، وعندما خرجت زينب زوجة موسى لتحلب الأغنام لشاى الصباح خلع قلبها بوجود الحمار دون رجوع صاحبه إلى بيته، فأخذت تتشهد وتتنهد ويرتجف حالها وهى راجعة إلى الدار لتخبر أمه التى إنفطر قلبها وأخوانها المشدوهين فى غياب والدهم الذى رحل عن الحياة قبل شهور مضت، ومع وصول الأخبار الصباحية من أعلى القرية بوجود رجل ميت جوار المقابر فزع الجميع وهرعوا إلى هناك، ليفاجأوا بأنه موسى ود التلب، عرفوه الذين سبقوهم إلى هناك بسرج حماره المرمى بعيدا ومخلايته الملتصقة به وبداخلها زواد رأسه الذى طالما سبب له كارثة بعد أخرى...!! عندما وصل جمع الناس كان موسى فى حالة إستيقاظ وتوهان شديد، حيث أيقظه من وجد فى نفسه الشجاعة ليواجه صدمة الموقف ويقترب من الجسد الهامد على ثرى شيخ دياب، وقد ألبسه جلبابه ليستر حاله من كان يرتدى جلبابا وعراقى من تحته...!!
كان الموقف صدمة لا تحتمل لكل أهل البلد خاصة أهل بيته وحتى موسى نفسه، حكى لبعض العقلاء الذين أرادوا أن يسمعوه، لكن الرواية أصبحت متاهة فى ألسنة الناس وسفها وتهكما بقدر ما كان موسى وأهله فى حوجة لوقوف الناس بجانبهم حتى يخرج من محنته ويعود إلى رشده وحياته من جديد...!! وعلى العكس من ذلك فبدل أن يعالج الأمر بهدوء فقد إستفحل وإستجابت زوجته للهمهمات بأنه أصبح رجلا مسكونا بالجن فخافت منه ولم تطق المبيت معه فى حوش واحد،لاذت بأولادها إلى بيت أهلها تاركة زوجها وأمه من خلفها، وعندما رأى موسى بأنه قد أصبح أضحوكة عند أهل البلد خاصة النسوان بالأقاويل ونسج حكاوى من الخيال، سئم البلد وقررالإختفاء منها وإلى الأبد خاصة أن زوجته وأم أولاده قد هجرته ورفضت العودة إليه مجددا وهى التى صبرت على شقاوته سنينا طوالا، لكن فعلته الأخيرة فى رأيها والكثيرين من أهل البلد كانت هى النهاية والقشة التى قسمت ظهر البعير...!!


-5-

فى فجر يوم حزين من أحد أيام الأسبوع ودع موسى ود التلب أمه بت قاسم طالبا منها العفو على أمل أن يجد عملا بعيدا عن القرية التى إنقطع فيها رزقه، خرج إلى الطريق الرئيسى شرق الخور وركب لورى متجها إلى دنقلا ومنها إلى نمرة- 3 فى الخرطوم، لكنه لا يريد البقاء فى الخرطوم أو أى مدينة أخرى يوجد بها معارف من أهل البلد، وفضل أن يعيش كالغريب فى مدينة لا يعرفه فيها أحد...!! لذلك وبعد وصوله إلى الخرطوم واصل طريقه إلى مدينة الدويم بالنيل الأبيض، قرر أن يعيش بالدويم حتى ينسى همومه وماتركه من سيرة خلفه يلوكها أهل البلد فى مجالسهم وقعداتهم، عمل فى نفس كاره بالخضار فى سوق الدويم المركزى حتى إستقر به الحال، وبعد فترة من الزمان تعرف على أهلها وصادقهم ثم تزوج منهم وأنجب صبيانا وبناتا، مضت به الأيام وإنشغل بحياته الجديدة ولكن بالرغم من السنوات ال 20 التى قضاها بعيدا عن البلد لم ينسى أمه وأولاده وأهله وذكرياته وشقاوته ومأساته التى أجبرته على ترك بلده وأرضه ليعيش غريبا فى بلد ليس له فيها أهل بصلة الدم غير أولاده من إمرأته الجديدة...!! وفى يوم جلس مع نفسه وسافر بعيدا إلى أرض الجزور، أخذ يفكر فى الحال وبالتأكيد قد تكون أمه رحلت عن الحياة فى غيابه وأولاده قد كبروا وتزوجوا،، وفجأة قرر موسى العودة لزيارة البلد القبيل....!! ممنيا النفس بأن الناس مع الزمن يكونون قد نسوا حكاويه وشقاوته القديمة خاصة مع تجدد الأجيال، أتى الخرطوم وركب اللورى المتجه إلى دنقلا والبلد، وعندما وصل إلى قرية كمنار التى تواجه قرية السرارية من ناحيتها الشرقية نزل من اللورى على الطريق الرئيسى، وهناك وعلى مسافة شاهد صبيانا يلعبون الكرة، فقرر أن يقترب منهم ويسألهم إن كانوا يعرفون رجلا إسمه موسى ود التلب حتى يطمئن ألا أحد يعرف الماضى وبالتالى يكون الناس قد نسوا حكايته وبعدها يعبر خور أرقو مطمئنا إلى السرارية غرب الخور....!!
إقترب من ثلاثة منهم وبعد السلام ردد بأنه رجل غريب أتى ليسأل من رجل إسمه موسى ود التلب إن كانوا يعرفونه..!! الأول أجاب بأنه لا يعرف، الثانى أخذ يحك رأسه ويردد بحيرة: موسى،، موسى،، موسى ود التلب...!! ياجماعة الإسم ده ما غريب علي...!! الثالث: أيوة، أيوة عرفته، ياعمى...!! موسى ود التلب ده مش الراجل الزمان ال لقوه عريان جنب القبور، وقالوا كان عاوز ينوم مع الجنية بس ملصتو هدومه وشردت خلته...؟؟ وبعدين مرتو خلتو وقام طفش هجر البلد وتانى ما رجع، أمه ماتت وأولادوا عرسوا والناس ما عارفين بلده وين كان حيى كان ميت..............!!!
أسقط فى يد موسى وأصيب فى مقتل وهو يسمع كلام الصبايا عنه من قرية كمنار، إزن ماذا سيقول عنه صبيان السرارية أهل بلده، رجالهم ونسوانهم..؟ عندها قرر ومن مكانه شرق الخور ألا يواصل طريقه غربا وعليه بالرجوع إلى حيث أتى، جلس بالمسيد المجاور للطريق ليأخذ قسطا من الراحة حتى وصول أول لورى سفرى ليعود به إلى الخرطوم ومنها إلى الدويم...!! وبينما هو فى رقدته تلك سمع هدير اللورى وصفيرا آت من البعاد، فخرج إلى الشارع حيث رأى اللورى قادما من الشمال بغباره الكثيف، وقف اللورى وتسلقه موسى آخذا مكانه بين الركاب أعلى الشوالات التى إمتلأ بها بطنه، حزينا مكسور البال والخاطر وفى دواخله شىء من كبرياء النفس ومذمة الحال، يشخط وينطر مستغربا حال أهل البلد الذين لا ينسون شيئا ولا يصلحون شيئا حتى ولو تراكمت على مروره السنوات، راكبا أعلى الشوالات وهو يفكر طوال الطريق إلى الخرطوم فى ذكريات الزمن الذى غبرته السنوات وتولدت بمجيئه البلد من جديد، وكل ما إغتاظ فى دواخله لا يجد ما يفش به غبينته سوى ترديد: منعول أبوكى بلد.......!!
أبراهيم سليمان أبوناجى

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1135

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#888823 [أحمد الملك]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2014 03:18 PM
يا ابراهيم سلامات وشكرا على القصة الجميلة. بعثت فينا ذكرى الايام الخوالي الجميلة، سوق السبت وسوق أرقو. كودي، السرارية وكمنار ومروارتي، من أرقو كنا نذهب دائما الى مروارتي في الاعياد لنسلم على جد وجدة عاشا هناك رحمهما الله واحسن اليهما. أجمل مافي القصة انها استقت معينها حتى في قمة اسطرتها من اشيائنا الجميلة. من نسق حكاوينا وأحاجينا ، من كد أهلنا وتعبهم ومصارعتهم للحياة اليومية وبحثهم عن أية متعة ترطب هجير حياتهم، حتى لو كانت فى أعراس الجان!
تحياتي وقد ارسلت لك رسالة على ايميلك


ردود على أحمد الملك
[ابراهيم سليمان أبوناجى] 01-18-2014 11:06 PM
تسلم صديقى وبلدياتى ود الملك ومرورك اسعدنى ياغالى، للبلد ذكرياتها الجميلة وفى رحلة السنوات ونحن فى البعاد تبقى تلك الحياة ثرة بطيبة اهلها وتفاصيل حراكهم اليومى وجمال بيئتها فى زمن كان الناس بسطاء فى تعاملهم،لى 4 كتب قصص قصيرة واود ان تكتب تقديما لاحدهم لانى اريد طباعتهم بازن الله قريبا،، تحياتى يا حبيب وسوف يدوم التواصل بازن الله.


أبراهيم سليمان أبوناجى
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة