المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. سيد البشير حسين
إلي صديقي وزير الزراعة .. حكاوي ومحاور خطة
إلي صديقي وزير الزراعة .. حكاوي ومحاور خطة
01-19-2014 12:16 AM




عندما تم تكليف بروفسيور مأمون حميدة بإدارة جامعة الخرطوم، في تسعينيات القرن الماضي، وفي لقاء بقاعة الشارقة في هذا الخصوص، أذكر أن المرحوم بروفسيور عون الشريف قاسم (طيب الله ثراه) قال في مداخلته مخاطبا مدير الجامعة الجديد .. "لقد ركبت غولا بلا قرون (كناية لصعوبة الإمساك بتلابيب مشكلات الجامعة وعظم وضخامة المسؤولية وقتها) فلنتكاتف لعمل قرون لهذا الغول".
الآن يا صديقي سعادة الوزير وقد ركبت هذا الغول "وزارة الزراعة" .. وأقول غولا لما لحقها ومكوناتها من إدارت ومؤسسات ومشاريع من إهمال بل ومن تخريب وتدمير، فإن فسمؤلياتكم تنوء بحملها الجبال. إذ أن المرجو منكم، بعد الله، هو إعادة الدور الحيوي الذي عرفت به هذه الوزارة ومهنة الزراعة في سنوات قد خلت، من إطعام أهلها ورفدها لخزانة الدولة بالصعب من العملات من صادراتها، وفوق ذلك إعادة الأمل بأن يكون السودان سلة غذاء العالم واقعا لا حلما. كنت قد أشرت في مقال سابق نشرته في صحف محلية ومواقع إسفيرية بعنوان "الزراعة هي بترول السودان الحقيقي" إلى عبارة صيغت بعناية فائقة، دائما ما كانت تزين مقدمة بحوث الماجستير والدكتوراة في قسم الاقتصاد الريفي بكلية الزراعة - جامعة الخرطوم .. تقول هذه العبارة (بعد ترجمتها) "إن الزراعة هى العمود الفقري لاقتصاد السودان وستظل كذلك حتى ولو أُكتشف النفط وتم استغلاله بصورة تجارية". وهذا ما أكده الواقع، إذ ظلت الزراعة بالفعل ولسنوات طويلة هي أساس صادرات السودان والرافد الرئيسي لخزينة الدولة بالنقد الأجنبي بنسبة تصل إلى حوالى أكثر من 90%. تراجع هذا الدور غفلة أو عمدا بفعل الإهمال لقطاع الزراعة ودخول البترول في قائمة صادرات الدولة. الآن وبعد ضياع بترول الجنوب، يتحتم الرجوع إلي الزراعة.. ولكن يبقي السؤال الكبير " أي زراعة هي تلك التى يمكن أن تمثل العمود الفقري للإقتصاد؟" .. الأكيد أنها الزراعة القائمة على التخطيط العملي السليم والمستند على نتائج البحوث والدراسات العلمية المعمقة. وهنالك وفي تقديري عدة موجهات أو محاور يمكن أن تساهم في ذلك، منها، وقد يكون أهمها:
• إعادة الاعتبار لمهنة المهندس الزراعي وللمؤسسات والجمعيات العلمية والمهنية التى تمثله، يقيني أن هذا الاعتبار هو المفتاح لحل كل مشاكل وأزمات الزراعة. وفي هذا الصدد أشير إلى أمر محزن للغاية وهو ما تناقلته بعض الأوساط الصحفية من عزوف طلاب الشهادة السودانية من التقديم لكليات الزراعة في السنوات الأخيرة، ومرد ذلك هو ما أصاب المهنة وكادرها من تجاهل وهوان. وهنا أشير لواقعة يجدر التأمل فيها .. كنت بصحبة مجموعة من قادة الإرشاد الزراعي بالسودان في زيارة للهند في أواخر ثماننيات القرن الماضي لحضور سمنار عالمي نظمه البنك الدولي عن برنامج "التدريب والزيارة" الذى تبنته وطبقته الوزارة آنذاك، وفي أنس مع مدير مركز للتنمية الاجتماعية (مقر السمنار) بمنطقة قريبة من حيدر أباد، أصابتنا الدهشة عندما علمنا منه أن المتوفقين من طلاب المرحلة الثانوية الهندية يتم قبولهم في كليات الزراعة، بغية الإبتكار والإبداع في طرق إطعام حوالي مليار شخص هم تعداد الهند.
• الإنعتاق من النظرة الاقتصادية الصرفة للزراعة، إذ أن المطلوب هو حساب المردود الاقتصادي منها بمقدار لا يضيع معه البعد الإجتماعي لها. ونماذج ذلك المشاريع المروية، فبجانب مردودها الاقتصادي فإنها تأوى وتعول مئات الآلاف من الأسر. والمطلوب هو تقييم شامل للآثار السالبة لنهج أو سياسة الخوصصة على هذه المشاريع (وعلى قطاع الزراعة عموما) وما أحدثته من تدمير وتفكيك للبني التحتية وللتركيبة المحصولية والإنتاج والإنتاجية لمختلف المحاصيل الزراعية. وبالطبع فإن المثال الصارخ في ذلك هو مشروع الجزيرة الاستراتيجي، وما تلي الخصصة من تطبيق للقانون "سىء الصيت" قانون مشروع الجزيرة لعام 2005. وبالتالي فإن تحرير الزراعة من آليات السوق ورد الأمور إلى نصابها (put things back on rails) أمر بالغ الأهمية.
• هيكلة وزارة الزراعة والإدارات التابعة لها، وإعادة الاعتبار لمؤسسات كانت فاعلة في خدمة الزراعة، أهمها هيئة البحوث الزراعية وإكثار البذور (وما قضية التقاوي الفاسدة لموسم الشتوى التى شغلت الأوساط السياسية والإعلامية في الفترة الفائتة إلا نتاج لخصي هذه المؤسسات). واُذكر فقط هنا إلى أن العمل الزراعي يقوم على أضلاع ثلاث: البحث العلمى ممثلا في الجامعات ومراكز البحوث، الإرشاد الزراعي (ممثلا في كادر أخصائي المواد والمرشدين الزراعيين) والمزارع، أي مسميات إدارات الوزارة الحالية (بساتين، إرشاد، وقاية نباتات ... إلخ) لا محل لها من الإعراب، إذ يجب دمجها تحت الإرشاد الزراعي، وتوحيد كادرها تحت المسميين المذكورين بعاليه مع التركيز على التدريب في نقل المعلومة بين هذه الأضلاع.. بالإضافة إلى ذلك يجب إعادة النظر في دور وأهمية الكيانات القائمة حاليا الموازية في دورها لوزارة الزراعة، والتى تخصص لها موازنات وإمكانيات ضخمة ولا يرى لها أثرا ذي بال على واقع الزراعة المحزن، وما حديث وزير المالية أمام البرلمان في هذ الشأن بأن "كافة المبالغ المخصصة للنفرة والتنمية الزراعية ذهبت مرتبات بدلا عن المساهمة في التنمية" ببعيد عن الأذهان . وأمر الدمج بالرغم من أنه مسنود بالتجارب العالمية الناجحة في البلدان المتقدمة، إلا أنه قد لا يعجب البعض.
• إعادة الدور الطليعي لوزارة الري في إدارة مياه الخزانات وترع وقنوات المشاريع المروية وبيارات وطلمبات ري المشاريع الأخرى، وفي أعمال الصيانة الصيفية وإزالة الأطماء، و كذلك في العمل على زيادة موارد المياه بإنشاء وتعلية السدود ومشروعات حصاد المياه في المناطق المطرية.
• إعادة النظر في قانون إستغلال وملكية الأراضي الزراعية، وأن يكون هذا القانون من صميم أعمال الوزارة، شاهدي في ذلك الهجمة الشرسة التى تعرضت إليها الأراضي الزراعية وتحويل مساحات شاسعة منها إلى استخدامات أخرى كالإسكان، أو بيعها أو تأجيرها لسنوات طويلة لجهات خارجية بموجب عقود طويلة الأجل غابت فيها الشفافية والأجندة الوطنية، كما أن دخول شركات أجنبية كبيرة بتقنيات حديثة لا يصحبه أثر ذي بال على قطاع الزراعة التقليدي والحديث، وهذا ما لا يتوائم في بعض جوانبه من هدف دخول هذه الشركات. ويقيني أن أيلولة هذا القانون إلى وزارة الزراعة ستصحبه معركة حامية الوطيس مع جهات نافذة وستطول سنواتها.
• الاهتمام بتطوير وترقية الزراعة التقليدية: أفقيا بزيادة المساحات المستغلة في الزراعة ورأسيا بزيادة غلة وحدة الأرض بأدخال بعض الأساليب الحديثة في الزراعة، مع العمل على تمليك المزراعين لهذه الوسائل. ولا بدمن الإشارة هنا أن قطاع الزراعة عموما لا يمكن أن يلعب الدور المناط به في إقتصاد أي دولة بدون دعم قوي من الحكومة لضخامة الأموال المطلوبة للاستثمار فيه وللمخاطر العالية المصاحبة لهذه الاستثمار. وبخصوص الدعم ليس ببعيد عن الأذهان الخلاف الحاد بين دول أوربا وأمريكا فى كل جولات إتفاقية "الجات" عن إجراءات الحمائية والدعم لقطاع الزراعة.
هذه المحاور يمكن أن تكون جزءا من مكونات خطة طموحة أو خارطة طريق لإصلاح حال الزراعة في السودان لوضعها في الطريق الصحيح. ويمكن إعادة ترتيبها حسب أولوياتها وربطها بمواقيت زمنية وإمكانات مادية محددة لتطبيقها ومتابعة تنفيذها. ويمكن أن يساهم في دعم وتطوير هذه المحاور، وتركيب قرون للغول الذى إمتطيت صهوته، الكفاءات الوطنية التى تزخر بها بلادنا من علماء ومهندسين زراعيين وإداريين في المجال تشهد لهم مواقع عملهم بعلو كعبهم، وكذلك بآثار من قضي نحبه منهم.
يا صديقي .. إنك تعلم لحد اليقين أن الإنفراد والإعتداد بالرأي والقرارات غير المتكأة على دراسة أو خطة، كانا القشة التى قصمت ظهر الزراعة.

اللهم إن قد بلغت فأشهد
الرياض/السعودية – ديسمبر 2013

[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1525

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#893748 [صبحي حسين]
4.16/5 (9 صوت)

01-23-2014 03:32 PM
تحياتي د. محمد/الرزيقي/عمار سليمان

أجزل الشكر على الإهتمام والتعليق، وعلى الكلمات الطيبات في حق شخصي الفقير لله.

أوافقكم الرأي فيما ذهبتم إليه.. أسأل الله أن يقيض لبلدناالصادقين والمخلصين من رجاله.. وأن يكتب على أيديهم نجاح الزراعة وكل مكونات الاقتصاد.

معا .. نكتب ونصدح بالرأي دون كلل أو ملل.


#890963 [عمار سليمان]
4.10/5 (8 صوت)

01-20-2014 09:46 PM
اولا احيي الدكتور سيد البشير واشكره علي هذه الاشراقة واؤكد علي كلامه بوجود كوادر سودانية مدربة ونزيهه وقلبها علي البلاد . ولكن اختلف مع كثير من الاخوة في تهويل نظرية المؤامرة وان هناك من يريد ان يهدم ليظل هو المستفيد . نعم هناك الكثير منهم ، ولكن مااحب ان اوضحه ان العمل ثم العمل ثم العمل هو العلاج لكل مشاكلنا والعمل بارادة وعزيمة قوية هو ماسيكسر شوكة الجبناء واصحاب الغرض . وتبقي المشكلة الكبري هي كيفية ازاحة نظام المؤتمر الوطني الذي كرس للتمكين وازاح الكفاءات واتي بالمنتفعين اللذين هدموا كل المشاريع الكبيرة وعلي رأسها مشروع الجزيرة ..


#890309 [الرزيقي]
4.15/5 (9 صوت)

01-20-2014 09:26 AM
أوفيت أخي الدكتور/ سيد البشير
ولي مداخلة في جزئية محددة وهي الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة أولاً ومسألة التوسع الأفقي وما يتطلبة من تمويل خارجي وشروط غير معلومة والكلام عن سلة غذاء العالم ...
توجد أراضي مرورية تحتاج لري منتظم نظافة الترع ووقود وتقاوي مسحنة (غير مضروبة) وتوظيف الكادر البشري الموجود وإشراك المزارع عبر اتحاداتهم في كافة قرارات هذه المراحل وإنشاء محفظة تمويل- من غير فوائد لتمويل هذه العمليات.

الأراضي التقليدية والتي تعتمد على الأمطار لا بد من مراجعة الكيفية التي تتم بها الزراعة الآن وهي متوارثة بأخطائها فالأراضي هي مملوكة للدولة وحق المزارعين في منفعتها لكن يجب أن تستغل الاستغلال الأمثل فغير القادر يجب توفير التمويل له ومن لا يرغب في زراعة أرضه أو أن يشارك فيها من لديه الاستعدادأو يزرعها بطريقة بدائية أو اهمال فيخطر ويهدد بالنزع.

الناظر لأسباب تدني الانتاجية في ملايين الأفدنة بمنطاطق الزراعة الآلية نجده تقيد ضد شح الأمطار والآفات ولكن هناك كيفية في التعامل مع شح الأمطاروالآفات في مواعيد الزراعة وطريقة الحرث.

في السابق كان ديدن المسئولين في الزراعة بمسمياتها المحتلفة عدم الالتفات لرأي الخبراء , فنأمل أن تجد صيحة الأماجد أمثال د/ سيد البشير آذان صاغية.


#889269 [Dr. Mohamed]
4.17/5 (8 صوت)

01-19-2014 07:57 AM
هذا حديث العاقلين المنزهين من الغرض. و علي كل الأيام القادمة ستثبت ما إذا كان الأخ الوزير قد اتي برؤاه أم سيستمر الحال كما هو. وعلي الأخ الوزير أن يعلم بأن هنالك الكثير من العقبات و من المعوقين الذين لن يهأ لهم بال إلا بإن لا يحدث تغيير جوهري فوزارة الزراعة و كثير من مؤسساتها بها من القطط السمان التي لن ترضي بالتغيير فهل يا تري سنري رؤاه في مشروع الجزيرة؟


د. سيد البشير حسين
د. سيد البشير حسين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة