المقالات
منوعات
قصة - ليلة الركض على الطوب
قصة - ليلة الركض على الطوب
01-21-2014 01:05 PM




كنا مجموعة من الصبية, نسكن (حلة جديد), في أواخر أربعينات القرن الماضي. أدروب , محمد ادريس بيرنفي, برهان سند, عبد الله محمد داير, وأنا وشقيقي الاكبر. نتشارك لعب (الدافورى) عصراً بالأرض الفضاء جنوب الحلة, مكان السينما الشرقية لاحقاً.
في الليالي المقمرة نلعب ماتيسر من العاب ذلك الزمان (شليل وماشابه), ثم نُخلي الساحة قبل العشاء ( للمرافعين)، التي تأتي باكراً أول الليل،تبحث عن رزقها، و لا شيء يمنعها من ذلك. إذ لا أحد من الناس يتجول في الأنحاء بعد صلاة العشاء.
ذات صباح ونحن في طريقنا إلى المدرسة, فوجئنا بعددٍ من لواري التراب تُفرغ حمولتها بملعبنا, ومجموعة من العمال يحفرون الأرض بهمة ونشاط. يشرف عليهم شاب قمحي اللون، ممتلئ الجسم، يلبس بنطالاً قصيراً، وقميص (نص كم )، ويعتمر قبعة. بجواره يقف رجل مسن، في نفس لونه. يلبس بنطالاً طويلاً وقميص بأكمام طويلة، وربطة عنق ملونة،تضفي عليه هيبة، وتنبئ بأهمية الرجل ومركزه.
تملكتنا الحيرة والعجب، ماهذا الذي يحدث بملعبنا؟ ماذا يفعل هؤلاء الرجال ؟لماذا يحفرون؟ والرجلان، من هما؟ أسئلة شتى طافت بأدمغتنا الصغيرة، لم نقف كثيراً لنجد إجابة لها، لخوفنا من التأخير وعصا (شيخ احمد) المتلهفة للضرب.
عدنا من المدرسة عند الظهيرة, فوجدنا العمل لازال جارياً في الحفر, ورأينا بعض العمال يقومون بصنع كمياتٍ من الطوب الأخضر، ويبسطونه على امتداد الساحة من الغرب إلى الشرق والجنوب، ليجف بحرارة الشمس. إذن هؤلاء يعتزمون إقامة مبنى في هذا المكان، ماهو؟ يبدو أنه سيكون ضخماً، فالمساحة التي يحفرون حولها كبيرة جداً لا تدل على أنه منزل أو مكتب.
دخلنا الحلة، فوجدنا الكبار يتهامسون حول الأمر, اصغينا, فسمعنا مفردة جديدة يتداولونها لم نسمع بها من قبل،(سينما)،يصفون بها مايجري في الساحة. زاد تعجبنا وتمددت دهشتنا، إذ لم نفهم ما يرمون اليه بكلمة( سينما)! ما هذه السينما، ولماذا في ملعبنا تحديداً.
بعد أيام من تجولنا هنا وهناك حول موقع الحفر، نكابد حرقة حرماننا من اللعب، تحصلنا على بعض المعلومات عما يجري هنا. الرجل المسن، موظف كبير من سكان الخرطوم. والشاب ابنه، وهم بصدد إنشاء سينما في هذا المكان. تكرم بعض العمال بشرح ماهية هذه السينما، قالوا لنا انه بعد اكتمال المبنى وتجهيزه بالماكينات، ستعرض داخله صوراً متحركة اسمها ( أفلام)، يشاهدها الناس معكوسة على جدار كبير أمامهم. وبما أن الشارح ليس أحسن حالاً من المتلقي، لذا مضينا ونحن أكثر حيرة مما سبق.
تصاعد اللغط والمناقشات بين الكبار حول هذه السينما، هل هي حلال أم حرام ؟ حتى استقر الرأي أخيرا على حرمتها وفسادها. بل سرت إشاعة قوية بأن السيد المبجًل قال أنه لن يمر بالطريق الذي به هذه السينما. فهو قد اعتاد المرور يومياً، بالطريق الإسفلتي المجاور للحي من جهة الغرب، قادما من مقره الرسمي، إلى منزله المجاور للمسجد الكبير. وعدم مروره من هناك، يعني أنه سيحجب بركاته عنّا، وتحل بنا اللعنة جراء قبولنا بقيام دار الفجور هذه. وكان ذلك هو القول الفصل, الذي جعلنا نحن الصغار، نفكر في طريقة للانتقام من هؤلاء الدخلاء، الذين اغتصبوا ملعبنا, وجلبوا لنا غضب السيد المبجّل وعدم رضاه.
تدبرنا أمرنا بليل, وحددنا ساعة الصفر, وفي ليلة ظلماء, نفذنا مؤامرتنا الصغيرة.
انطلقنا ركضاً، نعجن باقدامنا قطع الطوب الأخضر المفروش على امتداد الساحة, ثم عرجنا على الطوب الجاف تكسيرا وتفتيتاً, ثم تسللنا كل إلى منزله, مسرورين, نظن أن هذه نهاية الموضوع, وأن هذه السينما لن تقوم لها قائمة بعد الآن..
وأصبح الصبح, فإذا بالرجل المسن وابنه، ومجموعة من رجال الشرطة، يرافقهم شيخ الحلة, يطوفون بمنازل الحي, يخرجون الصبية إلى الشارع، ويبدأ الفحص:
- ارفع رجلك ياولد
الله ..يا للغباء، ليلة الأمس، ونحن في غمرة فرحتنا بما أنجزناه، نسينا أن نغسل أرجلنا بعد تنفيذ مخططنا.
- ارفع رجلك ياولد
من لا يوجد بقايا طين أسفل قدميه فهو آمن, أما نحن (المتآمرون) فلقد ضُبطنا بالجرم المشهود. اقتادونا إلى مركز الشرطة حيث طُلِب من كل ولى أمر أن يكتب تعهداً بعدم تكرار مثل هذا الفعل، بعد أن عفا صاحب السينما، بكل أريحية، عن خسارته المادية, فكسب بذلك تقدير أهل الحي.
بعدها صارت هوايتنا مراقبة سير العمل، حتى اكتمل البنيان والتجهيزات الداخلية, ثم بدأ التشغيل التجريبي لمدة شهر،والدخول مجاناً.
- من بَعْد، أدمناها لعقود من الزمن. ثم أصابتنا الحسرة والأسى لاحقاً، حين علمنا أنها أُزيلت وأصبحت في ذمة التاريخ.

.

الطيب محمود النور
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 678

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الطيب محمود النور
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة