المقالات
منوعات
غربة و" شوك "
غربة و" شوك "
01-18-2016 11:41 AM


يعيش أبناء المغتربين السودانيين ظروفا غير طبيعية و حياة تنقصها كثير من ملامح الطفولة الجميلة و البريئة و التي اعتقد جازما أنهم لن يجدوا لها مثيلا إلا في بلادهم ، فظروف الوالدين الضاغطة و سعيهم الحثيث خلف أن يعيشوا و يجعلوا غيرهم يعيشون لم تتح لعدد كبير منهم ملاعبة أطفالهم بما يكفي لإرواء غريزة اللعب فيهم أو إتاحة الفرصة لهم للتعلم منهم ، وأنا بالطبع لا اقصد التعليم النظامي الذي اضطلعت بمهمة مذاكرة مواده الكثيرة و متابعتها نساء المغتربين ( لهن جميعا التجلة والتقدير) و إنما أعنى التعلم من تجارب الحياة و حركتها الطبيعية التي تبدأ من ملازمة الوالدين و الأقارب مرورا بالتعرف إلى الأقران و زملاء الدراسة في الحي الواحد ثم تتمدد العلاقة لتشمل الزملاء في الأحياء الأخرى سواء في القرية أو المدينة. افتقاد أبناء المغتربين لهذا التواصل مع الأقران و الأجيال السابقة واللاحقة احدث اهتزازا ملحوظا في سلوكهم خاصة في سني حياتهم الأولى وأصبحوا يجدون صعوبة في التعامل مع الآخرين خاصة عند قضاء إجازاتهم بالسودان ، فالانفلات الزائد عن حده نتيجة لظروف الكبت المعروفة في الغربة لا يجد قبولا من أهل والديهم و غيرهم من المعارف والجيران و هم يرونهم يعبثون بكل شيء تطاله أيديهم حبا في الاستطلاع و التعلم و لكنهم لا يجدون مناصا من التعامل الحذر مع هذا الوضع "الاستثنائي" لان قيامهم بأي محاولة للجم هذا الانفلات قد تحدث شرخا في العلاقة مع والديهم حسب اعتقادهم . الناس في السودان تعودوا أن " يصرفوا " تعليماتهم لأولادهم و لأولاد غيرهم دون حرج فالتربية عندهم لا تقتصر على المدرسة بل يستطيع كل كبير يمشي في الشارع أن يوجه بما يراه منسجما مع العرف العام لذلك لم تكن المدرسة تجد عناء كبيرا في نقل أسس التربية السليمة إلى الطلاب الذين يجيئون إليها و قد تشربوا بكثير من القيم السمحة كالأمانة و الشهامة و المروءة و احترام الكبير و توقير الصغير و ليس على المدرسة إلا أن تؤكد على هذه القيم وتثبتها . و لان هذه القيم ما تزال حاضرة في أذهان أهل السودان رغم ما حدث من تغييرات كبيرة في كافة مناحي الحياة فكثيرا ما تسمع عبارات مثل ( أولاد المغتربين ديل شلاقتم كتيرة خلاص) أو ( لا يا انتي... ديل اهلم اصلو ما مؤدبنهم) و ليس لك وقتئذٍ إلا أن (تبلع ) هذا الكلام و انت تعلم انك إنما أرخيت الحبل لتترك لأبنائك فرصة للتنفس و التنفيس ريثما يعودوا إلى سجنهم الكبير، ولكني لا أنكر أن بعضهم يرخى الحبل أكثر مما يلزم فتصبح المسألة دلعا أكثر من كونها إشفاقا فليس من المعقول أن احل ضيفا على احد الأخوان ثم اترك أبنائي يعبثون بمحتويات منزله كما يشاءون و اكتفي بعبارات من قبيل: ( اها ... كسرتها ؟ يا ولد ما تقعد ساي ) ثم ما تلبث أيادي الأولاد(بنين و بنات) أن تمتد إلى جهاز كمبيوتر المضيف الذي فاجأته الزيارة فتركه مفتوحا و هاك يا سواطة و مسح و إضافة و غير ذلك مما يعكر صفو الزيارة و صفو العلاقة أحيانا . هذا الوضع غير الطبيعي جعل أولادنا مادة للانتقاد الحاد وللتندر و السخرية في مواقف لا تحصى ولا تعد خاصة إذا طال غيابهم عن الوطن فهم لا يفرقون بين العم والخال و الجيران فالكل عندهم (عمو) ولا يفرقون بين التمر و النبق و لا بين الدوم و اللالوب و لا كيف يؤكل أيا منها، و كم كانت دهشة احد الخلان كبيرة حينما احضر له ابن أخته المغتربة دومة ثم نادى عليه :(عمو ..عمو بالله افتح لي دي ) فكل الأشياء عندهم تفتح (حسب مرجعيتهم) إما بالقص أو على طريقة البيبسي( تش). وتحضرني بهذه المناسبة قصة حدثت لي شخصيا حين زارني احد الإخوة الاكارم بعد قضاء إجازته في السودان حاملا إلى كرتونة بعثتها الوالدة (عليها رحمة الله) لأبناء ولدها ، ولما كان أبنائي الكبار نائمين مبكرا استعدادا لليوم الدراسي لم يكن يتجول بيننا غير (حسين) الذي أبى إلا أن يفتح الكرتونة ليرى ما بداخلها فتم له ذلك بعد أن أرخيت له حبل البلاستيك الذي شدت به من كل جانب وبينما نحن مشغولين مع ضيفنا بالسؤال عن حال الأهل و أحوال البلاد و العباد كانت يدا حسين تتجولان داخل الأكياس عله يجد فيها ما يروق له فمر على بعضها دون اهتمام ربما لخشونة ملمسها كالكركديه مثلا ثم ما لبث أن صاح فينا و عيناه تشعان فرحا و استغرابا : بابا .. بابا بالله تعال شوف التفاح دا صغار كيف ؟ ولما كنت أدرك أن السودان لا ينتج التفاح ( حتى الآن على الأقل) و لا يمكن للوالدة بالتالي أن ترسل لنا تفاحا، أثار الأمر فضولي فذهبت إلى حيث يقف حسين فوجدت يده و قد امتلأت بحبات من النبق (موديل السنة) وكان لابد لي أن ارضي فضوله و أنا و ضيفي نتبادل الضحك : ايوه يا حسين اصلو تفاح السودان صغار كدا خليه يومين تلاتة لغاية ما يكبر ، و لعلي لم الحظ وجه الشبه بين التفاح و النبق من حيث الشكل طبعا إلا حين أبدى حسين ملاحظته الطريفة هذه ويمكن لأي منكم التحقق من صدق هذه (النظرية) بإمعان النظر في كلا (الفاكهتين).و قد حكى لي احد الزملاء أيضا أنه وأبناءه حضروا عيد الأضحى لأول مرة بالسودان منذ بضع سنين و كانت سانحة طيبة لهم ليلامسوا الخروف من قرب بعد تردد و خوف لم يكسر حدته إلا أبناء أقاربهم الذين كانوا يتقافزون فرحا و هم يحيطون بالخروف من كل جانب بينما كان ابناء هذا الزميل يجفلون من كل ( باع ....باع ) يطلقها الخروف و لما جاءت لحظة الذبح كانوا اقرب إلى باب المطبخ حيث توجد جدتهم منهم إلى أي مكان آخر و لكن بعد أن قيل لهم أن الخروف (خلاص مات و ما بقدر يعضي تاني ) عادوا ليشهدوا السلخ و كانوا في هذه اللحظة مطمئنين إلى حد ما بعد أن رأوا رأس الخروف يفصل عن جسده ثم بدأت أجزاء جسمه الأخرى تتساقط على الصواني من وقت لآخر فكانت تجربة مثيرة لابد أن تحكى لوالدهم الذي كان يزور اقرب بيوت الجيران لمعايدتهم و ما أن عاد إلى البيت حتى فاجأه احد أبنائه : بابا ...بابا كان شفت الليلة ناس جدو ضبحوا الخروف و ملصوا ليه هدومو و غسلوا بطنو في الطشت ، فكان رد جدهم الذي لم يتمالك نفسه من الضحك : و الله خربتو الأولاد ديل بقعادكم الكتير بره البلد ياخي جيبوهم يتعلموا شوية عندنا و يعرفوا أهلهم كمان .كتبت هذه المفكرة قبل بضع سنين حين كان عمر ابني حسين "الوارد ذكره أعلاه" حوالي 4 سنوات و هو الآن على أعتاب التخرج من الجامعة و ما بين تلك الفترة و تاريخ اليوم أضافت لنا التقنية مصدر قلق آخر في ما يخص تربية الأبناء في بلاد المهجر على وجه الخصوص وهو أجهزة الهاتف الذكية التي شغلتهم إلى درجة أن أفراد الأسرة الواحدة في البيت الواحد لا يلتقون إلا عند الوجبات ، فكلٌ منفرد بغرفته و "مجموعاته " إلى حد التوهان الذي ينسي واجبات المدرسة و مما يفاقم المشكلة أن هذه العدوى لم تقتصر على الأبناء بل انتقلت إلى الأمهات و ما استتبع ذلك من مشاكل بين الأزواج وتدني في مستوى التحصيل الدراسي للأبناء ، ثم جاءت الدوريات الأوروبية لتصب مزيدا من الزيت على معاناة الأسر بسبب تغيب أبناؤهم خارج المنزل وحضورهم في أوقات متأخرة من الليل لحرصهم على مشاهدة هذه المباريات في الاستراحات أو المقاهي حتى و لو توفرت إمكانية مشاهدتها بالبيت ، فالأجواء في المقاهي و الاستراحات فيها من الإثارة و التشويق و التعليقات ما لا يتوفر في البيت حسب رأيهم. ترى كم من الأشواك يلزمنا إزالتها عن طريق أولادنا في الغربة حتى يتسنى لنا إعادتهم إلى جادة طريق السودنة؟ أنبدأ بحالة الاضطراب النفسي التي يعانونها نتيجة وجودهم في مجتمعات تناصب الأجانب أو القادمين الجدد حالة من عدم الاستلطاف مستترا كان أم مكشوفا ؟ أم بحالة الاضطراب اللغوي و المعرفي بين ما يجدونه في محيطهم المدرسي و ما يجدونه في البيت ؟ أم بالتناقض الكبير بين نظم التعليم التي لا ينتمون إليها ولا تتيح لهم فرصة التميز و الإبداع فضلا عن عدم احتوائها على ما يربطهم بتاريخ بلادهم و إرثه الحضاري ؟ أم بحالة الحبس الإجباري التي لا يجدون منها فكاكا إلا في نهاية الأسبوع " أحيانا " لانشغال الوالدين بما هو أهم من الذهاب إلى الحديقة أو الملاهي ؟ أم بكثير من الأسئلة الأخرى التي لابد أن نجد لها إجابات ؟ أرجو من المهتمين و المختصين أن يجدوا لنا سبلا للخروج مما نحن فيه من حالة ارتباك دائم. ودمتم بخير.

[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1448

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1403306 [مالك]
0.00/5 (0 صوت)

01-21-2016 12:45 AM
العزيز يحي القدال كما نحلو ان نقولها وليس قدال المشكله كبيره وعلاجها صعب ان لم يكن مستحيلا ولكن دعونا نتفق ان نربي اولادنا علي الفضيله وحب الخير وحب الوطن وان نسال الله ان ينصلح حال البلاد حتي تعود الطيور المهاجره للوطن ويعود معها ابناءها لخدمه وطنهم ويعيشو في وطن حدادي مدادي ينعم بالحريه والمساواه بعدها سيعرفون عظمه السودان وتراثه وثقافته المتعدده ويعرفون الدوم والنبق واللالوب والقنقليز والكول والمرس والملوحه والسلات والاقاشي وهلم جرا لك تحياتي

[مالك]

#1402503 [عاصم عبده قسم السيد]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2016 03:04 PM
أبدأ بالتحية لك أخ (يحيى القدال) موصولة لكل متابع لصورة أصبحت من الماضي كما أقريت أنت بنفسك في صدر ما كتبت لصورة من قيم التواصل والترابط التي بدأت تتلاشى في مجتمعنا ليحل محلها النزوع إلى حاجز الخصوصية والفردية الضارب على الأسرة واختفاء مشاركة الأقارب وأهل الحي في توجيه وتربية النشء فهذا النوع من المشاركة له سلبياته التي من ضمنها إضعاف دور الأب بالتحكم في توجيه أبناؤه الدور الذي يجب أن لا يقوم به إلا هو فهو المسؤول الأوحد عن ذلك، وأيضاً هنالك سلبيات تتعلق بمن يشاركون الأسرة من أقارب أو معارف في توجيه النشء نجد بينهم من هم غير مؤهلين لممارسة هذا الدور من عدة جوانب، الغدوة الحسنة، مستوى التعليم ، أخلاقهم ، سلوكهم .... الخ.
ومن جانب آخر إذا تتطرقنا للانفلات الإعلامي الذي حدث بسبب التواصل الفضائي سواء بإنتشار الفضائيات أو الإنترنت يكاد يكون قد وحد اهتمامات النشء والشباب كما تطرقت أنت لمتابعة دوريات كرة القدم في إنحاء الدنيا والإهتمام بأخبار الأندية واللعيبة في جميع أنحاء العالم والتواصل الاجتماعي بين من في السودان ودول المهجر ومتابعة ما يعرض في اليوتيوب بدأت الثقافة العالمية تفرض على الكل شروطها فالطفل والشاب في السودان أصبح اهتمامه نفس اهتمام من هو في المهجر الكل قابع أمام شاشات التلفاز تشده نفس الفضائيات ويتداولون حولها النقاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الكمبيوتر أو الأجهزة الكفية كل ذلك يجعل بحثنا للرجوع لقيم اندثرت ضرب من الحرث في البحر.
أتمنى أن تكون مداخلتي متناغمة مع ما كتبت أخي يحيى.

[عاصم عبده قسم السيد]

#1401954 [alhadihamid]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2016 08:08 PM
هذا موضوع يحتاج الى مؤتمرات و مناقشات جادة و جميل انك تطرقت اليه يا اخ يحيى و لو من قبيل لفت النظر فالمختصون عندنا لا يتكلمون في مسائل المغتربين إلا ما يخص المال ( تحويلات ، استثمار ، سيارات ...الخ ) بينما ابناءنا هم الاستثمار الحقيقي لكنهم لا يعارون اهتماما للاسف.

[alhadihamid]

#1401892 [الوليد ابراهيم عبدالقادر]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2016 04:29 PM
السلام عليكم استاذ قدال انه موضوع شيق وواقعي.. فعلا ان هؤلاء الاطفال هم احد ضحايا مأساة الغربة..الله يكون في عونهم..

[الوليد ابراهيم عبدالقادر]

#1401804 [Shiddo]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2016 01:46 PM
ودمنت انت بألف خير ، يا قدال ، على هذه المواضيع المعاشه حقا ..

[Shiddo]

يحي حسين قدال
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة