المقالات
السياسة
هواجس الإمام حول مِصْـر: رحلة الشِّـتاءِ والصّيـْف.. ولا "رَبيـْعُ" ..
هواجس الإمام حول مِصْـر: رحلة الشِّـتاءِ والصّيـْف.. ولا "رَبيـْعُ" ..
01-25-2014 12:05 PM



أقرب إلى القلب:
(1)
للإمام حسٌّ كبير يشى بإشفاقه الصادق على حال مصر، بمثل إشفاقه على أحوال السودان، لا يقل ولا يزيد. ذاك الحسّ يشابه إحساس مصر واشفاق المصريين أوّل سنوات الخمسينات من القرن الماضي، على جنوح السودان لنيل استقلاله، فيما بعض أصواتٍ حسبتْ مصر ستعضّ أصابع ندمها على خروج السودان بعيداً عنها، وبعض أصوات أخرى عاقلة، رأتْ حقّ السودان جلياً في أن يحقق إرادته، استقلالا أم اتحاداً.
جلسنا في حفل افتتاح مهرجان السودان للسينما المستقلة في مدرسة الخرطوم المجتمعية العالمية (كيكس). لمصر فوح في المكان عبقه على خشبة المسرح كما هو على الشاشة الفضية. ضيف الشرف تلك الأمسية هو الإمام الصادق المهدي وهي أمسية لا علاقة لها بالسياسة، كما هو واضح من الوجوه السودانية المحبّة للسينما تملأ الساحة الأثينية من حولنا، والوجوه المصرية التي لها إطلالة محبّبة، تذكّر أن الذي في مصر هو من شأن السودان، وأن الذي في السودان هو من صميم هموم مصر..
(2)
أعرف أنّ للمجالس حرماتها، كما أنّ لهمس المنابر آذان مَرخيّة ليسَ لها أن تبوح بالذي سمعتْ. حين جلستُ قرب الإمام في تلك الأمسية، سَنحتْ دقائقُ قبل استئناف البرنامج الذي كنا بصدده، فإذا السياسة تقفز قفزاً إلى ألسنتنا، وإذا إشفاق الإمام على مصر، يطلّ من ثنايا نجواه قبيل البرنامج الذي نحن جالسون إليه. عن يساري صديقي كمال الجزولي، وانا أشاغبه حول "شكلته" الأخيرة، فإذا اللبِق المِمراح، قد برزتْ له أنيابٌ وأظافر كما الكواسر. عن يميني السيد الإمام والسيد إسماعيل الفاضل، حكيم من البيت المهدوي، فكأنّي بين عقيدتين: يسار ويمين، وأنا بينهما في الوسط المريح!
كان ذلك في افتتاح مهرجان السودان للسينما المستقلة، والوجوه المصرية باسمة حييّة من حولنا، برغم اكفهرار الأحوال في قاهرة المعز، إذ هم ضيوف المهرجان الذي أقامته جماعة "فيلم فاكتوري" وفي قيادتها الشاب الألمعي الناشط طلال عفيفي. والحديث عن "فيلم فاكتوري" سيطول ولي عنه حديث طويل، فالمهرجان يقام على شرف الفنان الراحل حسين مأمون شريف، غير أن المقام هو مقام حديثٍ عن همٍّ من هموم الإمام، أسرّ به في تلكم الجلسة والوجوه المصرية من حولنا مأخوذة بالدهشة في "خرطومٍ"، بعضهم يعرفها للمرّة الأولى وآخرون من فرط سودانيتهم تحسبهم مصريون، كمثل صديقنا العازف البريع مجدي مشمش.. هنا مخرجون من حولنا وممثلون. مطربون ومطربات. موسيقيون وموسيقيات. .
(3)
همسَ الإمام في حسرةٍ سياسية: كيف لا يتبيّن الإخوة في مصر أن حالهم إلى تردٍ كبير، وأنّ الذي يمعن النظر ملياً، سيرى أنّ مصر مُقدِمة إلى "انتحار ٍسياسي" وشيك. تلك عبارته لوصف الوقائع الماثلة هناك. رأى الإمام أن الذي تعيشه مصر الآن هو مواجهات مُهلكة انفتحتْ نيرانها على أكثر من جبهة واحدة. الأخطر هو استسهال إقصاء التيار الإسلامي الجارف، وهو أمر كارثي سيفتح أبواب الجحيم على نظام لا يبدو أنّه كامل الثبات والتماسك. يخشى الإمام أكثر خشيته أن تنهار القوة العسكرية في آخر معاقلها وهي معقل مصر، إذ كلّ القوى العسكرية في البلدان العربية من حول مصر، قد لحق بها وهن وتفكك وانكسارات، وليس في أفق العسكرية العربية من جيشٍ متماسكٍ يمكن أن ينافح إلى الآن، سوى الجيش المصري. نعرف أن العسكرية المصرية وبعد هزيمة يونيو 1967، فقدتْ الكثير من رجالها وعتادها بل وكرامتها، وأعاد إليها انتصار حرب أكتوبر عام 1973، همّة ضائعة، وكرامة كادتْ أن تهان، وإرادة تضعضعت لسنوات وسنوات. الذي حسبناه ربيعاً عربياً تلاشى بريقه، والصورة من قبل ومن بعد قاتمة الملامح، وَقد انقصمَتْ ظهور جيوش بلدان العرب، بدءاً بالعراق مروراً بتونس وليبيا واليمن، وبقي جيش مصر وحده في قلب التماس بين المشرق والمغرب. يشفق الإمامُ أن تفقد مصر تماسك جيشها. كنت أقول إنّ الإعلام المصري – وهو إعلام موغل في مساندةٍ الأنظمة الشمولية عموماً والعسكرية خصوصاً، والتي كان دأب العاملين عليه إسنادها لعقودٍ استطالتْ منذ إزاحة فاروق من ملكه عام 1952. هو إعلام يَملك قدرات هائلة في الضغط لإبقاء الجيش في الواجهة. يريد جهابذة الآلة الإعلامية في مصر، صناعة "ناصر" جديد اسمه عبدالفتاح السيسي.
(4)
كنتُ أقول للإمامِ أن بعض الأمل يلوح في الدستور المقترح أن تندمل عبره بعض الجراحات أو تنفتح فرجات يمكن أن تعيد ما انكسر، إذا صفت النفوس وخلصت النوايا. ذلك في نظر الإمام أمرٌ بعيد الحدوث، برغم ما في مسودة الدستور الجديد من ايجابيات أفضل بكثير ممّا ورد في الدستور السابق. ذلك دستور صاغته "الجماعة" في استعجال ومسارعة، لم تلتفت أقلّ التفات لطبيعة المجتمع المصري ولمزاجه الغالب. . التحدي الحقيقي هو أنّ "الجماعة" ستظل على عزوفها في التعاطي مع المعطيات الماثلة. هنا تزيد المخاطر.
النظام الحالي لا يقف عند مواجهة واحدة. تأخذهم الرّيب بما تريد "حماس" فعله في مصر وفي المعابر، ومن وراء ذلك الظنِّ ظنٌ أكبر في نوايا الخرطوم وتعلقاتها بأمر "حماس". تأخذهم ريَبٌ أكثر في علاقة "الإخوان" في مصر بأصدقائهم – أو من حسبوهم أصدقاءهم- في الخرطوم. وهل من حكمة في استدامة عداء مُبطن أسافر على من تحفظوا على التغييرات التي وقعت في القاهرة، من بلدان مؤثرة مثل قطر. .؟ وإلى أيّ مدى يمكن لبلدانٍ مثل السعودية وبعض أطرافٍ في الخليج، أن تمدّ يد المساندة بلا حدود ولا سقوف، لمصر وهي على حالها في انشغال بمواجهاتٍ، لا يخال أحدٌ أنّها إلى زوالٍ في الأجل القريب..؟ وإلى أيّ أفق تتجه علاقات القاهرة بالخرطوم والهواجس المصرية تكبر كل يوم، ثم لا تفتأ أقلام مصرية تكتب عن هروب السودان من أزماته بافتعال مواجهة مع القاهرة..!
(5)
عن الموقف السوداني من سد النهضة، تذهب التفسيرات مناحي شتى، فالذي رآه السودان أنّ في قيام السّد، فيه تغليب للمنافع على المثالب وهو الخيار الأوفق. ولا يرى السيد الإمام خسرانا في هذا الخيار، ولكن الوقوف بموضوعية وتدارس علمي، هو الأوفق لتحديد وجهة نظر السودان، لا التسرع بتغيير المواقف. من يراقب سيعرف كيف انقطع لسان المنادين بمناهضة سد النهضة من خبراء السلطان إذ السلطان صاحب الشأن قد غير لبوسه وتقرّب زلفى إلى أديس. لا أحسب أن للخبراء هؤلاء من رأيٍ وهم مستجيرون من رمضاء الشمولية بنارها. وقف السودان أوّل أمره في معسكر مصر، ثم انثنى من بعد بما فسرته أقلام إعلامية في مصر، على أنه انقلاب في ظهر المجن، ونكوصٌ عن مساندة مصر في الأمر. واشتطت بعض أقلام أخرى في مصر في إبداء النقد القاسي لموقف السودان لتوجّسهم أنه موقف نابع عن مناصرة خفية لتيار مرسي. لعلّ تردّد السودان في إبداء موقف مدروس وموضوعي من السد الإثيوبي، بعيداً عن تجاذبات السياسة، ساعد على مثل هذه التفسيرات الفطيرة من قبل بعض إعلاميي وكتاب مصر.
ثم ها نحن نسمع – ويا لحسرة السيد الإمام- أن "السيسي" يعدّ لإنتاج نفسه نسخة من "ناصر"، وهو يعلن رغبته في الترشح لرئاسة مصر. من نصائح الإمام، أن لا يزجّ الرجل بنفسه في معمعة الرئاسة المصرية، وإن فعل فستدخل القوات المسلحة المصرية بثقلها في المواجهات المستعرة. بعدها من يضمن لمصر أن يبقى ربيع ثورتها ربيعا، فلا يتحوّل صيفاً حارقا أو شتاءاً ثلجياً مميتا. . ؟
==
الخرطوم – 23 يناير 2014
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 919

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#895379 [مهيره]
0.00/5 (0 صوت)

01-25-2014 12:42 PM
المصريين العسكر والاعلاميين في سكرتهم يعمهون وسيدركون غدا مدي صحة موقف السودان من هولوكوست التيار الاسلامي المصري كما ادركت دول الخليج بعد سيطرة الشيعة علي العراق صحة الموقف السوداني


جَمَال مُحمّد إبراهيْم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة