المقالات
السياسة
بيان الحركة الوطنية للتغيير ، ماله وماعليه
بيان الحركة الوطنية للتغيير ، ماله وماعليه
01-31-2014 01:04 PM


بسم الله الرحمن الرحيم

لقد نشرت مجموعة كريمة من المثقفين الاسلاميين في "سوانايل" مشروع بيان تأسيسي لتنظيم يسعون لإنشائه تحت مسمى "الحركة الوطنية للتغيير" ، وابتدرته بدعوة لحوار مفتوح حوله. استجابة لهذه الدعوة آمل أن يجد مقالي هذا حيزاً في صحيفتكم الغراء، علماً بأنني سبق أن تناولت العديد من القضايا المطروحة في كتاب صدر لي مؤخرا من مطبعة جامعة الخرطوم (الديمقراطية الممكنة: معاً نحو نضال سلمي لتعزيز التحول الديمقراطي، يوليو 2013). عموماً هذه مبادرة طيبة وايجابية من مجموعة وطنية مهمومة بقضايا الوطن وذات شأن على المستوى الوطني والإقليمي، غير أنه قد تكون لي رؤية مختلفة في بعض ماجاء في البيان أرجو أن لا يفسد ذلك للود قضية.

جاءت المقدمة ممتازة ومتكاملة، حيث أبرزت المشاكل الأساسية التي يعاني منها الشعب السوداني في هذه المرحلة كمبرر لإنشاء الحركة. غير أنه لم توضح الأسباب الموضوعية لهذه المشاكل، وهذه مسألة ضرورية لأن حلولها ترتكز على الأسباب؛ كما أن نهج تحليلها يدل على استراتيجية الحركة ومنهجيتها في وضع الحلول، خاصة والمجموعة ذات خلفية فكرية معروفة لدى شرائح المجتمع المستنيرة. كما أن تحديد الأسباب يحدد المسئولية. و في مداخلتي هذه سوف أوضح رأيي فيما ورد في البيان وفيما سكت عنه.

أولاً اتفق مع بداية المقدمة أن السودان يمر بمرحلة "ضعف و سقوط بامتياز". وفي رأئي يرجع السبب الرئيس إلى عدم استكمال مطلوبات مرحلة التحول الديمقراطي، وما تمخض عنه من إقصاء للآخر و جهوية وما تبع ذلك من تضخم أجهزة الدولة وفشل في أداء القطاع الزراعي وبعض القطاعات الاقتصادية الأخرى و استشراء للفساد بعضه مقنن باللوائح حسب قول السيد الرئيس. ويقف القضاء عاجزاً عن محاصرته.

ثانياً ورد في المقدمة أن "الحرب الأهلية في الجنوب تطورت لتصبح انفصالاً"، وهذه حقيقة ماثلة و اتضح حالياً بانها جاءت قاصرة ومجحفة لأهل الجنوب قبل أهل الشمال، ولقد كتبت وغيري كثيرون في هذا الموضوع، ولكن كان لابد أن يظهر السبب الرئيس، على الأقل، و هو في رائي غياب الديمقراطية واستيثار قيادة المؤتمر الوطني بالحوار و تعجلها للتوصل لأي اتفاقية لتتفاخر بأنها حلت مشكلة الجنوب، وأي حل!! و الغريب في الأمر أن جون قرنق طرح عليها النظام الكنفودرالي ولكنها رفضته لسبب يعلمه الله عزّ وجل.

ثالثاً ورد أنه قد " تحطمت مؤسساتنا التعليمية العريقة التي كنا نفاخر بها". وهذا استناج سليم. فرغم سلامة مقاصد ثورة التعليم العالي إلا أنها نفذت على عجل دون وضع ميزانية لبناء القدرات خاصة البنيات التحتية و الموارد البشرية والتسهيلات التقنية في الحسبان، و تم فتح جامعات فوق قدرات السودان وعلى حساب الجامعات الثلاث العريقة بقررات سياسية للتفاخر وكسب المريدين، كل ذلك في غياب القدرات اللازمة. وزاد الطين بلة عدم وجود كادر أكاديمي مؤهل لتجويد الأداء في هذه الجامعات الجديدة والأعتماد على كادر المؤتمر الوطني المؤهل وغير المؤهل في إدارة هذه الجامعات و رئاسة مجالسها والاعتماد على الاساتذة المتعاونين وبعضهم يدرس مقرر فصل كامل في أسبوعين. تم كل ذلك بسبب غياب الديمقراطية والاستهانة بالرأي الآخر.

رابعاً ورد أن:"علاقاتنا الدولية قد تدهورت، وأن دولتنا قد وضعت في قائمة الأرهاب". و السبب أيضا غياب الديمقراطية وانفراد المؤتمر الوطني بالحكم و القفز فوق المراحل ومعادات الدول الكبرى عن قصد وبدون قصد وتصدر بعض القضايا جرت البلاد في مشاكل نحن في غنى عنها. و كل مسلم حقيقي يعلم تماما أن البون شاسع بين السودان و الدولة الاسلامية المنشودة، فلا داعي للتعجل قبل التأكد من بناء المجتمع السوداني المسلم.

يتضح مما أورده البيان في الصفحة الأولى من الحالة المتردية التي يعيشها السودان، و من العزلة الخارجية و الانشقاقات الحزبية والانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، ومما أوضحته من مختصر الاسباب لكل ما ورد أن السبب الأساس هو عدم استكمال مرحلة التحول الديمقراطي. فالحروب الأهلية في غرب السودان اساسها عدم التوازن الأقتصادي والشعور بالظلم والتهميش. ورغم أن هذه الحالة ورثناها من الاستعمار كقنابل موقوتة إلأ أين نحن الآن من زمن الأستعمار، هذه مسؤولية تتحملها كل الحكومات التي مرت على السودان منذ عام 1956م. فلقد ظل الشعب لسوداني الطيب يحلم بنظام سياسي مستدام لمدة ستين عاما دون جدوى؛ و تعاقبت على حكمه ثلاثة أنظمة ديمقراطية لمدة أحد عشر عاما وثلاثة أنظمة عسكرية شمولية دام حكمها زهاء الأربعين عاما. و اوافق البيان على الفقرة التي بدأت بأن:" أهدافنا الصغيرة والكبير قد تساقطت ومؤسساتنا الاقتصادية والاجتماعية قد تآكلت وعلاقاتنا الداخلية والخارجية قد تمزقت.. وعلينا أن نعيد النظر في مجمل أوضاعنا الوطنية....إلى نهاية الصفحة الثانية.

بالطبع هنالك "أزمة اجتماعية عميقة و قديمة ومتشعبة ومتنوعة المظاهر و أرست قواعدها الإدارة البريطانية وتوارثتها الحكومات الوطنية.." وأضيف على ما ورد في البيان من رؤى صائبة أن النخب السودانية عامة والأحزاب والعسكر خاصة فشلت في تصحيح هذا الوضع في فترة قاربت الستون عاماً لانعدام الديمقراطية والاستمرار في عدم التوازن الجغرافي في قسمة الثروة والسلطة .

و تشير الفقرة الأخيرة من صفحة 3 للعزلة الاجتماعية التي يعاني منها شباب الأقاليم (الريف) الذي انتقل للعاصمة (المركز)، حيث وجد أن:"آفاق الحراك الاجتماعي مسدودة أمامهم" وأن مؤسسات الدولة الرسمية والشعبية لا يمكن اختراقها؛ ومن ثم اصبحوا يعانون من فجوة اجتماعية وأخرى اقتصادية. أدى كل ذلك لفقدانهم الثقة في المركز ومؤسساته الرسمية والاجتماعية مما اجبرهم على الانكفاء على انتمائهم القبلي والعشايري. وهذا بالطبع تحليل سليم و أضيف أن العزلة الاجتماعية هي نتاج ثقافة مجتمع متخلف يعاني من محاباة القبيلة (Tribalism) و الأهل (Nepotism) وربما فئة استثانئية عنصرية. و يستغرق تغيير هذه الثقافة (Social change) زمناً طويلا. غير أن البيان لم يتعرض للعزلة الرسمية الممنهجة التي يعاني منها كل الشعب السوداني و الناتجة عن غياب الديمقراطية وإقصاء الآخر، وهي سياسة "التمكين" التي اعترف بها السيد الرئيس ضمنياً و عزم على التخلي عنها بعد - ما وقع الفأس على الرأس- ربع قرن تقريباً. هذا المفهوم الذي وضعه المفكر الإسلامي سيد قطب والذي دلت التجربة أنه لا يقود لدولة اسلامية ولكن يؤدي للجهوية بعيوبها المتعددة و تحت ظل دولة الحزب الواحد لايقود لبناء مجتمع مسلم ولكن لمجتمع منافق كما قال المفكر الإسلامي الغنوشي.
اتفق مع البيان أن الصراع المسلح بين الدولة و حركات التمرد في السودان انعكاس لـ :" توتر اجتماعي /سياسي عميق" ، و في ذهني جاء نتيجة لغياب الديمقراطية. غير أنه في الفقرة الثالثة في صفحة 4 لخص البيان المدخل لحل الصراع المسلح بين الدولة و حركات التمرد في: " أن يتقارب المستنيرون العقلاء من أبناء المركز مع الجيل المستنير العاقل من أبناء الهامش المستضعف لإيجاد مسار جديد للعمل الوطني". هذا نهج رومانسي لا يحقق الهدف المنشود. إذ أن المدخل الحقيقي هو تعزيز التحول الديمقراطي، حيث أن الحل العملي في يد الدولة، أما التقارب في ظل نظام مازال ينقصه الكثير ليصبح ديمقراطيا لن يساعد في إزالة التوتر الأجتماعي الاقتصادي.

ورد في البيان :"أن التحول نحو نظام ديمقراطي مستقر لايتم دفعة واحدة، ولمجرد حسن النوايا، وإنما يمر عبر ثلاث مراحل أساسية من الفعل السياسي الدؤوب تتمثل في عمليات انفتاح/ واختراق/ واعادة تركيز للقوى. ويقصد "بالانفتاح" أن تخرج المجموعات السياسية الفاعلة في المجتمع من حالة الانغلاق الأيديولوجي والولاء الحزبي أو الاثني الضيق لتنفتح على فكر جديد وعلى مجموعات سياسية أخرى، ولكن مثل هذا الانفتاح الايديولوجي والسياسي لا يحدث عادة الا بعد عملية مراجعة نقدية مريرة، ونزاع يقع في داخل المجموعة السياسية،..". فكرة المراحل الثلاثة فكرة ذكية وقد تنطبق على حالة بناء حزب أو كتلة ولكن لايصلح كآلية عمل وطني مشترك فاعل لبناء نظام ديمقراطي في دولة. إلى ذلك أود أن استكمل هذه العملية قياسياً (Extrapolate) لإدارة الصراعات الفكرية والسياسية داخل الاحزاب وهي عملية ضرورية لبناء وتطور الاحزاب، حيث يجب فتح المجال للصراع الموضوعي الشريف داخل الأحزاب مما يستلزم إدارته ديمقراطيا.ً هذا الاستقراء لا يتعارض مع الولاء الحزبي. غير أن الولاء القبلي و الاثني فلن يزول بين "ليلة وضحاها" كما يقولون، إلا إذا استكملت مستحقات التحول الديمقراطي وحصل التغيير الاجتماعي المطلوب بالتعليم و كل آليات الاستنارة والتوعية الاجتماعية كما حدث في المجتمعات المتحضرة. إن عملية بناء الأحزاب سهلة المنال أكثر من التصور الرومانسي للبيان. أما الاختراق وفق تصور البيان فهي عملية صعبة المنال، إلا إذا كانت المجموعات المعارضة لها توجه وايدولوجية واستراتيجية واحدة، ربما من الممكن تقارب مجموعة الإصلاح بقيادة الدكتور غازي صلاح الدين ومجموعة حركة التغيير مثالاً. ولكن التقارب والتلاقي المطلوب حاليا والذي يدعم تعزيز واستكمال مرحلة التحول الديمقراطي هو بين الأحزاب ليس فقط لبلورة:"رؤية مشتركة للإصلاح السياسي والبناء الوطني، خارج المسلمات القديمة والأطر القائمة .."، بل للالتزام بتطبيق مفاهيم الديمقراطية الليبرالية المعدلة بدءاً في إدارة شئون كل حزب على حدة، بما في ذلك المؤتمر الوطني الذي تململت قياداته المستنيرة والجادة، وثانياً للتعامل بين الأحزاب بعضها ببعض و بينها و بين الدولة منعاً للتشرذم و مدخلا سليماً لتأسيس نظام ديمقراطي مستدام. ووفق رأي البيان يدل تشظي وتشرذم المجموعات السياسية الفاعلة في المجتمع السوداني الى:" أن الحالة السودانية من اليمين إلى اليسار قد دخلت بالفعل مرحلة "الانفتاح" التي تبشر بإمكانية التلاقي والعمل الوطني المشترك". ولكن في ذهني إن التشرذم يدل على غياب الديمقراطية في إدارة شئون الأحزاب مما أضعفها. فلو إنفكت عقول قيادات هذه الأحزاب من أسر الأفكار القديمة والخضوع التام لقيادة رئيس الحزب أو حتى اللجنة التنفيذية عملاً بمبدأ الانطلاق من القمة إلى القاعدة لن تقوم للحزب قائمة وسوف تستمر عملية الانشقاقات. بناء على ذلك سوف يتم بناء الحزب إذا التزم نهج الانطلاق من القاعدة إلى القمة وليس العكس أي الانطلاق في رحاب الديمقراطية. إن التوافق بين المجموعات الرافضة يساعد ولكن لا يؤدي لتحقيق ديمقراطية مستدامة في السودان.

وكما ورد في البيان:" الحركة الوطنية للتغيير هي جماعة فكرية وحركة سياسية سودانية تدعو للتضامن الوطني والعمل المشترك من أجل اصلاح الوطن وتعزيز قدراته سعيا نحو الاستقرار السياسي، والسلم الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية"..... "و تتسع عضويتها للتيارات والعناصر الوطنية المستنيرة التي لم تتمرغ في فساد، أو تقترف جريمة، وترفض الايدلوجيات الشمولية التسلطية التي تسير على نهج الانقلاب العسكري أو الانغلاق العرقي أو الطائفي"...."و ذلك باعتماد صيغة الديموقراطية التوافقية كأساس للحكم. كما شمل البيان القيم و المباديء التي تؤمن بها مجموعة حركة التغيير وهي ممتازة، وفي المضمون تلتقي كل دساتير الأحزاب ولكن العبرة بالتطبيق. أسوأ ما في هذا البيان اعتماده لمبدأ الديمقراطية التوافقية "كأداة للمشاركة المجتمعية الواسعة في شئون الحكم في كافة مستوياته".. وحسب علمي أن هذا النظام الذي اقترحه بروفسير "آرند ليبهارت" أستاذ العلوم السياسية الممتاز (Professor Emeritus) بجامعة كليفورنيا يرتكز على أربعة أعمدة هي: (1) تحالف حكومي عريض تمثل فيها كل الأحزاب ذات الثقل المقدر و (2) تمثيل نسبي واسع عند توزيع مقاعد البرلمان و (3) تطبيق نظام فدرالي يؤمن استقلال المناطق المختلفة و (4) حق النقض للأقليات في القررات السياسية والإدارية الكبيرة التي تعنيها. لذلك فالديمقراطية التوافقية لا تؤسس نظاما ديمقراطيا مستداما لانها تتم بالتوافق وليس بصندوق الاقتراع الذي يعكس صوت الشعب. كما أنها تشجع على الانفصال وتضع العراقيل أمام البرلمان بحق مايسمى بالنقض، وإذا طبق حاليا ستركز الاحزاب على قسمتها من الكيكة، وتنسى بناء حزبها و النضال السلمي لاستكمال مستحقات الديمقراطية و السعى للفوز في الانتخابات، ويرتمي بعضها طوعاً تحت رحمة المؤتمر الوطني ويرضي بما يرميه لها من قسمة الثروة والسلطة.

وفي اعتقادي يصلح مشروع الحركة لإنشاء حزب ديمقراطي "أسلامي" يمكن أن يسهم في بناء الوطن بالتعاون مع الأحزاب العريقة الأخرى. غير أن البيان لم يوضح الرسالة أو الاستراتيجية العامة للحركة، و منهجية تحقيقها أو ماذا تعمل الحركة بعد أن تخلع مجموعات الرفض من أحزابها وتنضم لها، وكيف يتم تعاملها مع الدولة لتحقيق رسالتها، و كيف يتم تنفيذ الديمقراطية التوافقية، و ماهو المطلوب من الدولة والأحزاب لتحقيقها وماهي الآلية. كل القيم والمباديء لاتجيب على هذه الأسئلة. لا بد من إعطاء مؤشرات واضحة (دون تفصيل) لتفكير المجموعة القائدة حول هذه الاسئلة وغيرها خاصة والمجموعة التي مهرت البيان ذات توجهات فكرية واضحة للجميع.

how.valley@yahoo.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 668

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بروفسير مختار أحمد مصطفي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة