المقالات
السياسة

02-02-2014 01:36 PM


وزع د. عبد الحفيظ محمد أحمد، وهو من المثقفين الذين أسهموا مبكراً في مجال الحركة المسرحية وظلوا يصطحبون معهم هموم العطاء أكاديمياً وثقافياً، مبادرة مقتضبة تدعو للإصلاح الثقافي كان أن نبعت فكرتها خلال نقاش عفوي بين بعض المهمومين بدور الثقافة في بناء الإنسان السوداني إزاء ما تواجهه حالياً من ركود نتج عن تغلغل ثقافي وافد في ضروب الفن العديدة. وكان وقتها يتساءل عن السبب الذي يجعل قبيلة المثقفين نائية عن دائرة الفعل الجاد مستسلمة لما يحاصرها من حروب ثقافية تعمل على تغييب الثقافة السودانية وتقيم حائط عزل منيع أمام أصولها الغنية بالموروثات والجمائل والفضائل، وذلك باستجلاب المعينات الثقافية الوافدة والسالبة لعقول الناشئة. وهو بذلك يكون قد أوفى بوعده حين دفع بهذه المبادرة وفتح الباب عبرها للراغبين في إضافة وتنقيح ما صاغه من خطوط عريضة بغية جعلها ورقة عمل لمؤتمر يضم مختلف المكونات الناشطة في ميادين الثقافة.

ونحن حين نردد في أحاديثنا كلمة استلاب، تنهض أمامنا قائمة بالجهات التي تعزز هذا الفعل – بوعي أو جهل - سواء كانت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أو وسائل الاتصال الحديثة التي لما لها من أدوات مبهرة وقدرات سريعة التأثير على عقول الناس، تفرض ثقافتها ولغتها وسلوكها ومظهرها لتخلخل رسوخ الهوية والموروث السوداني. ورويداً رويداً سنصبح ذات يوم لنجد أنها السائد في حياتنا اليومية طالما أننا بطوعنا واختيارنا سلمنا أمرنا لها فرحين بما تأتي به من أعمال مغلفة بالعاطفة المتدفقة والابهار البديع. ولكي لا نلقي اللوم على تلك الجهات وحدها فإن الفرد يستطيع التنقل بين فضائيات العالم والتعرف على ثقافات عديدة دون كثير عناء وبلا مقابل مما يجعل السيطرة على خياراته الحرة أمراً عصياً، غير أن الأنسان المتشبع والمقدر لثقافته المحلية يمكنه التعامل بوعي لا الارتماء بكلياته في أحضان الثقافات الأخرى. وهنا يجيء دورنا في كيفية إشباع الإنسان السوداني وتسليحه ضد الثقافات الوافدة الشيء الذي يتطلب غرس الوعي الثقافي الوطني بمحاربة الأمية وتغذية المراحل الدراسية بجرعات تعين على حب الوطن وتراثه لا أن تقتصر التربية على ترديد النشيد الوطني في الطابور الصباحي فقط دون جعل الثقافة الوطنية الحقة مادة إلزامية ومحببة في مناهجنا. ولعل ما نمتلكه من تنوع ثقافي واثني سوداني لو وجد سانحة التبني الذي تجده الثقافات الوافدة لحقق قدراً من الانصهار في بوتقة واحدة ومزيجاً سودانياً لا يمكن لثقافات أخرى أن تتسرب من ورائه لما فيه من غنى وتفرد نوعي كفيل بتحصين ذواتنا من لغو الوافد. ومعروف أن كل شعوب العالم تواجه سيلاً من الثقافات الوافدة وقد تسمح بذلك حتى لا تكون معزولة عما يدور حولها في عالم صار كالقرية، لكنها تحرص على أن يكون استقبالها مشوباً بالحذر فتتعامل مع الوافد كإضافة هامشية لا تخرج عن إطار العلم بالشيء شريطة ألا تمحو من ذاكرة المرء ثقافته الأصلية لتصبح هي ديدنه في كل حركاته وسكناته.

لقد ألقى د. عبد الحفيظ حجراً في بركة ساكنة حين قال في مبادرته: (إن مجابهة الخطر الذي تغلغل وقضى على منشأة المواطن السوداني من القيم الروحية والوطنية الجميلة والتي ظل يتوكأ عليها تتطلب من كل مثقف المشاركة فيما نقترحه من مبادرة للإصلاح الثقافي بالسودان والعمل مع أهل الثقافة والفنون على قيام كيان حقيقي وعقد المؤتمر الثقافي الجامع عبر مراحل متعددة وكيانات فكرية متنوعة تضمن توسيع دائرة الشورى والتفاكر للوصول إلى فلسفة ومحتوى وآلية لتحقيق الأمن الثقافي والذي بتزاوجه بالأمن الاقتصادي ينجب القوى الروحية والوجدانية والوطنية التي تحمي إنسان السودان ووطنه وتشكّل قوته). لقد أورد عبد الحفيظ رؤى عديدة، لكنني قصدت بهذا التناول الموجز أن أوسع دائرة نشر الدعوة وأن ألقي بالكرة في ملعب وزارة الثقافة باعتبارها الجهاز التنفيذي الذي يمكن أن يرعى مثل هذه الأفكار عسى أن يتبلور منها حراكاً إيجابياً.

salahyousif65@yahoo.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 396

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




صلاح يوسف
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة