المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
شوقي بدري
رجل الالف سنة 3
رجل الالف سنة 3
02-04-2014 10:18 PM


ويستمر دونانت في وصف الحرب إلى ان ترجح كفة الفرنسيين وحلفائهم ولكن لا ينسى ان يذكرنا بشجاعة النمساويين ويعطي عدة امثلة ويحكي عن الملازم قيسول الي كان يحمل العلم الذي تحاصرت فرقته بقوة تساوي عشرة اضعاف قوته فتصيبه طلقة ويسقط على الارض ولكنه لا يطلق العلم فيقبض جاويش على العلم قبل ان تخترق جمجمته طلقة لكي يبقي في يد الكابتن الذي خضبت دماؤه العلم بدون ان يطلقه وكل من يقبض على ذلك العلم من ظباط وصف ظباط وجنود يصرعه رصاص العدو حتى كان العلم يقف على كوم من البشر.
ويحاول الجنرال كارفون وندشقريتر ان يستعيد بلدة كازنوفا بالرغم من تأكده بأن نصيبه سيكون الموت وحتى بعد ان جرح جرحا مميتا كن جنوده يسندونه وهو يعطي اوامره وسط مطر من الرصاص ثم حموه باجسادهم عندما سقط وبالرغم من انهم كانوا متأكدين من انهم سيموتوا إلا انهم لم يهجروا قائدهم في لحظاته الاخيرة حتى اسلم الروح.
عند الهجوم على جبل فونتانا قتل القائد لاوري والقائد هيرمنت وكثير من الظباط وسط القوات الجزائرية الذين عاهدوا انفسهم على الإنتقام واندفعوا بوحشية الأفارقة وتعصب المسلمين وذبحوا كل شخص امامهم. الكروات يرقدون على الارض ويختفون في الاخاديد ويتركون العدو يتقدم نحوهم ثم ينهضون فجأة ويطلقون بنادقهم عن قرب.
في سان مارتينو جرح الكابتن باليفيسينى فحمله جنوده إلى كنيسة لكي يقوموا بإسعافه وتصادف ان النمساويين قد قاموا بهجوم معاكس مما اجبر الجنود عن ترك الكابتن فحمل الجنود الكروات حجرا ضخما كان امام الكنيسة وهشموا به رأس الكابتن حتى تطاير نافوخه على ملابسهم.
وفي هذه المعارك كانت تسمع اللعنات والشتائم بكل اللغات وعلى كل شفاه واجبر شباب لم يبلغوا العشرون من عمرهم ان يصيروا قتلة.
احد قواد خط المواجهة قطعت يده بواسطة احد جنود البيسكاي واندفعت الدماء من جرحه فصوب احد المجريين بندقيته نحوه عنما كان يجلس تحت شجرة إلا ان احد الظباط منعه وطلب تحويل الظابط الفرنسي إلى منطقة اقل خطورة.
نساء الإسعافات كن يسرن وسط المعركة كبقية الجنود ويساعدن الجرحى المساكين وكما كان يحدث ان يصبن بالرصاص بينما يحاولن مساعدة الجرحى.
وبالقرب يحاول احد الظباط من فرسان الهوسار النمساويين ان يخلص نفسه من تحت حصانهالذي اصيب بقنبلة الظابط نفسه, كان يعاني من الإعياء بسبب فقدان الدم وبالقرب يمر حصان آخر يجر جثة فارسه الملطخة بالدم وفي بعض الأحيان كانت الحصين اكثر رحمة من البشر.
احد الظباط من الفرقة الاجنبية تقذف به قذيفة في الهواء لكي يموت موته مباشرة. وكلبه الذي صحبه من الجزائر كان قد صار صديقا لكل الفيلق كان يشارك في الهجوم وعندما اصابت الكلب رصاصة جر جسمه بعناء لكي يموت فوق جثة سيده.
كانت هنالك عنزة تبناها القناصة الذين يعملون خلف خطوط العدو, صارت محبوبة وشاركت في الهجوم على سولفرينو وجرت وسط مطر من الرصاص لكي تصل بسلام لقد وصف احد الجنود البسطاء هذه الحرب قائلا بعد نهاية الحرب( كنا نحس وكأنها الريح تحملنا إلى الأمام ). فالإنسان في تلك الحالة لا يحس بالحوادث إلا بعد نهايتها ويبدو ان رائحة البارود وزلزلة المدافع وصوت الطبول والأبواق تثير الرجال لقد حارب كل رجل وكأنما سمعته الشخصية معرضة للخطر, وكأنما النصر يعتمد عليه فقط.
فتيات التمريض كن يمشين على خط النار مثل الجنود العاديين ويساعدن الجرحى التعساء الذين كانوا يستجدون شربه من الماء وبينما هؤلاء النسوة يقمن بهذا العمل الانساني كن يسقطن صرعى برصاص العدو.
في نهاية المعركة لم يتقبل كثير من الظباط النمساويين الهزيمة وضحوا بحياتهم في معارك يائسة بعد ان كلفوا العدو خسائر كبيرة كما قام البعض الآخر بالإنتحار حتى يتجنبوا الهزيمة.
وفي نهاية اليوم ومع حلول الظلام ذهب الظباط والجنود الفرنسيين بحثا عن صديق او زميل وعندما عثروا عليه انحنوا فوقه وحاولوا بث الروح فيه او ضغطوا على يده مسحوا دمائه او عصبوا يدا او ساقا مكسورة ولكن لم يكن هنالك ماء من اجل الزميل او الصديق التعس فقط الدموع الصامتة في ذلك المساء الحزين.
في اثناء المعركة كانت المستشفيات الميدانية قد نصبت في بعض المزارع, الاديرة والكنائس , تحت شجرة و في العراء لكي تستقبل كبار الظباط , صغار الظباط و الجنود وعمل الأطباء الفرنسيون بدون كلل وكثير منهم عملوا لمدة عشرين ساعة بدون ان يتوقفوا واثنين من الأطباء الذين عملوا تحت رئيس المستشفى الدكتور( هيري قارتت) اصيباء بالإغماء من الاجهاد بسبب عمليات البتر الكثيرة اللتي اجرياها كما واصل احد زملائهم العمل مسنودا بإثنين من الجنود بعد ان فشلت قدماه في حمله.
من العادة ان يرفع علما اسودا على المستشفيات كنوع من العرف ولكن كان يحدث ان القنابل تسقط على هذه المستشفيات ولا ينجو منها العاملون , الظباط او المرضى.
الجرحى الذين يستطيعون المشي كانوا يجبرون على الذهاب إلي المستشفيات بالرغم من أنهم يعانون من الإعياء و فقدان الدم وعدم توفر العناية كما لم تتوفرالنقالات اللتي تجرها الخيل. او النقالات اليدوية والجبهة كانت تمتد لمسافة عشرين كيلومترا.
وكانت هنالك فيالق كاملة لم يتوفر لها اي طعام. وهنالك فرق قد تلقت اوامر بان تلقي عتادها قبل الاشتراك في المعركة وفقدوا كل شيء. في اماكن اخرى انعدمت المياه وكان العطش قاتلا وكان الظباط والجنود يبحثون عن الماء في البرك الصغيرة المليئة بالقاذورات والدماء المتجلطة.
بعض فرسان الهوسار النمساويين رجعوا إلي معسكرهم في الساعة الحادية عشر مساء واجبروا على المشي لمسافة طويلة لإحضار الماء وفي الطريق مروا على كثير من الجرحى والمحتضرين الذين كانوا يستجدون نقطة من الماء. وعندما رجع الهوسار لم يكن قد تبقى الكثير من الماء.
وحتى قبل ان يغلي الماء لصنع القهوة كان يسمع صوت الرصاص مما يدفع الهوسار إلي القفز على خيولهم. وقد كان يحدث ان الفرنسيين كانوا يطلقون النار على جنود فرنسيين بالخطأ بينما هم يبحثون على الحطب والماء.
احد الجنود التيروليين الجرحى بالقرب من المعسكر يستجدي ماء ولكن بالرغم من قربه من المعسكر لم يكن هنالك ماء وفي الصباح يجدونه ميتا وزبد حول شفائفه وفمه ملئ بالتراب. وجهه المنتفخ كان يغطيه اللون الاسود والأخضر بعد ان تعرض جسمه لتشنجات مخيفة طيلة الليل وانغرزت اظافره في راحتي يديه.
وفي تلك الليلة الصامتة سمعت تنهدات ونحيب مخنوق وحشرجة الموت وصياح يقطع نياط القلوب. كيف يمكن ان نصف تلك الليلة ونضال الموت؟
ويواصل دونانت وصفه ويعكس لنا وجه آخر لما بعد المعركة بدون ان يدين.فالمزارعون في اقليم لومباري كانوا يسرقون كل شيء والجنود الجزائريون يأخذون كل ما يقع تحت ايديهم. فالجنود الذين تركوا متاعهم حتى ينطلقوا إلى القتال بخفة رجعوا ليجدوا ان ممتلكاتهم البسيطة قد ضاعت وهذا قد يعني كل مدخراتهم او الأشياء اللتي ذات قيمة عاطفية كهدايا الاسرة او ايقونة من الأم او ذكرى من أخت او خطيبة.
في بعض الاماكن كان اللصوص ينهبون الجثث بل كانوا ينهبون الذين لا يزالوا على قيد الحياة وكان الفلاحون اللمبارديون ينزعون الأحذية بكل جشع من اقدام الجثث المتورمة.
ويعطينا دونانت وصفا دقيق للنبلاء والجنرالات الذين كانوا يبحثون وسط الجثث عن ابن وصديق, فالموت لا يفرق.
وبين الجرحى يقدم لنا الظابط واحد النبلاء ( سيلفي دي ساران) الذي تخرج قبل شهر من اكاديمية (سينت-ساير) والآن تتدلى يده اليمنى مهشمة في انتظار البتر. الجنرال(تشاسيرس دي فينسينس) كان مصابا في رجليه الاثنتين ويقابله دونانت مرة اخرى في المستشفى ثم في القطار من ميلانو إلى تورينو إلا انه يموت متأثرا بجراحه. الملازم (دي قيسيول) الذي اعتبر ميتا بعد ان سقط في اخدود وسط مجموعة من جثث النمساويين والقناصة وبعض الأتراك والزواف (رجال الجبال من الجزائر) وبالقرب منه كان احد الظباط المسلمين في زيه الشرقي الجميل واسمه العربي بن الأدغر من القوات الجزائرية ووجهه الذي لوحته الشمس يرقد على صدر كابتن اليري ميت يرتدي سترة ناصعة البياض وبالقرب منهم جثة البارون الصغير السن (سينت-بير) الذي صار رئيسا لفرقته قبل اسبوع .
بعض الموتى كان يبدو عليهم السلم والراحة وهؤلاء الذين نعموا بموت مباشر . ولكن الآخرون كان الرعب والألم يرتسم على وجوههم . والاطراف المتيبسة كانت مليئة بالبقع الداكنة . كما انغرذ ت الاصابع في جوف الأرض. وظهرت الأعين كبيرة بشكل غير طبيعي وارتفعت الشوارب بطريقة فظيعة بسبب التقلصات لكي تعري الاسنان المنطبقة بشدة. وظهروا وكأنهم يبتسمون إبتسامة بشعة.
وفي ثلاثة ايام استمرت عملية الدفن. فالمساحة كبيرة وكثير من الجثث كانت مختفية في الاخاديد وبين الشجيرات ولم يعثر عليهم إلا بعد ان فاحت رائحتهم مختلطة برائحة الخيول الميتة.
من المؤكد ان كثير من الأحياء قد دفنوا مع الموتى وهذا بسبب عدم اهتمام وخشونة الفلاحين. والميداليات والساعات والنقود والخطابات اللتي وجدت في جيوب الظباط جمعت حتى ترسل الى الأسر ولكن نسبة لاعداد القتلى الكبيرة فلم يكن من الممكن اداء هذا العمل بصورة تامة.
فالابن الذي احبه والديه لسنين طويلة واعتنوا به واحسنوا تربيته ووجد عناية وحنان من ام عطوف, الأم اللتي تجزع لكل عطسة او وعكة , هذا الظابط الباهر الذي احاطته اسرته بالحب يذهب لكي لا يرجع. وجندي صغير السن يجبر لان يفارق خطيبته وامه وشقيقاته ووالده العجوز , يرقد الآن في الوحل ميتا سابحا في دمائه ووجهه الرجولي الوسيم متحجر بعد ان تعرض لضربات السيوف وشظايا القنابل . وجسمه الذي كان موضع عناية وتغذية واهتمام والدته ممزق وقد حال الى السواد وبعد ان تورم وصار مخيفا وسيقذف الآن في حفرة حفرت على عجل وكل الذي سيتحصل عليه هو قليل من التراب الذي سيهال عليه بضربات قليلة من جاروف مستعجل.
الموتى النمساويون رقدوا متناثرين في الغابات وعلى السهول في معاطفهم الممزقة وبذاتهم البيضاء الملطخة بالدم القاني واسراب من الذباب تحط عليهم والجوارح تحوم فوقهم لكي تنقض عليهم واخيرا دفنوا بالمئات في القبور الجماعية.
كثير من الشباب البوهيمي اليافع والمجر والرومانيين و آخرين والذين جندوا قبل اسابيع معدودة انهاروا ساقطين على الأرض بسبب الجوع والتعب وبجروح طفيفة لكي لا ينهضوا مرة اخرى.
كثير من الأسرى النمساويين كانوا في حالة رعب تام بسبب سؤ الفهم وكانوا متأكدين من ان الفرنسيين حيوانات متوحشة وكانوا يسألون بجدية عما اذا كانوا سيشنقون على الأشجار اللتي تتوسط الشوارع . كما ادى سؤ الفهم إلى ان احد الجرحى الفرنسيين زحف نحو احد الجرحى النمساويين والذي كان في حالة سيئة وعندما حاول الفرنسي ان يعطي الجريح النمساوي شربة ماء رفع النمساوي بندقيته وبكل ما توفر عنده من قوة اهوى بها على الفرنسي . كما حاول احد الفرنسيين ان يحمل نمساويا قطعت رجله إلا ان النمساوي اخرج مسدسه واطلق رصاصة على الفرنسي من قرب.
ويقول احد الظباط النمساويين لدونانت ( لا تستغرب لهذه الاشياء فإن بيننا بعض المتوحشين . ان بيننا متوحشون من الاطراف البعيدة من الإمبراطورية النمساوية انهم قساة, برابرة حقيقيون).
وينجح دونانت في إنقاذ مجموعة من الاسرى المجريين عندما اراد الفرنسيون ان يفتكوا بهم فقد حسبوهم من الكروات نسبة للشرطان اللتي تزين سراويلهم والكروات عادة كانوا يجهزون على الجرحى. ولكن دونانت يشرح لهم الفرق.
يجب ان نلاحظ هنا ان السويسريين يتكلمون ثلاثة لغات وهي الفرنسية والألمانية والايطالية وهذه احدى العوامل اللتي ساعدت دونانت في مهمته.
قسوة الكروات في الحرب قد لمسها العالم في الحرب البوسنية. كما لا ننسى ان الحرب العالمية الاولى قد بدأت في سراييفو عندما اغتيل الارشيدوق النمساوي في سنة 1914. كما مارس الكروات فظائع رهيبة في البلكان عندما انضموا لهتلر.
الالمان كذلك كانوا يقتلون الاسرى القوقاز في حربهم مع روسيا لان القوقاز كانوا يرتكبون فظائع بشعة ضد اعدائهم, كما كان القيصر يستخدمهم في قمع المظاهرات و الثورات وهم الذين تعقبوا جيش نابليون المنسحب ونكلوا بالجرحى والمتخلفين. واستخدمتهم الإمبراطوره كاثرين في حربها ضد تركيا كما ارتكبوا كثيرا من الفظائع في حرب القرم ولهذا كانوا يحاربون لآخر لحظة حتى لا يسقطوا في الأسر لان السقوط في الأسر يعرضهم للإنتقام . وقسوة الكوزاك او القوقاز ظهرت في الرواية الخالد الدون الهادي .
سوء الفهم كان يؤدي الى كوارث كثيرة فمثلا بعد المعركة جمع الأسرى النمساوين وبدأوا السير نحو بلدة برسكيا وعندما رأى الايطاليون الهوسار النمساويين يتقدمون بزييهم المميز حتى شاعت الأخبار بأن الجيش النمساوي قد رجع. فبدأوا في الجري والاختباء وهرب البعض بأطفالهم وما خف حمله وغلا ثمنه والذين بقوا اتجهوا إلى اقرب نمساوي جريح وبدأوا في العناية به ووسط الصراخ والرعب قلبت العربات اللتي كانت محملة بالخبز والنبيذ والأكل واقتتل البشر لركوب اقرب جواد والهروب به . وانطلق سائقي العربات وخيولهم تحطم اي شيء في الطريق دائسين حتى على الجرحى الذين كانوا يطالبون بالرحمة بدون ان يستجيب لهم اي انسان.
يوم 25 و26 و27 يونيو كانت ايام شديدة الحر بجانب القاذورات , كان هنالك نقص في المياه والتهبت الجروح وصرخ الجرحى من الالم وعلى الارض الحجرية في المستشفيات , الكنائس والاديرة استلقى الجرحى من كل الجنسيات فرنسيون عرب, المان , اسلاف .....الخ, استلقوا بطريقة عفوية. ولم يستطيعوا حتى ان يتحركوا اذا ارادوا نسبة لضيق المكان ويقول احد الجرحى( ماهذه الآلام القاسية ؟ نحن نموت مهملين بالرغم من اننا حاربنا كرجال) .
لم يكن في امكانهم ان ينوموا بالرغم من تعبهم بسبب آلامهم وبالرغم من ليال من عدم النوم كانوا يتلوون من الالم ويستجدون المساعدة من الاطباء وينتهي الامر باصابتهم بالتتنس والموت المؤلم. بعض الجنود كانوا يظنون ان جروحهم الملتهبة ستمتليء بالديدان اذا وضع عليها بعض الماء ولهذا كانوا يرفضون غسلها بالماء . والذين ضمدت جروحهم في ارض المعركة شدت ضماداتهم بقوة حتى يساعدهم ذلك في عملية الترحيل ولم يكن هنالك من يرخي ضماداتهم بعد حضورهم للمستشفى مما عرضهم الى عذاب شديد , وبعض الذين اصيبوا بجروح في وجههم امتلأ وجههم بالذباب الذي لم يستطيعوا ان ينشوه. وفي بعض الاحيان اختلطت المعاطف والقمصان باللحم والدم ليكونوا عجينة يصعب وصفها ومن تلك العجينة زحفت الديدان ثم اتت اسراب من الذباب الجائع. احد الجنود كان يرقد منزويا ولسانه يتدلى بطريقة غير طبيعية من خلال فكه المهشم ويحاول النهوض ولا يستطيع فيسكب دونانت بعض الماء على شفائفه المتيبسة ولسانه الناشف ثم يعصر قليلا من الماء في الفتحة المشوهة اللتي كانت فمه في يوم من الأيام. وبالقرب منه كان هنالك جندي اخططف جزء من وجهه سيف حاد فأنفصل انفه وشفائفه وفكه عن بقية وجهه. وهو الآن نصف اعمى وغير قادر على الكلام يشير الى دونانت ويطلب المساعدة بقرقرة من حلقه فيعطيه دونانت قليلا ليشرب ويسكب قليلا من الماء النظيف على وجهه لكي يخفف آلامه وثالث بثقب كبير في جمجمته يصدر حشرجة ويبدأ الجرحى الآخرين في دفعه بارجلهم ويحميه دونانت في لحظاته الأخيرة فيلفظ انفاسه الاخيرة وتنسكب محتويات جمجمته على الارض الحجرية وبالرغم من ان كل المنازل قد حولت إلى مستشفيات وكل اسرة قد كان عندها مريضا لكي تعتني به الا ان دونانت يجمع كمية من المتطوعين والمتطوعات لتغيير الضمادات وإطعام الجرحى فكثير من الجرحى كانوا معرضين للموت جوعا وعطشا ولم يكن الأمر سهلا في الأول وسط الصراخ والضجيج والنتانه والغاذورات . وكما زاد الحر وصراخ الجرحى وشكواهم من الحمل الذي تعرض له المتطوعون . بل ان احد الظباط المتطوعين لم يحتمل الوضع وأصابته حالة من التقذذ فانسحب.
فرنسي سائح صغير السن يتطوع ولكن منظر الجروح والجرحى والأشلاء البشرية يدفعه لأن ينفجر باكيا . رجل اعمال من نياختل يتطوع إلى يومين كاملين بدون توقف في تغيير الضمادات وكتابة الرسائل للمحتضرين الذين يودعون اسرهم. وفي النهاية يجبروننه على التوقف خوفا على حياته . ونفس الشيء يحدث لاحد البلغار المتطوعين الذي يندمج في عمله ويتفاعل مع آلام الجرحى حتى كاد ان يموت هو. وشاب من ميلانوحضر متاخرا لكي ينضم إلى فرقته فينغمس بشدة . ويذكر لنا دونانت كمية كبيرة من المتطوعين الذين يبذلون جهدا خارقا لمساعدة الآخرين.
(لا تدعني للموت) صرخ جندي بائس وقبض على يدي بقوة غير متوقعة. وبعد ذلك الجهد العظيم كان قد فارق الحياة.
وعريف صغير السن في العشرين من عمره بوجه رقيق معبر واسمه
CLAUDIUS MAZUET
اصيب برصاصة في جانبه الايسر وحالته ميؤوس منها وكان هو يعرف ذلك. اعطيته قليلا لكي يشرب فيشكرني اولا ويطلب مني ان اكتب خطابا لوالده كي يواسي والدته.
شاويش عجوز تغطي صدره مجموعة من الميداليات يقول بمرارة. لو انني تحصلت على العلاج مبكرا لكتب لي الحياة ولكني سأموت في هذا المساء. وفي المساء كان قد مات ( لا اريد ان اموت). يصرخ احد جنود الحرس. قبل ثلاثة ايام كان مليئا بالحيوية وهو الآن يحتضر. واتحدث اليه واهدئه. وببساطة وبراءة يلقى الموت بسلام.
وبعيدا وفي الكنيسة وعلى كومة التبن يستلقي افريقي. لم يكن يشتكي ولم يكن يتحرك. لقد كان مصابا بثلاثة رصاصات. رصاصة في جنبه ورصاصة في كتفه الايسر ورصاصة في ساقه الايمن. لقد كنا في مساء الاحد وهو لم يذق طعاما منذ صباح الجمعة لقد كان قذرا بطريقة مقزذة. جسمه ممزق ومغطى بالدماء. وبعد ان غسلت جراحه واعطيته بعض الحساء ودثرته ببطانية ورفع يدي الى شفتيه بشكر عميق. وفي المدخل استلقى مجري وكان يصرخ بدون توقف بطريقة تقطع القلب وينادي بالإيطالية على الطبيب فلقد خدشت ظهره شظية قنبلة وكشفت عن جزء كبيرا عن عضلاته وجعلتها عارية من اللحم والجلد وبقية جسمه كان متورما وإكتسب اللون الأسود والأخضر ولم يكن في امكانه الجلوس او الاستلقاء.
احد الموتى الشباب يقبض على شيء ويضمه بقوة إلى قلبه انها ميدالية تحوي صورة والدته.
وعندما يمر دونانت بين صفوف الجرحى الفرنسين يلاحظ انهم يتابعونه بعيونهم وكل يدعي انه من بلده في فرنسا بالرغم من انه سويسري . انها رغبة طبيعية فالكل في تلك الظروف يتمسك بأي شيء يذكر بالوطن . فما اتعس ابنائنا الذين يموتون اليوم في السودان من الجانبين فما الذي يذكرهم بقراهم يا ترى ويزيل آلامهم؟
ويذكر لنا دونانت ان بعض الجنود لم يكونوا جرحى ولم يصابوا بأي امراض ولكن بلغ بهم الشوق لاوطانهم درجة انهم ماتوا بالشوق . هذا شيء غير مصدق ولكن حقيقي..
كثير من الجنود كانوا يتعذبون بصمت وكانوا يموتون بدون ان يطلبوا اي مساعدة وبدون اي صوت يتقبلون الموت لأنهم دربوا على ان هذه هي الطريقة الطبيعية كما كان بعض الجنود يرفضون ان يتقبلوا المساعدة او العناية من العدو وبعض النمساويين كان ينزع الضمادات من جروحه لكي تنزف. احد الكروات إلتقط الرصاصة اللتي استخرجها الطبيب من جسمه لكي يضرب بها الطبيب على جبهته.
نمساوي في التاسعة عشر من عمره كان في نهاية الكنيسة مع اربعين آخرين ولم يذق طعاما لثلاثة ايام واحدى عينيه اقتلعت وهو يشكو من الحمى, وبعد مشقة استطاع ان يشرب قليلا من الحساء. وبعد قليل من العناية يترك المستشفى. وبعينه المتبقية بلونها الأزرق الجميل يعبر عن شكره.
الشعور بان كل ما يعمله الإنسان في تلك الحالة لا يكفي . ويطفي على الإنسان الإحساس بالعجز. فالوصول الى اي اتجاه يأخذ عدة ساعات ففي كل خطوة يسمع المرء نداءا فلماذا يذهب المرء إلى ذلك الإتجاه وهناك من يحتاج اليك هنا؟ وهذا الشخص قد يموت من العطش او الحمى وهو يحتاج لكلمة عطف او مواساة.
انك لا تستطيع ان تتصور ماذا يعني حامل البريد للجنود. انه يحضر بالرسائل والاخبار من الوطن والقرية. الاهل والاصدقاء الجميع يسطنتون لسماع اسمهم وتمتد ايدي جائعة لإستلام الخطاب. وسعيد من تحصل على خطاب والذين لم يستلموا خطابا ينكفئون بقلوب مثقلة بالحزن. وفي بعض الأحيان ينادي حامل البريد على شخص. وينظر الجميع إلى بعضهم ويهمهم صوت (لقد مات).
الكلورفورم هو المخدر الوحيد الذي كان متوفرا في ذلك الزمان ولكن لسؤ الحظ ان كثير من المرضى والجرحى الذين تعرضوا له لم يعودوا الى الحياة بعد العملية الجراحية. وكثير من المرضى والجرحى النمساويين سيقوا الى العمليات الجراحية بدون ان يكون عندهم فكرة عن العملية اوظروفها نسبة لعامل اللغة.
الكونتيسا (برونا) ابدت كثيرا من العطف والشجاعة في تقديم مساعداتها واشتركت في التمريض وعندما وجه لها الشكر والاعجاب اكتفت ان قالت بالايطالية
انا ام (SONO MADRE)
احد الظباط النمساويين والذي يعاني من الالم والحمى رفض ان يترك احد الاطباء الأيطال لمساعدته ليتجه إلى العنف لأنه كان يظن ان الطبيب سيقطع رجله وبعد ان يسبب مشاكلا وآلاما لنفسه يستطيع دونانت ان يقنعه بلغته بان الطبيب لا يريد ايذائه..
كل الفتيات الحسناوات والنساء في كاستليوني لم يستطيعوا ان ينقذوا كثيرا من الجرحى. وان كانوا قد خففوا آلامهم. فلا يكفي وجود الضعفاء والغير مدريبن من النساء. ان ما نحتاجه هو رجال بقلوب رحيمة وتدريب رجال اقوياء وثابتين. من طريق التخطيط والتنظيم يمكن تجنب الحوادث والامراض المعدية اللتي بطريقة مؤسفة تهاجم الجروح الطفيفة اللتي قد تؤدي إلى موت سريع. ليست هنالك اي حرب في القرن التاسع عشر توفرلها قدر من المساعدة والإسعافات مثل تلك الحرب ولكن بالرغم من هذا لم يكن هذا كافيا. واغلب هذه المساعدة كانت موجهة للحلفاء, واهمل الجنود النمساويين.
لقد كان هنالك بعض النساء الشجعان من الإيطال الذين ساعدوا الجرحى إلا ان عددهم لم يكن كبيرا. وبعض المواطنين ذهبوا بعد مدة. كما افزعت الأمراض المعدية البقية والذين كانوا متحمسين في البداية اصابهم الحزن وفقدوا شجاعتهم.
في مثل هذا العمل لا يصلح البشر المأجورون. فكثير من الممرضين الماجورين يصيرون قساة القلوب ويبعدون عن الحالات اللتي تصيبهم بالتقزذ. والتعب والارهاق يجعلهم كسالى. وهذا العمل يجب القيام به مباشرة ومن الممكن ان من ينقذ حياة جريح اليوم قد لا يستطيع تقديم اي مساعدة غدا وإهمال أي جرح يعطي فرصة للحمى كي تقضي على الجريح .
المطلوب متطوعين وممرضين مدربين على استعداد تام. ويجب ان يعترف بهم كل الأطراف المتحاربة كما يجب ان يسهل عملهم. ثم ان الممرضات في كل مستشفيات الميدان لا يكفون حتى اذا ضاعفنا عددهم عدة مرات ولن نستطيع ان نصل إلى هدفنا إلى بمشاركة الجمهور.
ليس في الإمكان حصر الفظائع اللتي يحتويها الكتاب . جندي في العشرين من عمره يصير شعر رأسه ابيضا في ليلة واحدة. وبعد ثلاثة اسابيع من المعركة كانت الجثث لا تزال في العراء.
وبعد ان احتل نمساويين نقطة مراقبة ساردينية. خذق النمساويين عيني الجندي المراقب حتى يرى بطريقة احسن في المرة القادمة.
احد جنود فرساي ينفصل عن فرقته ويقع في يد النمساويين الذين يقطعون اصابعه قائلين الآن يمكنك ان تتحصل على تقاعدك.
بعد نهاية المعركة كان عدد الجرحى الفرنسيين هو 19,665 الف. كما صرح الفيلد مارشال (هس) النمساوي بأن الجنود النمساويين الذين اصبحوا جرحى او موتى قد فاق الخمسين الفا.
في سنة 1855 وخلال حرب القرم قام القيصر الروسي الاكساندر الثاني بزيارة المستشفى العسكري حيث صدم بالواقع مما جعله يعجل بتوقيع اتفاقية السلام.
وحتى لا يمارس البعض اسلوب ( الرضا عن النفس) الذي هو احد اسباب تخلف العالم الثالث أريد ان الفت النظر إلى ان جيوشنا قد ارتكبت كثير من الفظائع وفي ايام اديمقراطية فلأول مرة يمارس بعض افراد الجيش السوداني الإغتيالات بالأجر المدفوع .
الاب (ساترنينو لوهير) قتل مع 28 من حرسه الخاص وهذا في يناير 1967 , والقضاء على مجموعة كبيرة كهذه القوة يحتاج اقل شيء لثلاثة بلتونات. فكيف خطط للمجزرة وكيف تم التعتيم على الجريمة. ثم اغتيل وليم دينق وستة من حراسه ولقد نفذ هه العملية صنفا من الرجال او 11 جنديا. وبالرغم من العدد القليل فإن الأسرار تسربت وأشارت اصابع الإتهام إلى الظابط (ص-ف) وربما لأن هذه العملية كانت انكشارية بحتة دفع ثمنها وليم دينق قتل في مايو 1968 . كما شن الجيش هجوما على مدينة جوبا وقتل الف واربعمائة مواطن جنوبي وهذا في يوم 8/7/1965 . ثم اصدرت الحكومة بيانا في يوم 21/7/1965 تحذر فيه كل الفصائل في الجنوب لتسليم اسلحتها في موعد لا يتجاوز4/8/1965 . مما جعل بعض رجال الجيش ينتظرون اقرب فرصة لقتل اكبركمية من الجنوبيين فمن العادة ان الظابط الجديد يكون متحرقا للتدشين وهو قتل اول جنوبي.
وبعد اسبوع بالتمام والكمال احاط الجيش بحفل عرس في واو والاوامر كانت ( ماتطلع جدادة ) وقتل المئات وبينهم ممثل البابا اسقف رمبيك.
وكلما اسمع وصف تلك المجزرة والارض اللتي تغطت بأشلاء النساء والأطفال حتى اسنان البشر اللتي انتزعها الرصاص واعقاب البنادق اتذكر معركة سولفرينو.
احد الذين نجوا من الموت في تلك الليلة كان مختبئا فوق سطح المنزل. وعندما سمع صوت صديقه الظابط الشمالي في الصباح تأكد من السلامة فأظهر نفسه مناديا صديقه الذي ارداه بطلقة في رأسه. شقيق القتيل هو الزعيم الذي لا يزال ينادي بالإنفصال ثم قبل بسلام الجبهة.
أغلب الذين في قيادة الحركة الشعبية من الشباب هم ابناء او اقرباء شهداء واو.
بعض الأشقاء الجنوبيين والذين نجوا من تلك المذبحة مجموعة من الشباب الذين اصروا على مواصلة لعب الوست لأنهم هزموا ( ياسنافيك) وقبل نهاية العشرة الجديدة وهم لا يزالون في النادي دوى صوت الرصاص. وجلس الجنود بكل بساطة لشرب مشروبات الحفل. من قصص الفظاعات في الجنوب ان احد الشباب قام بنزع علم سيارة قائد الجيش في جوبا. فقطع رأسه ووضع مكان العلم . وكانت الرسالة واضحة . وقام بعض الجنوبيين بأرتكاب جرائم في حق المدنيين الابرياء . ومذبحة المدنيين في توريت ستلقي بظلالها علي علاقة الشمال والجنوب ، وان كان من ارتكبوها هم افراد .
(برنسب) الطالب الذي قتل الأرشيدوق وتسبب في الحرب العالمية الأولى لم يشنق لأنه كان في التاسعة عشر من عمره والقانون لا يسمح بشنق اي شخص اقل من 21 سنة. ولقد شاهدت زنزانته في مدينة (ترزين) في شمال بوهيميا لأن السجن تحول إلى معسكر إعتقال في الحرب العالمية الثانية. والزنزانة من المؤكد خير من زنزانات الجبهة..
ع . س . شوقي بدري
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2542

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#908282 [عائشة الفلاتية]
1.00/5 (1 صوت)

02-06-2014 05:59 PM
الشيوعيين عندنا في السودان قتلوا الضباط العزل في قصر الضيافة وقتلوا اهلنا في الجزيرة ابا ونكروا ذلك !!!!!!!!!!!!!!! ايه رايك ؟؟؟


#908009 [ود الامام]
1.00/5 (1 صوت)

02-06-2014 01:11 PM
العزيز شوقي بدري... مقالاتك التي تكتبها جميلة وشيقة للغاية وقد استمتعنا كثيرا بحكاياتك عن سوق امدرمان وحي السردارية فقد زرعت الفرح في قلوبنا وتاقت نفوسنا الي ذلك الزمن الجميل ,وكذلك مقالك عن هنري دونانت مؤسس الصليب الاحمر فقد كان المقال الاول جيدا وكانت فيه معلومات ثرة عن الرجل المؤسس والظروف التي دعته الي تاسيس الصليب الاحمر واهداف الصليب الاحمر ,لكنك بالمقابل قد قرعت اذاننا قرعا في المقال الثالث فهو ملئ بالموت والحرب , فنحن ياعزيزي قد شبعنا حربا في السودان اكثر من خمسين عاما من الحرب وقد ملننا حتي ذكر اسمها , لعلك قد لاحظت ذلك بنفسك من قلة عدد المعلقين علي الموضوع فمن المؤكد ان ذكر الحرب والموت قد صدمهم فصمتوا واحجموا عن التعليق . نأمل ان تكون مقالاتك القادمة اكثر اشراقا .... ولك التحية


#907452 [مامون]
3.00/5 (3 صوت)

02-05-2014 11:42 PM
تحية للأستاذ شوقي ولا أحد ينكر أنك تقدم للقارئ الكثير المفيد من انتاجك الفكري من غير فلوس (مجانا) والقارئ يعرف ويقدر ذلك من غير حاجة إلى تذكيره ونسأل الله الذي أغـناك عن اللجوء لبيع هذا الانتاج الوفير أن يزيدك من فضـله ويبارك لك في ما أعطاك..
لهذا وددت لو أنك لم تذكر هذه العبارة (ففي امكانك ان تسترجع فلوسك ، او تطالب بتعويض)!!
حتى تجنب نفسك المن والأذى الذي يبطل الصـدقات كما تعلم.. على كل مشكور..


شوقي بدري
شوقي بدري

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة