المقالات
السياسة
شارع من دون لافتة وثمن الغربة
شارع من دون لافتة وثمن الغربة
02-05-2014 11:42 AM



قاع مجتمع المدينة منهمك في وضع اللمسات الأخيرة لبث الروح من جديد في جسد الجالية السودانية المهتريء في منطقة الدمام ، ويتراوحون جيئة وذهابا بين المنطقة الشرقية والسفارة السودانية في الرياض العاصمة، التي لم يقلع نفر فيها عن عادة التطفل على شؤون تجمعات السودانيين الطوعية بدلا عن الإنصراف لمهامهم الدبلوماسية، ومعالجة شؤون مواطنيهم، في ظل مشاكل العمل المعقدة المتزامنة مع عدم وجود ملحقية عمالية في السفارة مثل كل سفارات البلدان المصدرة للعمالة، ربما لأن الملحقية العمالية بطبيعة عملها لا سبيل لها لجباية الريالات.
مجتمع آخر من ذات المدينة وفي ذات الوقت يصنع الفرح في قلوب السودانيين الموعودين بالحزن الذي يلاحقهم في مهاجرهم أينما كانوا. في صالة دربار الخليج في مدينة الخبر شرق المملكة العربية السعودية مساء يوم الجمعة 17 يناير 2014م وبمجهود ذاتي كثير الإبداع والإدهاش، احتفلت مجموعة السلام السودانية للرياضة والثقافة والفنون في المنطقة بمشاركة جمعية أصدقاء الكتاب السودانية، بتدشين ديوان (في شارع من دون لافتة) للشاعر الجميل الصحافي أسامة علي أحمد سليمان. يتابط اسامة أحلامه ويطير بها مع هديل الحمائم فوق الغاب والصحاري وضفاف النيل ويعبر برشاقة السنين والتاريخ والحدود ويضم ذلك كله في ديوان صغير الحجم أنيق الإخراج، فيسمو بالحضارين في عوالم تبلغ بهم حدود الدهشة.
يستهل "في شارع من دون لافتة"، وهو عنوان أولى القصائد التي أخذ الديوان اسمه منها، بقوله:
هذه القصيدة أتعبتني
أخرجتني من جنون الشعر للرسم المجاور
فاندلقت
ودون أن أدري
رسمت على هوامش صفحتي اليسرى
حمامة
...
ويختتمها بقوله:
بيتي قديم عند شط النيل
في وهم الخريطة
ربما
في شارع من دون لافتة
ومكتوب على جدرانه بالفحم
-عفوا ربما اندثرت-
أسامة
وعن الوجع القابع في جوف الوطن يقول اسامة في أطلسه المنسوخ:
الاطلس المنسوخ
كانت فيه سيدة الخرائط
فيه كاملة
وفي عشر من الصفحات
ثم تقلصت في آخر الطبعات
نصف وريقة
شخصت إلى سهم الشمال
قصيرة
تحتاج حاشية منمقة
لتعلوها
فتحلم باكتمال
ثم يقول
كان المكان خريطة
حفظت ملامحنا
تحيط وجودنا
ببراءة بيضاء علية
تشكلنا كطيبة
"طميها"
أنعيد تثبيت النجوم على السماء
ونرسم الاشجار
والصحراء
نشرخ بسمة
كالنيل في قسماتها
ونثير أشجان التراب
تشوق
أم ننزع الصفحات
ثم نعيد تبويب الكتاب
الشاعر حسين حمزة كان له حضوره الأنيق في نفس الأمسية حيث استمع الحاضرون لبعض قصائده المنشورة في ديوانه "ثمن الغربة" الذي يتناول الإغتراب والحلم بالمستقبل في بلاد الآخرين تناولا مباشرا، لا تنقصه الصراحة:
وكل يوم بيمر بعدي والعمر بتضيع سنينو
لا ابتسامة تزورنا مرة وكل زول حاضن أنينو
فاقد الحب والمحنة والحزن أصبح سجينو
ومن كتر همو العليهو والشجون الله يعينو
ثم يعاتب شاعر أغنية(جسمي انتحل) صديق طفولته الذي تجاهله و(عمل ما بعرفو في الغربة):
ياما وياما إتشايلنا وياما أهلنا إتفاخرو بينا
كم واجهنا الزمن القاسي واتقاسمنا الحلوة وشينة
زي أخوانك كنت وأكتر وأمك كانت بي حنينة
وبعد العشرة اقابلك صدفة وتعمل نفسك ما بتعرفني
مالها الغربة أخدت منك كل ملامح الطيبة الفيكا
ومالها الغربة طفت الشمعة الكانت ضاوية وسط عينيكا
شارك عدد من الشعراء والمتحدثين في ذلك العرس الإبداعي الفخيم، ولكن كان لافتا للنظر بشكل خاص مشاركة الشاعرة السعودية ماجدة الدهام(الشهيرة بموجة شمال) الباذخة بقراءة عدد من قصائدها علي الحاضرين في أمسية تعانقت فيها جروف النيل مع خليج السياب.
تجي تبكي على فرقا الحبيب ونستبيح النوح تجي نصرخ على طول الصباح بكل ما فينا
تجي نستعرض التوديع من جودي سفينة نوح عسى نلقى بصيص من الشفق يمكن يواسينا
وإذا طارت نوارس همنا للشاطيء المفتوح تموت آمال صيادينهم لعيون أمانينا
وإذا يشرق شعاع من فجر نرجع نهد صروح ننام ونترك العالم بلا أرض وبلا مينا
وتبث موجة شمال حزنها فتقول:
يا صاحبي كتر الوجع صار قتال تشرب كفوفي دمعة عين شقية
أنا غريبة حال والفكر رحال في داخلي جمرة غضب سرمدية
أنا الوفا لو الزمن غير الأحوال أهدي البشر حبي ولا أطلب هدية
الفنانة التشكيلية السعودية إلهام القحطاني شكلت حضورا فخيما تلك الأمسية،وكانت جزءا من تميزها، فتولت باحترافية لافتة تقديم كل فقرات الحفل وكانت إثراء واضافة حقيقية للفعالية واختتمتها بكلمة موجزة تناولت فيها ملامح الشخصية السودانية المميزة من واقع تجربتها العريضة في التعايش مع شعوب وثقافات مختلفة.
على استحياء كان يقف ذلك العملاق بجسمه النحيل وابتسامته المطبوعة دائما علي وجهه.. أحمد حسين خيري،عراب الحفل، بقدراته التنظيمية الكبيرة وثرائه الابداعي،زاهدا في الاضواء، فللأضواء عشاقها من أصحاب الذوات المهملة العاطلة من الخير كالذين ورثوا الجالية السودانية في الدمام عن آبائهم وأفرغوها من كل معني فاضل.
كانت أمسية الجمعة 17 يناير 2014م في صالة دربار الخليج في مدينة الخبر شرق المملكة العربية السعودية نموذجا للإبداع السوداني والتوظيف الخير لقدرات الإنسان السوداني في مهجره، وكانت تواصلا رفيعا عفويا بين ثقافات الشعوب يعبر فوق محن الزمان.
(عبدالله علقم)
[email protected]






تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1240

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#906942 [سوداني موجوع على الوطن]
0.00/5 (0 صوت)

02-05-2014 12:53 PM
تحية لكل أبناء الوطن الأعزاء في مهاجرهم الحزينة مقتبسة من رائعة الدوش و وردي الحزن القديم :
من غابات
ومن وديان
و مني أنا
ومن صحية جروف النيل مع الموجة الصباحية
ومن شهقة زهور عطشانة فوق أحزانها متكية
و من صوت طفلة وسط اللمة منسية ...


عبدالله علقم
عبدالله علقم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة