المقالات
منوعات
محمد عبد الله مشاوي المحامي ،، أو القضاء الواقف مبتسم!
محمد عبد الله مشاوي المحامي ،، أو القضاء الواقف مبتسم!
02-06-2014 11:20 AM

وداعاً يا ميشو
محمد عبد الله مشاوي المحامي ،، أو القضاء الواقف مبتسم!
حسن الجزولي
هاهو الناعي وضمن سلسلة الوفيات الفواجع التي رفضت الانقطاع ولو للحظات عن حياتنا لتمهلنا قليلاً حتى نكفكف الأدمع لننهض، هاهو الناعي ينعى بالأمس رحيل الحبيب والخال والصديق محمد عبد الله مشاوي، المحامي الشهير والقانوني الضليع والمثقف الرفيع وأحد ظرفاء مجتمع العاصمة وأم درمان كضاحك وباسم ومتهكم وساخر كبير، ضارباً بالهموم والغموم عرض الحائط بزهد المتصوفة العظام، وبيقين لا ينكسر بأن " يوم باكر أحلى"، وأن الحياة ما هي سوى ضحكة كبيرة! هذا ما كان يردده أمام أي صديق أو حبيب لكي يخفف عنه مصيبة من مصائب الزمن أو ضيق وبرم حلً عليه!.
وبنفس مستوى التطلع والايمان العميق بانتصار إرادة البشر، فقد عرفته ساحات القضاء والعدالة مهاباً فيها ومهيب وهو يدافع عن قضايا من يحتاجون لمعونته القانونية، فيسمع الناس صوته المجلجل أمام المحاكم مدنية كانت أم عسكرية – خاصة بالنسبة لقضايا ذوي الحقوق السياسية، وكان عليه الرحمة لا يخشى في قول كلمة الحق لومة لائم أو وعيد كاشف أو مبطن!.
ارتقى مولانا مشاوي سلم تحقيق العدالة في سنوات كان فيها رجال القانون يعدون على أصابع اليد الواحدة ، بعد أن تأهل أكاديمياً بمصر وعاد ليتنقل متدرباً على مكاتب أشهر المحامين السودانيين بعد سنوات تخرجه. ليسهم بقسط وافر من بسط العدالة وتوفيرها والعمل من أجل ترقيتها وتوفيرها لمن يحتاج إليها ، وكان بذلك ضمن أولئك المحامين السودانيين الذين أرسوا قيماً نبيلة تتعلق بالسعي للدفاع الانساني أمام المحاكم دون النظر أو انتظار العائد المادي!.
وهكذا وبسجيته المعهودة وما اشتهر به من ظرف وبديهة حاضرة في استجلاب الطرفة والنكتة الذكية فقد جلب ذلك معه حتى لداخل قاعات المحاكم وأمام القضاة ورجال القانون، فساهم بهذا في إنصاف المظاليم بعدالة مبتسمة!.
كان لمشاوي رصيد وافر من الحكايات والروايات التي تجلب القهقهة للفيف من أصدقائه الذين كانوا يكتظ بهم مكتبه نهاراً أو منزله مساءاً، وكان عليه الرحمة جالباً للفرح والابتسام الدائم لهم.
كان الاعتقال السياسي بالنسبة لمن يتم اعتقالهم مع مشاوي من الأمور المفرحة التي تخفف نحواً ما من الهم والغم نتيجة الاعتقال حيث سيساهم وجود مشاوي بطرائفه كثيراً في التخفيف من وطأة الاعتقال!.
ومن نماذج طرائفه أنه وفي اعقاب انقلاب 19 يوليو 1971 ، اعتقل دكتور فاروق كدودة ، الكادر القيادي ، في الحزب الشيوعي السوداني ، وفي التحقيق الذي أجري معه، قبل إيداعه سجن كوبر ، سُل ما إذا كان عضواً بالحزب الشيوعي، فأنكر كدودة عضويته بالحزب التزاماً بالتوجيه الصادر من قيادته في تلك الفترة، وفي أحد الأيام داخل المعتقل ، كان الراحل مشاوي، يقرأ في كتاب عن رأس المال لكارل ماركس، وفي إحدى صفحات الكتاب ، أشار ماركس ، إلى مصطلح اقتصادي، شبهه بأنه (كدودة) الغز، فجأة انتفض مشاوي ، والتفت إلى (كدودة) الذي كان مستلقياً بقربه قائلاً له :- تنكر إنك شيوعي ؟!.. فقال له كدودة :- ليه في شنو ؟!.. فرد مشاوي قائلاً :- أيوه .. لأنو ماركس زاتو ذاكرك في كتابو!.
وفي أحد الأيام وبينما كان الأستاذ محمد عبد الله مشاوي المحامي ، ضمن مجموعة يلعبون الكتشينة، في معتقل كوبر، حرص الموزع على (شك) الورق ، أكثر من مرة، ومشاوي يتابعه بغيظ، وعندما نفد صبره والموزع ما زال مستمراً في (الشك) قال له مستاءاً :- (يا ولدي .. أنت ديكارت)؟!.
وفي مرة أخرى وبعد إجازة ما كان يسمى ، بدستور البلاد الدائم، من قبل مجلس الشعب عام 1973، سنوات النظام المايوي، رفع المعتقلون السياسيون، قضية دستورية، تطعن في قانونية ، استمرار اعتقالهم منذ يوليو 1971، بعد فشل المحاولة الانقلابية، لتنظظيم الضباط الأحرار، وكُلف المحامي (.......) بتحريك إجراءات القضية ، أمام المحاكم، وبهذه الصفة فقد أصبح ، هذا المحامي يتردد ، على سجن كوبر أسبوعياً ، ليضع المعتقلين السياسيين، في مستجدات القضية، بواسطة مندوب من المعتقلين، كان يلتقيه في مكاتب إدارة السجن، لينقل للمعتقلين تلك المستجدات، في اجتماع كبير، كانوا يعقدونه لمتابعة الموضوع، استمر المحامي (......) يتردد اسبوعيا على سجن كوبر، بينما المندوب ينقل للاجتماع اسبوعيا ما يحكيه له (....) ، حيث كان في كل اجتماع، يبدأ حديثه قائلاً :- (نعم .. فعلاً الأستاذ (....) جا السجن وقال لي) وهكذا ، وقد راوحت القضية مكانها، لفترة شهور عديدة، دون ان يشعر أي من المعتقلين ، بأن هناك بارقة أمل ولو ضئيلة ، في إطلاق سراحهم ، إلا أن الاستاذ المحامي (....) كان يحرص على الحضور أسبوعياً ، بينما مندوب المعتقلين يفتتح حديثه دائماً :- (نعم .. فعلاً الأستاذ (.....) جا السجن وقال لي ) .. في احد تلك الاجتماعات ، بدأ المندوب كعادته :- (نعم .. فعلاً الأستاذ (.......) جا السجن) وقبل أن يكمل حديثه ، نفد صبر محمد عبد الله مشاوي ، الذي قاطع المندوب بصوت عالي قائلاً :- (ياخي أسمع هنا .. أصلو السجن د ابتاع أبو (.....) كلو يوم داخل فيهو ومارق على كيفو)؟!.
أحب مشاوي أم درمان وعشقها ،، صارت له مأوى وداراً فسكن أغلب أحيائها وصادق أهلها وطاف ببيوت إيجاراتها المتعددة، وكان كل سكنه بالايجار ، وإن سألت عن السبب، رغماً عن إمكانياته المادية المقتدره التي كان يدرها عليه مكتبه للمحاماة، فإن السر يكمن في زهده الذي يصل درجة اليقين القوي وتماماً كشيوخ الصوفية في نظرته للكون ومعائشه، وحتى عندما نسأله عن أسباب بيوت الايجار تحديداً كان يرد وطيف السخرية يرتسم على شفتيه قائلاً :- مش قلنا ليكم يوم باكر أحلى!.
في مرة أضناه البحث عن سكن مناسب في أي من أحياء أم درمان، وكذا تعب أصدقاؤه في البحث معه، فسأله أحدهم لماذا الاصرار على أم درمان تحديداً وليس الخرطوم مثلاً ، فرد عليه الرحمة بذات السخرية والتهكم التي اشتهر بها قائلاً لسائله:- يعني عاوزني أسكن الخرطوم وأبقى جار لجلاتلي أو متشل كوتس؟! ،، وذلك في إشارة لماحة إلى الخرطوم باعتبارها المدينة التي تكتظ بالأجانب الرسميين!.
على المستوى الخاص شق علينا نبأ رحيل الأستاد محمد عبد الله مشاوي، فقد كان وأسرته أصدقاء لأسرتنا، وكان صديقاً للوالد، كما صادق بنفس المستوى شقيقنا الأكبر كمال ثم صادقته أنا أيضاً، وهكذا امتدت هذه الصداقة عميقاً وتجذرت.داخل أسرتينا.
باسم هذه الصداقة الأسرية ننعي الخال العزيز والصديق الجميل محمد عبد الله مشاوي، وليرحمه الله ويتغمده بواسع رحمته، فبرحيله انفرط عقد آخر كان بديعاً في معاني العلائق الاجتماعية بين الناس، سنفتقده طويلاً كما سيفتقده أهله وأصدقاؤه ومعارفه وحزبه وتلامذته، العزاء الحار لزوجته العزيزة الحاجة بتول، العزاء لكريماته نوسا وزوجها محمد صالح ولمهيرة وزوجها الريح كودي ، لحاتم وناظم وحازم، العزاء موصول لدكتور الشفيع خضر وجميع آل خضر سعيد،، العزاء للوطن الجريح .. وما لنا سوى أن ندفن أحزاننا مع موتانا ،، ثم ننهض!.
___________
عن صحيفة الميدان
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1216

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#908140 [قاضى سابق / بالخارج]
3.63/5 (4 صوت)

02-06-2014 03:18 PM
اعرفه من خلال مذكراته وكتيباته القيمه والعميقة الممتازة في محاولات ترقية الفكر القانونى / وهى فعلا كتيبات ستجعل اسمه خالدا ومذكورا في انارة الطريق الى العدل الذى ننشده لاهلنا في عموم ارض السودان القديم.


#908020 [صلاح يوسف]
2.50/5 (4 صوت)

02-06-2014 01:23 PM
لفقيدنا المناضل الجسور محمد عبد الله مشاوي الرحمة والمغفرة ولك أخي حسن ولكل من عرف وعاشر وزامل الفيد حسن العزاء سائلين الله أن يتقبله قبولا حسنا. والعزاء بالطبع موصول لكل أفراد أسرته الكريمة فقد كان المرحوم بالفعل ملحا للأرض ودودا وطاهرا ونقيا وشعلة مضيئة بالجمائل والفضائل وكان امدرمانيا أصيلا ووطنيا صادقا.
إنا لله وإنا إليه راجعون

صلاح يوسف


#907892 [علي احمد جارالنبي المحامي والمستشار القانوني]
2.00/5 (5 صوت)

02-06-2014 11:49 AM
>
ندعو الله ان يتغ
مده برحمته وان يكرم نزله في فسيج جناته
العزاء لأسرته وكافة ذويه وزملائه في كافة مسارات الحياة
وموصول العزاء للوطن الجريح وللشعب السوداني الأبي الذي احبه ا
.
انا لله وانا اليه رجعون


حسن الجزولي
حسن الجزولي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة