المقالات
السياسة
الاسلاميون من الحداثة الي ما بعد الجداثة
الاسلاميون من الحداثة الي ما بعد الجداثة
02-06-2014 11:24 AM


كان انهيار الدولة العثمانية عام 1923 ايذانا ببداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة و العالم أجمع و كان لهذا السقوط عدة نتائج ايجابا و سلبا علي شمال افريقيا و الشرق الأوسط و لكن أهمها كان أن اكتشف المسلمين و لأول مرة فقر الفقه السياسي الاسلامي بعد أن وجدوا أن المكتبة الاسلامية خاوية علي عروشها في مجال السياسة. جاء هذا السقوط نتيجة لتراكمات و متغيرات كثيرة داخلية و محلية و عالمية أدت الي تغلل الأفكار القومية الحديثة في جسم الدولة العثمانية.
تلت هذه المرحلة أطوار أولية لتشكل جماعات و حركات اسلامية من المغرب الي اندونيسيا. اتخذت تلك الجماعات الاسلامية مواقف متعددة تجاه قضية الحداثة فمنهم من رفضها جملة و تفصيلا و منهم من قبلها بشروط و منهم من قبل باطارها الشكلي العام و رغم كل تلك المواقف المعلنة الا أنهم لم يتمكنوا من تخطيها عمليا.
الملاحظ أن غالبية قيادات العمل الاسلامي درسوا و تخرجوا من مؤسسات تعليمية مدنية حديثة في بلدانهم الأصلية أو في بعض الدول الغربية و لكنهم سرعان ما ارتدوا نفسيا لا فكريا عن الحداثة بوجهها الجامد الموحد و أخذوا يبحثون في تراثهم الديني عن وجه اخر للحداثة.
من هنا جاءت فكرة الاسلام السياسي كرد فعل نفسي عنيف تجاه قسوة الحداثة و المدنية. الا أنهم و رغم كل ذلك لم يتمكنوا من تخطي الاطار العام للحداثة و شكلوا وجها اخر من أوجهها الجديدةو ظلوا في ذلك في صراع دائم مع الوجه التقليدي للحداثة و بعض الأوجه الأخري الجديدة.
في الوقت الذي حافظ فيه غالبية المثقفين المسلمين علي الوجه الجامد للحداثة(الأفندية) أخذت جماعات منهم تنقب في التراث الغير ديني في محاولة الاستهداء به( القوميين). نتج عن هذا التمايز تسمية فريق بالاسلاميين و الفريق الاخر بالعلمانيين و القوميين و أصبحوا يتصارعون علي السلطة في بلدانهم.
كما ظل الاسلاميين في صراع اعلامي مع الغرب و ظل الغرب ينظر اليهم باعتبارهم مجموعات دينية رافضة للحداثة مثلها مثل المجموعات الكنسية القديمة. و من جهة أخري فتح الغرب أمامهم كل مؤسساته المدنية و التعليمية و البحثية في محاولة لاحتوائهم.
امتد هذا الصراع النخبوي بين اليمين المتخيل و اليسار المتخيل في بلداننا لعدة أجيال و خلف وراءه مرارات كثيرة و كان بعيدا جدا عن تطلعات الجماهير و قضاياهم الأساسية.
كما اتخذ الاسلاميون موقفا تجاه الدولة يتصف بالانفصام فمن الجهة النظرية رفضوا كل مكونات الدولة المدنية الحديثة و دعوا الي دولة اسلامية بديلة و من جهة أخري قبلوا بنفس مكونات الدولة المدنية الحديثة و أطلقوا علي ذات المكونات صفة الاسلامية. من جهة يعلنون و يدعون الي دولة دينية و التي من المفترض أنها منزهة عن الخطأ و من جهة أخري يعلنون أن السياسة فعل بشري قابل للصواب و الخطأ.
علي المستوي الاقتصادي أعادوا انتاج النظرية الراسمالية و أطلقوا علي ذات النظرية مسمي الاقتصاد الاسلامي.
أسهمت العولمة في توسيع الفجوة في البداية و في تضييقها لاحقا بين تلك الحركات الاسلامية و المكونات الثقافية الأخري. أيضا أسهمت العولمة في كسر جمود القوي الحديثة التقليدية و اعطائها ديناميكية جديدة.
كما حملت العولمة في طياتها النظريات النقدية التي تطعن في الحداثة نفسها أو ما يسمي بأفكار ما بعد الحداثة و التي تأخر وصولها و من ثم فهمها في المنطقة العربية و الأدبيات الاسلامية عموما. ففي الوقت الذي كفرت فيه أوربا بالحداثة و بدأ مفكروها يبحثون عن مخرج اخر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ظل غالبية المثقفين المسلمين يسارا و يمينا متمسكين بالحداثة و ظل البعض الاخر في حالة احباط عام أو انفصام في الشخصية حتي مطبع الألفية الجديدة.
كل هذا الاحباط المتراكم أدي في النهاية الي ما يسمي بثورات الربيع العربي.
جوهر تلك الثورات علي الأقل في الحالة التونسية يكمن في أن التيارات العلمانية و القومية المتحررة ثارت علي قوالبها و نظمها و أطرها التقليدية و ذلك بثورتها علي نظامها السياسي القائم و فتحت الباب واسعا أمام التيارات الاسلامية للمشاركة في الحياة السياسية و قبلت بها كطرف في اللعبة السياسية طالما التزمت بقواعد الدولة المدنية و المصلحة الوطنية.
هذا التوجه يأتي في اطار نقد الحداثة و معبرا عن أفكار ما بعد الحداثة التي تتسامح تجاه الأديان و تشكيلاتها الاجتماعية و كل الموروثات و تتسامح مع الاخر عموما.
في ظل كل هذه المتغيرات تجد الحركات الاسلامية نفسها أمام خيارين و هما اما الزوال و الانهيار أو أن تتحول الي أحزاب محافظة ليبرالية في اطار الدولة المدنية التعددية.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 771

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. مقبول التجاني
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة