المقالات
السياسة
قصة قصيرة / دماء تحت المطر
قصة قصيرة / دماء تحت المطر
02-07-2014 06:29 AM


-1-
فجأة قرر بشارة ود الفضل ترك البلد وقريته فى ريفى السير شمال دنقلا والذهاب إلى عمه ودعلي الذى يعيش ويعمل فى مدينة كوستى بمحطة الوابورات النهرية، تاركا خلفة أخوته الصغار وأمه وأبيه الذى يمتهن صناعة العناقريب والبنابر والسروج المصنوعة من خشب الحراز المتكاثف شجره على النيل، أراد الشاب بشارة أن يغير نمط حياته كسائر أهل البلد الذين يمتهنون الزراعة وفلاحة الأرض، وبالرغم من إلحاح والده عليه ليبقى بجواره حتى يساعده فى صناعته والحواشة التى يفلحها، إلا أن بشارة كان قد عزم على الذهاب إلى كوستى حتى يستقل بنفسه فى عمل هناك بجوار عمه، ولم يملك أباه وأمه إلا أن يباركا قراره والدعاء له بالتوفيق فى سفره، حيث قال والده مصبرا أمه على فراقه: لا تقلقى عليه يا أم بشارة على الأقل تجربة يسلكها بنفسه إن وفقه الله خيرا بقى وإستمر هناك بجوار عمه الذى لن يقصر معه، وإن خاب رجاه وتعثر عاد إلينا وإلى عمله معى هنا فى البلد.
حزم حقائبه وركب لورى المحيلة مودعا أهله وأهل البلد إلى مدينة كريمة ومن هناك إستقل القطار الذى أخزه إلى حيث وجهته فى كوستى على النيل الأبيض، فى محطة السكة حديد بكوستى إستقبله عمه وأبنائه وأخزوه برفقتهم إلى منزلهم ليبقى واحدا من أهل الدار بين ثلاثة أولاد رزق بهم عمه ودعلى وزوجته ست البنات، مع مرور الأيام ألف بشارة المدينة والناس وطقوس حركتهم وساعده عمه بوجود عمل له فى محطة الوابورات النهرية التى يعمل بها، وسرعان ما تنبه بشارة إلى الحركة التجارية النشطة التى تجوب النيل الأبيض عبر البواخر النيلية ما بين كوستى ومدن الجنوب ورأى كيف يكسب التجار والعاملين على تلك البواخر مالا ودخلا وفيرا، فشاور عمه عن رغبته فى إمكانية العمل على إحدى تلك البواخر، أثنى عمه على الفكرة ولكن كان عليه الإنتظار حتى تتاح فرصة سانحة وفراغ وظيفة فى إحدى البواخر، ومع الأيام وجد ضالته وركب أول باخرة متجهة إلى جوبا وهى محملة بالركاب والبضائع الكثيرة من سكر وزيوت ودقيق وحبوب وأقمشة وملبوسات وصابون وعطور والكثير من المنتوجات التى يحتاجها الجنوب من الشمال، وفى الطريق تعرف على صغار التجار وكبارهم والذين يعملون على الباخرة ويحملون تجارتهم الخاصة أيضا، وفى ميناء جوبا النهرى شاهد منظر الإستقبال الرهيب الذى لاقاه القادمين من المندكرو( أهل الشمال) ببضاعتهم إلى جوبا، إن قدوم الباخرة إلى جوبا هو بمثابة يوم عيد لأهل الجنوب وذلك لما تحمله من خير لأهل المدينة، يفرحون ويغنون ويرقصون فى الميناء بطقوس خاصة ألفوها مع قدوم كل باخرة إليهم، وفى جوبا طاف بالمدينة وأسواقها وخبر بأنها تعتمد كلية على بضائع الشمال وإن جل الذين يعملون بالتجارة هناك تجار شماليون كما أن معظم الذين يجلبون البضاعة إلى المدينة هم شماليون أيضا،، عندها قرر فى نفسه أن يدخل فى هذا السوق التجارى المربح حتى وإن بدأ بسيطا عبر أشياء قليلة على باخرته التى يعمل بها، كانت رحلة بشارة الأولى إلى جوبا عملية لكنها كانت إستكشافية إستفاد منها الكثير.
تواصلت رحلات بشارة إلى مدينة جوبا عبر الباخرة التى يعمل عليها وكان فى كل سفرية يحمل بعضا من المعروضات القليلة ويبيعها للتجار هناك ورويدا رويدا تعرف على بعض التجار فى مدينة كوستى واصبح يشترى منهم بضاعة على أن يسدد ثمنها بعد أن يعود من رحلته إلى الجنوب وساعده عمه ودعلى فى ذلك كثيرا نسبة لمعرفته بتجار المدينة وثقتهم فيه وما زاد الثقة تسديده لثمن البضاعة فور عودته من جوبا، وسنة بعد أخرى توسعت تجارته وإغتنى بشارة ود الفضل من عمله على الباخرة وتجارته المرافقة.
-2-
بعد سنوات عاد بشارة إلى قريته فى السير برفقة عمه وأولاده غانما سالما فزوجه أهله أحدى حسان البلد، وبعض أن قضى شهرا هناك لم يشا أن يحمل عروسه معه إلى كوستى نسية لظروف عمله، لكنه أصبح يأتى عائدا إلى البلد بعد كل فترة من الزمن ومع السنوات خلف بناتا وصبيانا من زوجته، وبعد فترة طويلة من العمل بالباخرة قرر أن يستقر ويفتتح محلا تجاريا فى مدينة جوبا كسائر التجار الشماليين هناك خاصة وأنه عرف الكثيرين من أهل المدينة وتعرفوا عليه، إستقر به الحال بعد أن فتح محلا تجاريا للمواد الغذائية فى وسط المدينة بالسوق وتواصل مع أهلها وتواصلوا معه، وبعد فترة وجيزة أصبح محله هو القبلة المفضلة للكثيرين من سكان جوبا وذلك بفضل المعاملة الحسنة التى كانوا يلقونها منه والتيسيرات فى طريقة الشراء والبيع، حيث كان الكثيرون منهم يبادلونه منتجاتهم بأحتياجاتهم الضرورية، إضافة لطريقة الدفع المؤجل لذلك فقد كثر زبائنه وتوسع محله الذى شمل كل الإحتياجات وأصبح هو الأشهر فى سوق المدينة التجارى، إنصهر بشارة ود الفضل مع أهل المدينة وإمتزج بهم، تعلم لغتهم وأصبحت هى لغة التخاطب التجارية، وأصبح واحدا منهم وتواصل مع الجميع شماليين وجنوبيين بما فيهم جنود العسكر الحكوميين الذين كانت تزدحم بهم المدينة قبل الإنفصال، والكثير من الجنود كان يتعامل معهم بطريقة الدفع آخر الشهر ولم يكن بشارة يتضايق من ذلك بل كان يعتبر أن ما يقوم به من خدمات للجميع هو من صميم أخلاقيات عمله الذى يجب أن يؤديه بنفس راضية، وما تلك المحبة التى كان يكنها له الجميع إلا نتيجة لتلك السماحة فى التعامل والطيبة وإلفة التعامل مع البسطاء الذين لا يملكون ما يدفعونه ثمنا لإحتياجاتهم الضرورية وأولئك الذين يملكون، وهكذا مرت الأيام ببشارة فى جوبا التى قنع بأستمرارية حياته فيها، تزوج بامراة ثانية من أهل الجنوب وأنجب منها أطفالا أصبحوا بالنسبة له دنياه التى رضى بها وعاشها فى سعادة وراحة من البال والضمير، خاصة وأن زياراته للبلد قد طالت بعد أن توفى والداه ورفض أم أولاده مرافقته إلى الجنوب فى حياة والديه مرارا وتكرارا، غير أن دوام الحال من المحال...!!
لم تكن دائما تأتى إفرازات الأيام بما تشتهيه النفس الأبية، فقد كانت للحرب التى لم تهمد جذوتها على مر السنوات أن تغير من أحوال تلك المدينة التى عانت كثيرا من جراء نيران لهيبها المشتعل، وكثيرا ما كانت البواخر التى يعول عليها وينتظرها أهل جوبا لا تصل فى ميعادها الشىء الذى أثر كثيرا فى إقتصاديات المدينة وحركة التجارة فيها وبالتالى حوجة أهلها من الإحتياجيات التى كانت تصلهم بأنتظام، وبالرغم من السلام الذى عم البلاد شمالها وجنوبها فترة 6 سنوات بعد توقيع إتفاقية نيفاشا إلا أن الكساد الأقتصادى الذى عم البلد كلها أثر كثيرا فى حركة التجارة بين شطرى البلد جنوبها وشمالها، وكان لخروج جنود الحكومة من مدن الجنوب بما فيها جوبا خوفا وعدم طمأنينة على التجار الشماليين الذين يشكلون الغالبية فى سوق المدينة التجارى.
كان الجميع يعول على إستمرارية الوحدة بين شطري الوطن الواحد بعد إنقضاء فترة ال 6 سنوات بإجراء الأستفتاء لأهل الجنوب ليحددوا مصيرهم بين الوحدة أو الأنفصال، خاصة أولئك الذين لديهم مصالح تجارية فى الشمال والجنوب وأولئك الذين تصاهروا وتزوجوا من هنا وهناك وأصبحت تربطهم علاقات أسرية وأجتماعية، إلا أن الأمور أتت بما لا تشتهيه الأنفس،، تغيرت الأمور كثيرا خلال ال 6 سنوات، فقد دخل سوق المدينة بجوبا منافسين جدد وتجار من يوغندا وكينيا ببضائعهم وأصبحوا ينافسون الشماليين وفى أحايين كثيرة يسببون لهم المشاكل ويوغرون صدور الجنوبيين ضدهم ويثيرون عليهم الناس وجنود الجنوب معا...!!
ومع حدوث الإنفصال أصبح الأمر أكثر قتامة خاصة مع إستمرارية الأزمة بين الحكومة المركزية فى الشمال وحكومة الدولة الوليدة فى الجنوب،، عندها شح السوق وندرت البضائع القادمة من الشمال وساءت أحوال المدينة الأقتصادية.
-3-
غير أن بشارة ود الفضل ومع تلك الندرة التى طالت إحتياجات المدينة كان حكيما فى تعاملاته مع الأهالى فقد ظل كما عهدوه به يعاملهم سواسية، منحازا إلى جانب البسطاء قبل الذين لديهم قدرة الشراء من أى مكان آخر، لذلك فقد كان يحافظ على الإمدادات التى تصل إليه عن طريق الباخرة على فترات متباعدة مؤكدا على ضرورة أن يتلقى الجميع من تلك الإحتياجات على قلتها، لكن جنود الجنوب يبدو أنهم كانوا يضمرون ويريدون أكثر مما هو مخطط له بشارة ود الفضل...!! أولئك الذين كان يتعامل معهم بسماحته بطريقة الدفع المؤجل، أرادوا فى زمن التحاريق وشح المؤن أن ينقلوا الكمية الأكبر من بضاعته ومحله إلى معسكرهم ليخزنوها غير عابئين بحوجة الأهالى والزبائن الآخرين من سكان المدينة، إستغلوا طيبته غصبا عنه ولو كان كارها، أتوا إليه ليعطيهم ثلثى البضاعة التى بالمحل بالدفع الآجل لكنه رفض عرضهم، أرادوا أن يدفعوا له ثمن البضاعة بالكاش أيضا رفض طلبهم، وحجته فى ذلك أن الجميع فى حوجة لهذه الإحتياجات فى هذا الوقت العصيب وتستطيع الحكومة أن تدبر لجنودها ما يحتاجون، وقد كان قوله هذا كافيا لكى يعلنوا عليه الحرب والعداء....!! ذهبوا وفى المساء أتاه زمرة من الجنود فى زيهم العسكرى مستغلين عربة لورى تابعة للجيش الشعبى والمطر يتساقط بغزارة،، قالوا له نريدك أن تعطينا بضاعة المحل كلها وسوف نأتيك بقيمتها آخر الشهر.....!! وما أن تلكأ بالرفض حتى أمطره ثلاثة من الجنود بوابل من الرصاص أردته صريعا فى الحال مضرجا فى دمائه، ثم قام الجنود القاتلين بنهب المحل جميعه وتركوه أرففا خاوية، لم يرحموا سنه ولم يرحموا جثمانه المضرج بالدماء فى ميتته البشعة، بل لم يواروه الثرى وحملوا أشياء المحل وقفلوا إلى معسكرهم راجعين، وكأن بشارة فى رقدته تلك وهو مضرج فى دمائه كان ينزف ويردد: جوبا مالك علي أنااا الليلة شلتى عيني أنااا، وكأن السماء كانت تبكيه بغزارة الهطل الهتون.........!!!!
أتى الأهالى الذين كانوا يتفرجون على هول ما يجرى حولهم وحملوا الجثمان المسجى فى دمائه وقبل لحظات كان جسدا حي يمشى بينهم ويبادلهم حراك يومهم بعدد السنوات التى عاشها بينهم بكل طيبته وخلقه وحسن تعامله حتى مع الذين ظلموه وقتلوه وسلبوا منه حق الحياة....!!!
حملوا الجثمان والمطر يتساقط بغزارة، غسلوه وواروه الثرى فى ليل حزين فى غيابات النهاية المؤلمة، وكأن جبل لادو والسحابات والضبابات الهتون كانت تبكى النهاية، وكأنها كانت تبكى فى بشارة ود الفضل سماحته وطيبته مع الأهالى الذين عاش بينهم بالحب فبادلوه ذلك الحب حبا بالمشاعر والود والإحترام المتبادل بحميمية التواصل والتلاقى، وكأنها كانت تلعن وتبكى ليل الظلم الذى حاق به من أناس كان هو اليد العليا بينهم فى سماحة الخير والعطاء.......!!!!
.....أبوناجى.....


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 522

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ابراهيم سليمان أبوناجى
ابراهيم سليمان أبوناجى

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة