المقالات
السياسة
من بدع شيوخ الانقاذ : " كفاية الرصيد من الايمان " !!
من بدع شيوخ الانقاذ : " كفاية الرصيد من الايمان " !!
02-11-2014 05:49 PM



لكل مهنة مصطلحاتها وآدبياتها ”literature” ، وكذلك نظمها ولوائحها العملية و الرقابية المتعارف عليها . فى مجال المصارف ، هنالك ادارة مهمة يقوم عليها غالب العمل المصرفى ويعتمد عليها نجاح اى مصرف من حيث الربحية ومن ثم استمرار قوته المالية ونجاحه فى تمويل القطاعات الحيوية فى الاقتصاد . قد يختلف اسم الادارة المناط بها الوظيفة من مصرف الى آخر ولكن فى الغالب لا يخرج مسمى الادارة من اسماء مثل ( القروض والتسهيلات / الائتمان / الاستثمار ) ، رغم ان الاسم الاخير ارتبط بشكل خاص بالعمل المصرفى (الاسلامى ) . لتقديم تمويل لاى مشروع بصرف النظر عن حجمه لا بد من اخضاعه لما يعرف بالتقييم الائتمائى “credit appraisal” ، ويخضع هذا التقييم لمعايير متعارف عليها عالميا اهمها الضمانات المرصودة مقابل التمويل او ما يعرف اصطلاحا بال “collaterals “ وضرورة مناسبة هذه الضمانات لقيمة التمويل ، ومعايير اخرى مثل اولوية التمويل للقطاعات الاستراتيجية وألا يكون التمويل للقطاعات التى يحظر او ُيقلل فيها التمويل حسب تقديرات السلطات الرسمية وخاصة البنك المركزى وفق سياساته الائتمانية و النقدية المعلنة للبنوك ، وعلى ضوء هذا التقييم يتم تحديد جدوى مشروع التمويل من عدمه ومن ثم منح التمويل او منعه .
اطلعتُ قبل يومين وثلاث على تقرير ورد فى جريدة الانتباهة يتحدث عن موظف مبتدئ لم يتجاوز ال 23 عاما ، يعمل فى قسم المقاصة فى احد المصارف ، اختلس هذا الموظف من مال البنك الحكومى (مال دافعى الضرائب ) حوالى السبع (7) مليار جنيه (حوالى المليون دولار او اقل بقليل باسعار اليوم ) ، ولولا شطح الشباب وظهور علامات النعمة الفجأة و(البوبار ) لما تم كشف النهب المتواصل من هذا الشبل وذلك لضعف الاجهزة الرقابية فى البنوك فى عهد الانقاذ ، سواء كانت مراجعة داخلية او خارجية ، ولكن مثل هذا الخبر اصبح من الامور العادية فى عهد الانقاذ حيث الفساد والسرقات من المال العام تجئ من كبارها وبارقام فلكية وبحماية "فوقية" معروفة ، عدا ما يتسرب منها الى المحاكم فى اطار صراع مراكز القوى وتصفية الحسابات الخاصة ما بين المتصارعين على السلطة ، على نمط هذه ....... بتلك . ولكن ما لفت نظرى هى قصة اخرى رواها الكاتب فى نفس التقرير ، وهو ان احد اقطاب المؤتمر الوطنى - ذوى الدقون الكثيفة - جاء متأبطا "فايلا " الى مكتب مدير احد المصارف الحكومية واذا بالمدير يقفذ من مكتبه مرحبا ومهللا ومكبرا " اهلا بالشيخ المجاهد " (وكنت اود معرفة فترة جهاد الشيخ طالب التمويل ، هل هو فى العهد الغابر الذى ذهب بجنوبنا الحبيب او فى عهد "الفطائس" الاخيرة ، ولكن ...... ما علينا ) ، وقام الشيخ بتسليم الملف للمدير ، والملف يحوى بعض الشهادات كضمان للتسهيلات التى يطلبها الشيخ من البنك ، واذا بالمدير يقوم بالتأشير على الطلب بالموافقة الفورية ، وحتى دون فحص الضمانات المقدمة ، وقام بتحويل الملف الى الموظف المعنى لاعداد الدراسة اللازمة لغرض التنفيذ . ولكن الموظف المعنى تفاجأ بضعف الضمانات المرفقة وعدم كفايتها للحصول على التمويل ، وبناء عليه ارجع الملف للمدير منبها اياه – وبكل حسن نية - ان الضمانات المقدمة لا تفى اطلاقا لمنح مثل هذا التمويل الكبير ، وان سعادته – اى المدير - من المؤكد لم يقم بمراجعة الملف قبل الموافقة عليه ، ربما لانشغالاته الكثيرة وزحمة العمل . الا ان المدير لم يعجبه تصرف الموظف ، رغم ان ما يفعله هو من صميم مهامه الوظيفية ، وقام المدير بتعزيز موافقته السابقة بكتابة اخرى على طلب التمويل بعبارة " يكفى رصيده من الايمان " واشار للموظف للمضى قدما لاعداد الدراسة وتنفيذ التمويل !

قصدت من المقدمة اعلاه فى بداية المقال عن عمل المصارف واهمية ادارات الائتمان والقروض اوالاستثمار والمعايير واللوائح المنظمة التى تحكم هذه الادارات لمنح القروض والتسهيلات ، لابين للقراء الى اى مدى نظام الانقاذ قد حطم الانظمة واللوائح والقوانين المنظمة لاى عمل فى الخدمة المدنية وخاصة فى قطاع هام مثل المصارف . شخصيا عملتُ لما يربو على العقدين فى المصارف وبانواعها ، المركزية منها والتجارية وفى داخل السودان وخارجه ، ولكن لاول مرة اسمع عن معيار لتقييم القروض المصرفية يسمى " كفاية الرصيد الايمانى " ، وحقيقة اشفقت جدا على موظف الائتمان فى هذا الحادث وتعاطفت معه لدرجة كبيرة لانى اقدر مدى الورطة التى ادخله فيها مدير البنك ، وذلك لانه سيقوم باعداد دراسة ائتمانية وافية لتحديد جدوى منح التمويل من عدمه ، ولكن مديره قد حدد مسبقا قرار منح التمويل وطلب منه فقط اعداد الدراسة (تحصيل حاصل ) بالاعتماد اساسا على عنصر جديد ومبهم لتقييم القروض من ابتداعه الخاص . ولابداء الجدية والاصرار وحتى لا يمنح الموظف اى فرصة للتوصية برفض التمويل فقد دون المدير معيار التقييم الجديد (كفاية الرصيد الايمانى ) كتابة بطلب التمويل ، حتى يتناسى الموظف عن اى اسئلة حائرة تدور فى ذهنه ، مثل كيفية قياس "الرصيد الايمانى " وخاصة اذا اصبح هذا العنصر هو الوحيد والفاصل لتحديد جدوى المشروع من عدمه ، كالموضوع الحالى قيد الدراسة !
على المستوى الشخصى اعجب جدا لجرأة من يمكن تسميتهم ب " فرق التمكين " والذين اتى بهم نظام الانقاذ لادارة الخدمة المدنية بقطاعاتها المختلفة بعد تشريد الموظفين الاكفاء ، لان ملفات العمل فى اى مرفق ، غير انها تعتبر ارشيف للعمل يمكن الرجوع اليه فى اى وقت من الاوقات فى المستقبل لمراجعة العمل للتأكد من نظاميته ، فهى فى نفس الوقت سجل براءة للمسئول فى المرفق المعنى حتى ولو ذهب الى المعاش ، وذلك لقياس ادائه ونزاهته ومهنيته ، فكنت اتوقع توجيها شفويا من المدير للموظف المعنى لمنح العميل التمويل المطلوب على مسئوليته الشخصية وان يوقع فى النهاية على الدراسة بالموافقة بصرف النظر عن توصية الموظف ، ولكن ان يصل بالمسئول لكتابة عبارة غريبة على المهنة مثل " كفاية الرصيد الايمانى " وتكون هذه العبارة قابعة فى سجله المهنى ، وُتعتمد عليها بشكل حاسم فى موضوع منح الملايين من المال العام لمنسوبى النظام ، فهذه جرأة فائقة وخروج صارخ على المهنية التى ضاعت فى عهد الانقاذ ، وقلة حياء تستوجب المحاسبة الفورية ، ولكن لمن تُقرع الاجراس ؟!

محمد بشير ابونمو
الاثنين 10 فبراير 2014 م
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1357

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#912901 [سمهر]
0.00/5 (0 صوت)

02-11-2014 10:13 PM
يعني بكره اذا مشيت لبنك عشان سلفية ولا تمويل عادي المدير يعلق لي
عفواً ان رصيدك الإيماني غير كافي لإجراء هذه المعاملة
الرجاء شحن الرصيد اولا ومن ثم معاودة المحاولة مجدداً
وشكرا
مدير البنك الإيماني
حمران بن كوز الهبلاني


محمد بشير ابونمو
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة