المقالات
السياسة
الفساد والقهر عمراً كاملاً في معاركه ..
الفساد والقهر عمراً كاملاً في معاركه ..
02-11-2014 09:25 PM

في دولة الولادة المتعسرة
الجزء الأول: المسبك المركزي

تم تعييني في أغسطس عام 1971 للعمل كمهندس مشروع إنشاء مسبك في السودان تقيمه الأمم المتحدة منحة من حكومة يوغوسلافيا والذي تم فيه تعيين المهندس عبدالله الأسد مديراً للمشروع، والذي قرر تسميته "مسبك الخرطوم المركزي".
كانت ميزانية المسبك لذاك العام ثلاثة وخمسين ألف جنيه سوداني لبرنامج تعيين مهندس (شخصي) ويتم تدريبه لمدة عام في المملكة المتحدة في هندسة المسابك، وبعض المهندسين الفنيين للتدريب في يوغوسلافيا، وتعيين عشرين فنياً من التدريب المهني للتدريب في مسبك السكة حديد بعطبرة.
في اجتماعٍ بيننا، قرر السيد المدير عدم تدريب المهندسين الفنيين في يوغوسلافيا والاكتفاء بتدريبهم في مصر(حللتها لاحقاً برفض الحزب الشيوعي ليوغوسلافيا التي كانت معتدلة خلافاً لبقية دول شرق أوروبا الشيوعية الملتزمة)، وتساءل لماذا ندفع لتدريب الفنيين في عطبرة – وكأنه اشتم رائحة فساد من وراء ذلك البرنامج، إذ نحن بصدد تطوير السباكة إلى السباكة على الرملة الخضراء(اي بدون تجفيف) وحيث نظام السباكة في عطبرة يقوم على السباكة بالرملة اليابسة، واقترح تدريب الفنيين محلياً في ورشة نقيمها نحن. وبدأنا دراسة كيفية إقامة ورشة والإشراف عليها في حدود ميزانيتنا، فتطوعت بالعمل وردية إضافية بدون مرتب، فبها يمكن أن تعمل الورشة ورديتين حتى يتسنى لنا إنشاؤها وتدريب العاملين فيها بإشرافي مفرداً في ظرف العام الواحد الذي لدينا.
شرعنا بتوجيه رئاسة المؤسسة العامة للإنتاج الصناعي بتعيين الفنيين من خريجي التدريب المهني (وكان معروفاً بالتدريب الألماني) شيدنا جملوناً بإضاءة كاشفة ومخازن ومنافع، ثم بدأنا بشراء معدات الورش وكمية من مواسير الحديد وماكينات اللحام والمناشير وصنعنا مناضد عمل، وبدأ العمل في صناعة أثاثات منزلية والقيام بعرضها للبيع مما وفر لنا مدخلات نقدية للشروع في التدريب على السباكة. قمنا باستصدار أمر من الدولة بمنحنا الأولوية في الحصول على الخردة، حيث كان وقتها السودان من أكبر مصدري الخردة وأكبر مورد للخردة لجمهورية مصر العربية!! فقمنا بشراء أفضل أنواع الحديد الظهر ذي النسبة الكربونية العالية ليعوض عن الحاجة لخام أفران تنقية الحديد ذي نسبة ال 4% كربون الأعلى، ثم حصلنا على احتكار كل وارد الظروف الفارغة لذخيرة القوات المسلحة للاستفادة من خليط النحاس فيها، وكل أسلاك الضغط العالي التالفة من الإدارة المركزية لنحاسها النقي، ثم خردة الظهر ومعادن خليط الألمونيوم وخليط النحاس من تجار الخردة.
بعدها بدأنا بشراء ماكينة خلط أسمنت من تجار الخردة وذلك للاستفادة من نظام الإمالة الآلي بها لنصنع به فرناً ميال، فقمنا بعملية لف صاج أسطوانياً لتصنيع هيكل لفرن مائل وبنينا داخله بالطين الحراري وأوصلنا به منفاخ هواء كهربائي وربطناه بجهاز الإمالة، ثم قمت بمأمورية لعطبرة لشراء وعاء مستعمل من القرافيت لصهر الحديد، وكمية من الفحم الحجري ومنقيات الصهر وبدأ العمل بصهر المعادن من ظهر وبرونز وألومنيوم ثم صبها في شكل عواميد للتخزين وللبيع لتصنيع البطانات المعدنية لأعمدة المحركات، ورغم أن السباكة لتلك العواميد (ولأغطية البالوعات من الحديد الظهر) تمت بسباكة الرملة اليابسة، إلا أن التدريب المنشود قد تم تنفيذه بطريقة جيدة وعادت لنا الأعمال بعائد مالي مهول وذخيرة من المعادن من خردة وعواميد مصهورة ومنقاة. وفي نهاية العام المالي كنا قد ورّدنا للخزينة قيمة الميزانية كاملةّ وكانت مرتبات العاملين مدفوعة ولدينا ورشة تحضيرية مجهزة وتم تدريب العاملين كلهم لكل العام.
بعدها غادرت للملكة المتحدة في منحة من اتحاد الصناعات البريطانية للتدريب على منوال الجمعية الملكية للمهندسين الميكانيكيين، في صناعة السباكة مع شركة ديوبورت فاوندريز لمدة خمسة عشر شهراً.
هناك تدربت على برامج السباكة في كل قسم: فرز وتصنيف الخردة، قسم الأفران الكيوبولا، قسم ضبط جودة المعادن، قسم صناعة الأرانيق، قسم السباكة اليدوية، قسم السباكة الأتوماتيكية، قسم فتح صناديق ونظافة المسبوكات واستعادة الرمال الصالحة، قسم ضبط الجودة ثم قسم المراجعة وعلاقات الزبائن، وبعدها انتقلت لمدة ثلاثة أشهر في الرئاسة لممارسة حسابات التكلفة وحسابات الإنتاجية واقتصاديات الاثنين.
خلال فترتي بالمصنع تحت كبير المهندسين، المستر جيرالد جينكنز، توطدت صداقة بيننا بحكم تفاهمنا في حوار الأديان الذي فرض نفسه علينا، فأنا مسلم وهو من شهود يهوا، ووجدت لديهم احترام للإسلام ويستشهدون بآيات القرآن الكريم في بيناتهم، فكان مسروراً مني وبدأ يأخذني معه لاجتماعاته بالشركات التي تتعامل معهم حول متطلباتهم من مسبوكات ومنهم شركة رولز رويس، بيركنز أنجنز، كرايسلر، بريتيش لايلاند ... إلخ، وعرفني بشركة فوسكو لمواد ومعدات السباكة، وقد ساعدني هؤلاء بالتدريب على تمييز أنواع الطين الحراري، البنتونايت، أنواع الرمال للسباكة اليدوية ورمال السباكة بالضغط وكانت التقنية في بداية انتشارها، وشجعوني على عمل ابحاث في السودان للبحث عن ذلك النوع من الرمال القيم، وأنهم مستعدون لتقديم الزبائن الذين يناسبهم أن يشتروها منا لتوفير تكاليف ترحيلها لوشروها من الصين، المصدّر الرئيسي.
وكان المستر جنكنز عضو في الجمعية الملكية للسباكين بالمملكة المتحدة، وكانت تصله كل الأوراق العلمية التي يتم نشرها للأعضاء فقط حول آخر الحلول لمشاكل السباكة وتحسينها، وكان يعطيني تلك الأوراق، بمعدل مقالة كل أسبوع.
رجعت للسودان في ديسمبر 1973 وكنت قد تزوجت بإنجليزية تدعى لندا. وفي ليلة وصولي السودان زارني وفد من فنيي المسبك يحمدون سلامة عودتي ثم ليشكوا لي السيد المدير بأنه يعاملهم معاملة سيئة، آخرها كان وعده بمنحهم سلفيات عربات، ثم قراره الغاضب بحرمانهم. وعرفت منهم أنه دخل في مشكلة بأن قام بتعيين ثلاثة مهندسين خارج الميزانية، إذ أنهم كانوا شيوعيين وتم تطهيرهم من الإذاعة والتلفزيون في حملة تطهير الشيوعيين بعد انقلاب هاشم العطا، وأنه متحمس سياسياً بما أنه شيوعي ولكنه أصبح كالمجنون. وقام بتعيين سباك رملة يابسة ومنحه مرتب خبير، أي ثلاثة أضعاف مرتب المهندس الفني. ورغم أنني مفروض أكون في عطلة إلا أنني وعدتهم بالذهاب للمصنع حتى أعرف ما المشكلة؟
في المصنع أخذني السيد المدير، عبدالله الأسد، لأرى المصنع بعد إنشائه بواسطة اليوغوسلاف، ولكن لازال يعمل بالأفران المائلة التي صنعناها، والسبب أننا ليس لدينا خام أفران تنقية الحديد ولا فحم حجري كافي ولا برنامج لمدخلات إنتاج لها استمرارية ثم أخذني لمكتبٍ نائي في الورشة وقال أنه سمع بزيارتي بواسطة وفد من العاملين، فأجبته بالإيجاب وأخبرته بشكواهم، فصارحني بتعيينه ثلاثة مهندسين خارج الميزانية ومخالفاً للأوامر الجمهورية، وذلك رفقاً بهؤلاء المهندسين غير المذنبين وأسرهم، وأنه جد قلق
شرحت له أنه ربما نستطيع احتواء تلك المشكلة، فأنا قد أحضرت معي دراسات أعددتها لثلاثة مشاريع غاية في الأهمية لتكامل صناعة المعادن، وهي مشروع مؤسسة فنية، تقوم بجمع المعلومات الفنية المستجدة والحلول المكتسبة لمشاكل السباكة عبر بحوثها، ثم مدها للمشتركين من أعضائها والذين عليهم مقابلة تلك التكلفة – ومشروع آخر وهو الأبحاث في وتوفير المواد المرتبطة بصناعة السباكة من رمال ومكونات البنتونايت، والطين الحراري والمركبات المخصصة للتنقية والخلط إلخ – ومشروع ورشة كبيرة تكون مهمتها خرط وتصنيع قطع الغيار وأدوات المجاري والطلمبات وهياكل الماكينات وبطانة عواميد الدفع إلخ، ومع الوظيفة التي أشغلها أنا وهي مهندس الإنتاج للمصنع، تكون لديه أربعة وظائف حقيقية ومفيدة لوظيفة مهندس.
سُرّ السيد المدير سروراً عظيماً وطلب مني أن أحضر الدراسات لمناقشته سوياً في حفل السفارة اليوغوسلافية على شرف تدشين المصنع، فحضرت للحفل ومعي المشاريع في حقيبتي ومعي زوجتي الإنجليزية والتي رافقت زوجة المدير البولندية وجلسنا بعيداً لمناقشة المشروعات. لم يكن الأخ عبدالله الأسد سعيداً بمشروع المؤسسة التقنية، فطمأنته بأنها هامة جداً حتى أنني لا أمانع أن أستلم مشروعها وأتنازل عن وظيفتي لأحد مهندسيه، وبذا أصبح مرتاحاً جداً وصادق بسلفية العربات لكل الفنيين والمهندسين
قمت أنا في محاولة لحل مشكلة توريد الغبار الفحمي ومشكلة البنتونايت بعمل تجربة سباكة مستعملاً فيها الفحم النباتي، ونجحت، فأخطرت المدير فقمنا بتوريد كمية كبيرة من جوالات الفحم النباتي وهيّأنا من الخردة ماكينات لسحن الفحم. تضايق العمال من غبار الفحم ولكني استرضيتهم للصبر قليلاً ريثما نتوصل لمعالجة، فالإنتاج أرتفع عالياً وتم حل كل مشاكل السباكة والخراطة وتكلفة الإنتاج بعد نجاح تجربة السباكة بالرملة الخضراء، ولكن هنالك من لم يعجبه ذلك النجاح: وهو خبير السباكة الجافة، والذي تعهدت له بعدم المساس بوضعه، لكنه رغم ذلك تعاون مع أحد المهندسين الذين ساعدت لمطالبتي بعدم استعمال السباكة الخضراء وشكوني للمدير
المدير نفسه دخل معي في مصادمات: فقد كنت في اتصال معه بخصوص نظام تخزين عواميد المعادن خاصةً النحاس نسبة لقيمتها العالية، وإصلاحات أخرى كنا اتفقنا عليها عند اجتماعنا في مناقشة مشكلة المهندسين واحتجاجات العمال، وتحسباً فالعيار الذي لا يصيب يِدوِش
كذلك عند تقديمي المشاريع الثلاثة له، جاءني بمهندس جيولوجيا من مصلحة التعدين اسمه عمر – أيضاً شيوعي، وطلب مني تسليمه دراستي ومعلوماتي الفنية عن الرمال القيّمة التي وجهتني بها شركة فوسكو في المملكة المتحدة، على أساس أن يقدم لنا مشروع شركة حسب دراستي التي قدمتها، ولكنني لم أسمع عنه بعد ذلك، وليس واجبي محاسبة المدير وسؤاله، ولكن باعتبارها خطوة مني للمساعدة توقعت تنويري بما تم فيها من نجاح أو فشل، ولكنه كان لا يرغب في الحديث عن الموضوع
وقد جاء للمصنع من مدينة سنار ذات مرة رجل له مصنع شعيرية كان قد توقف وعيد الأضحى على الأبواب، جاء منزعجاً يحمل قلب ماكينة صناعة الشعيرية مكسوراً من جوفه حيث يربط عمود الدوران، يريد أن نصنعه له، ولكن الخبير كان قد التقاه وقال له أن القلب يحتاج لأرانيق وبعدها يتم عمل قالب من الرمل ويحتاج إلى أربعة أيام لجفاف الرمل والتحميص، إضافةً إلى أيام عمل الأرانيق فيحتاج على الأقل لأسبوعين ثم فترة لخرطه، فإن لم تستطع أقلام الخراطة خرطه فيجب إعادة الكرّة مرة أخرى، وبما أن السيد المدير وضع أمراً بأقل سعر لأي عملية سباكة تكون مائة جنيه (مايعادل الآن مائة دولار) فإن عليه أن يستعد لهكذا تكلفة
كان الزبون يقف عند باب المصنع (لم يدخله أحد!) وصادف ذلك رجوعي للمصنع، وبما أني من سنار فقد حياني الزبون وشكا لي مصيبته
بعد فحص قلب الماكينة وجدت أنه يمكننا صب قلب أسطواني الشكل للقلب نفسه بلا حاجة لأرانيق، بوزن أقل من ربع كيلو، ويحتاج فقط لخراطة خارجية وداخلية بسيطة: علمت أيضاً أن الفرن موقد، فأمرت بصب عمود صغير للعملية، وطلبت من الورشة تقييم تكلفتهم، وكانت التكلفة الكلية جنيهين، فعملت حسابات التكلفة واحتياطي كبير لكونه تجربة جديدة، فبلغت التكلفة الإجمالية ثمانية جنيهات، ولما قابلت السيد المدير كان مصراً على المائة جنيه، ولكني ذكرت أن من أهم واجبات المسبك هو توفير قطع الغيار بتكلفة متواضعة لتشجيع الأعمال التجارية الأخرى وليس لجمع أرباح بالاحتكارية (لاحظ هو شيوعي ومفترض فيه يكون ضد الاحتكارية وغلاء المعيشةَ!) فقرر بامتعاض تخفيضها إلى خمسين جنيهاً، وتم عمل قطعة الغيار وسلمت للزبون وهو لم يغادر المسبك بعد
لم أكن أعلم ما يحيكه لي المهندسون مع المدير وبالاستعانة بالخبير الذي يساعدهم في رسم الخلافات الفنية معي، ولم أتوقع ذلك لأني أنقذتهم من هجمة العاملين عليهم وتهم الفساد التي كالها العاملون للمدير.
بعد أن تحدث إلىّ المسئول عن المخزن وهو مدير الورشة، اتضح لي أنه لا يملك رقابة على العواميد ولا متابعتها بعد صبها لحين أن تبرد حتى يتم فحصها ونظافتها أو إرجاعها مرة أخرى للصهر، وهي الفترة التي يسهل فيها سرقة العواميد، كتبت للمدير أطلب عمل نظام يحكم العلاقة بين الورشة والمسبك والمخزن، وأن يعمل الخبير تحت إمرتي إلى حين تسليم الوظيفة للمهندس "سكران"
في اليوم التالي جاء رئيس المؤسسة الفرعية للصناعات الهندسية (وهو شيوعي أيضاً) وجمعنا في مكتب المدير، فحدّث الحاضرين بخطابي الذي اعتبره إتهام المهندسين والإدارة بالفساد والسرقة، ودهشت، ودهشت أكثر عندما بدأ الحضور كلٌ يقدم حديثاً كان مجهزاً حول "عدم نضوج الأخ سعيد" وعن "محاولات سعيد لإخفاء تلاعباته هو" وعقّب المدير بموقفي في تخفيض سعر قلب الماكينة مشيراً إلى أن الزبون "معرفة" – علماً أنه من سنار ولكن لا أعرفه، وضح لي السيناريو كله، فضحكت ورفضت الحديث وخرجت من الاجتماع، وذهبت للسكرتيرة، واسمها نزهة، فسألتني لماذا تركت الاجتماع؟ قلت سنعرف سريعاً فالأمر مطبوخٌ بليل! وجلست معها في المكتب أحتسي القوة وأدخّن ... ثم خرج رئيس المؤسسة إلى سيارته وجاء خطاب المدير لطباعته: يطلب من رئيس المؤسسة الفرعية الموافقة على حرماني من سلفية السيارة ، وتمت طباعة الخطاب وأرسل عاجلاً بالسيرك وجاء عامل السيرك راجعاً بخطاب من المؤسسة الفرعية يطلب إرسال مهندس لكهرباء خشم القربة مقيماً هناك لإرسال احتياجات المحطة من قطع غيار (علماً بأنه كان اقتراحي بزيارة مصانع السودان لتوثيق قطع الغيار التي يمكن صناعتها عندنا، وبدأت بزيارة صومعة الغلال ببورتسودان حيث تعرفت على جميع المصبوبات من أسطوانات السيور إلى مجالس العواميد وقلبها والمرابط إلخ، ورسمتها هندسياً وعملت لها كتالوج بأرقام تخصنا، ورجعت للمسبك وسبكت منها عينات ووضعتها في المخزن والمكتب الفني تحمل أرقامها في الكتالوج – وكانت نواة لعمل كتالوجات المسبك المركزي)
خرج من مكتب المدير فور تسليمه الخطاب، خطاب يشير إلى طلب رئيس المؤسسة الفرعية موافقاً إياه ويرشحني لتلك المهمة، ويذهب الخطاب بعد طباعته بالسيرك لرئيس المؤسسة الفرعية ويرجع عامل السيرك بتوجيه من رئيس المؤسسة لإرسالي لخشم القربة، ثم يقوم المدير بعمل خطاب لي بذلك القرار – كل ذلك تم في نفس اليوم!!
خرجت فوراً وقدّمت استقالتي ورجعت البيت، ولكن علمت أن الرئيس نميري كان قد أصدر أمراً جمهورياً باعتبارها خيانة عظمى عقوبتها الإعدام أن يستقيل أيٌّ من المهندسين والأطباء وذوي العقول العلمية، فهرعت راجعاً وسحبت استقالتي
ذهبت لابن خالتي المرحوم اللواء عبدالله قلندر وكان محافظ الخرطوم، وأخبرته بمصيبتي طالباً فقط علاج مشكلتي من دون إيذاء الأفراد فأنا لست في خلاف سياسي معهم، ووعدني بذلك
في اليوم التالي أخذني معه لمكتبه حيث اتصل هاتفياً برئيس المؤسسة الفرعية وناوشه بأن بؤرة شيوعيين لديه في مؤسسته لا تلزم حدودها، وأن الرئيس يعلم أن المسبك هو واحد من أربعة وحدات لم تهنئ الرئيس بقمع الاضطراب في جامعة الخرطوم، وأن ابننا سعيد الآن يعاني من مؤامرات لهم يريدون بها إبعاده لخشم القربة الشيء الذي لا يستطيعه مع زوجته الإنجليزية، بينما هي خطوة غير مبررة
أكد له مدير المؤسسة أن المأمورية مؤقتة فقط حتى يستطيع حل الخلاف بيننا، وأنه لا يمانع إرسالي للباقير أوالبقاء بالمنزل
ضحكنا ورجعت لرئيس المؤسسة الذي نظر إليّ شزراً، وسلمني خطاب بمهمة في الباقير
ذهبت فوراً لرئيس المؤسسة العامة للإنتاج الصناعي المرحوم الدكتور عبد السلام عبد المجيد عبد المنعم، والذي رغم كونه أيضاً شيوعياً، إلا أنه لم يحترف السياسة مبدأً وأخلاقاً، بل تجلّى خلقه النبيل في عدة مناسبات شهدتها له – رحمه الله وأحسن إليه
صارحت الدكتور عبدالسلام بمشكلتي وطلبت منه أن يقيلني من وظيفتي فقدم لي عرضين لأختار منهما بعد دراستهما في مدة أسبوعين:
أولهما: أن يلحقني بمكتبه لأعمل مع المدير الفني للمؤسسة المرحوم المهندس إبراهيم صالح، لأكون مشرفاً على متابعة مصانع المؤسسة بالسودان بزياراتٍ لها ورفع تقارير عنها ومتابعة مشاكلها
ويمنحني سلفية عربة
ويلحق زوجتي بمكتبه بمرتب عالي
ثانيهما: أن يقيلني من وظيفتي شريطة أن أدفع كل تكلفة المنحة التي بعثت فيها للملكة المتحدة
بعد أسبوعين أتيته وأطلعته بقراري باختيار الإقالة، وتم الاتفاق على سدادي مال المنحة كالآتي:
دفع استحقاقي من شهر الإنذار وشهر الإجازة ومرتب الشهر الذي تقدمت فيه بذاك الطلب
دفع كل العائد من متأخرات فروقات المرتب للعام
باقي المبلغ جمعت جله من بيع أثاثات منزلي وتبقت مائتين وأربعين جنيهاً عرضت تمويلها من بيع جهاز الموسيقى الذي شريته بألف جنيه في لندن، وأبدى أحد العاملين في المسبك رغبته في شرائه غير أنه لا يملك المبلغ، فوافق الدكتور عبد السلام بالتصديق له بسلفية بذلك المبلع تسدد في 24 شهراً، وبذا حررت لي شهادة خلو طرف ثم إقالة من وظيفتي
بعدها غادرت للملكة المتحدة في أبريل 1974
وأنا هناك وصلني من السودان أن الفساد في المسبك قد تم كشفه وقامت الشرطة ببعض الاعتقالات
وموضوعنا القادم عن مشروع سكر كنانة
==
منقول


سعيد محمد عدنان – لندن
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 944

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#913029 [زعلان وحزين]
0.00/5 (0 صوت)

02-12-2014 03:07 AM
Very interesting story.
That corruption was a blessing from you , changed your life to the better. I would have loved to hear the lessons from the story. However, the los to Sudan is great. Many people have left Sudan because of conspiracies and poor judgement from managers.It is easy in Sudan to kick people out of the country. I know a researcher with a PhD in genetics who was doing research on sorghum and state minister was so nasty to him and kicked him out of country. The country lost years if research on sorghum and a scientist trained in one of the best universities in . the US,


سعيد محمد عدنان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة