المقالات
السياسة
أنا النبي لا كذب (12) مهزلة ثم وثبة إلى مزبلة التاريخ!
أنا النبي لا كذب (12) مهزلة ثم وثبة إلى مزبلة التاريخ!
02-12-2014 11:54 AM



كان معاوية أقدر على النجاح العاجل من علي لأن الباطل عاجل الظهور ولكنه سرعان ما يخبو إنه كان زهوقا. والأشرار مثل الشرر الذي يتطاير عندما تشعل النيران حيث يبرز وقتيا. بينما الحق يمشي متمهلا وينمو متصاعدا في الظهور إلى أن تقوم الساعة. فمعاوية ودولته الأموية هم أول من عبث بمبادئ الإسلام بالدهاء الأخرق الذي لغى التداول السلمي للسلطة، و جلب القمع والبطش وسفك الدماء من أجل كرسي الحكم، وهذه حقيقة لا يعترف بها كثير من رجال الدين ولكن يكاد ان يجمع عليها كثير من الباحثين. وقد يقول قائل: وما دخل هذا بواقعنا التعيس؟. فبإختصار، إن هذا ما ترتب عليه قتل روح الأمة وأهميتها ليحل مكانها روح الدولة والخلافة والسيطرة والجماعة والطاعة. فأهمل جانب الأمة لتصبح الأمة إنصرافية وإتكالية وعقولها مغلقة تنتظر الأرباب لمن يفكر عنها، ويكون لديها إعتقاد بأن أمر المسلمين لا يستقيم إلا بإقامة دولة الخلافة كما كانت أيام معاوية ومن لف لفه. ومن ثم أضحت الشعوب كالقطيع، يتعاقب عليها الطغاة، و ينهب حقها ويستبد بها وتقمع ويستخف بها كما كان فرعون يعمل مع قومه ((ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)). وبالمقابل الشعوب تطيع، ((فأستخف قومه فأطاعوه)). ونحن نقرأ كلام الله لجعله ربيع قلوبنا للترويح عن أنفسنا فقط وننسى إنه كلام من لدن الحكيم الخبير للعظة والعبرة لنحسن التصرف في واقعنا. إن أبسط ما يجب أن نعيه بأن كلام الله سبحانه الذي نزل على قلب نبينا الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، يرفض كل نوع من أنواع الذل و الظلم و الفرعنة والطغيان، وليس هناك آية واحدة تدمدم على الظلم والظالمين أو تمنحهم الحق في إستعباد عباد الله الذين خلقهم أحرار وسلب حريتهم.


"الحق الإلهي" أول العارض قطرة...

عندما إستشهد علي آلت الخلافة لإبنه الحسن بعد بيعته. ولكن معاوية لم يهدأ و كادت أن تندلع الحرب بين الحسن ومعاوية. فقد سار الجيشان حتى التقيا في موضع يقال له (مسكن) بناحية الأنبار. لكن الحسن تنازل عن الخلافة آملا في إخماد نار الفتنة المشتعلة وإيقاف إراقة الدماء السائلة، و أن يطفئ ذلك طمع معاوية للسلطة. ولكن مات الحسن الذي كانت الخلافة ستؤول إليه. فقد قيل إنه مات مسموما. ولم يدري بأن معاوية دجن السلطة لبني أمية ليجعلها حكرا لهم بمساعدة الأرزقية والطبالين. فقد وقف أحدهم بين يدي معاوية، يقول: أمير المؤمنين هذا، فان هلك فهذا، يشير الى ابنه (يزيد)، ومن أبى فهذا، وأشار الى السيف. ففرح معاوية وقال اجلس، وانت اخطب القوم!!. فلولا مثل هؤلاء الأرزقية والطبالين ما قدر معاويةعلى تحويل حكم الشوري الى حكم وراثي استبدادي. فحكم الشورى هذا حسب معارف زمانهم كان من أفضل أنواع التداول السلمي للسلطة. وإذا ترك، مع تطور الزمن، كان يمكن أن يؤدي إلى بسهولة إلى إبتكار النظام الديمقراطي الذي وصل إليه العالم بعد سنوات من الظلام. ولكن هذه من حكمة الله سبحانه بأن سلطة الإسلام تؤول لبني أمية بعد ثلاثون عاما من وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، وساداتها كانوا من ألد أعداءه في حياته. فإن المصادفة السيئة مهما تلتمس لها علة من علل التأريخ ترجع بك في آخر الأمر إلى علل المصادفات التي لا تقبل التعليل.

ومن ثم قويت الشيعة كطائفة دينية ولكنها في الحقيقة معارضة سياسية نتيجة الإستبداد السياسي لبني أمية. وكلما زادت عليهم السلطة زادوا في الغلو. وقد نسب إليهم أيضا ما ليس لهم به علم لمزيد من الفرقة، وعذبوا وأضطهدوا إتضهادا شديدا. ومثلت مأساة كربلاء التي كانت في زمن يزيد بن معاوية ثورة على نظام بني أمية الطاغي، و إنتهت بمقتل الحسين بن على وكثير من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذين لم يقف بجانبهم إلا القليل. والثورة لم تهدأ. فعندما رجعت السيدة زينب بنت علي أخت الحسين إلى المدينة ثار أهل المدينة ولكنهم سرعان ما قمعوا قمعا عنيفا. فبعث يزيد بجيش اقتحم المدينة واستباحها قتلا واغتصابا ونهبا.
لقد مثل الإمام الحسين ثورة تصحيحة لإعادة الحرية والسلم والأمان ومبادئ العدالة الإجتماعية التي جاء بها الإسلام أول مرة في تاريخ البشرية. و الأمة لا تعرف أهمية هذه الثورة التي عرفها زعماء إستفادوا منها كغاندي الذي كان مثله الحسين، والذي قال عنه: تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر.
فمبادئ الإسلام وقيمه العليا ثورة مستمرة تنفع للإصلاح ولا تنفع للإخضاع. و إن إتخذ الدين لإخضاع الناس الذين خلقهم الله أحرارا، فمعناه إنه ليس دين الله وإنما دين زور وبهتان وكهان. والله تعالى يقول: ((لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين *إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين)) [الشعراء: 4]، فالله سبحانه وتعالى قادر على الإخضاع ولا يحتاج لبشر أن يخضعوا له خلقه. فهو سبحانه رب قلوب وليس رب أعناق، ويريد الناس أن تعبده بإختيارهم وبثقة ويقين.

ومن عهد بني أمية أصبح الدين والدولة شئ واحد في نظر كثير من المسلمين! ليحدث إنفصام للأمة ساهم فيه الكهنة الذين يعيشون على فضلات السلاطين. فالمعارض للسلطان عدو للدولة، وعدو الدولة أو عفوا عدو السلطان، عدو للدين والعياذ بالله. وصارت الأمة تعتقد بالإيمان القاطع بأن "الخلافة" الإسلامية أهم شئ أو إن المسلمين لا ينصلح إلا بدولة الخلافة، أو المهدي المنتظر كما تقول الشيعة!!.
و واصل سلاطين "الخلافة الإسلامية" هذا المبدأ وإستلم الراية الطغاة ليكون الدين مطية ودروعا تحمي كراسيهم وعروشهم. ورأينا كيف ثار الناس على عثمان وهو لم يأكل مال أحدهم، ومن ثم رأينا السلاطين والأمراء بعد ذلك يتمتعون بأموال الأمة عيانا بيانا ولا يثور عليهم إلا قليلا! فقد كان بطش السلاطين شديدا بالسيف والقتل لأن معهم الحق الإلهي. فقد إستبدوا بالمسلمين واضلوهم عن الهدى وحجبوا عنهم النور وضيقوا عقولهم. فأدى إلى موت قوى البحث ونشاط الفكر بين المسلمين، فأصيبوا بالشلل في التفكير السياسي والنظر في كل ما يتصل بشأن "الخلافة" والخلفاء. بل وإستخدم بعضهم الألقاب لحمايته وللإرهاب الفكري. فظهرت أسامي كالمتوكل بالله، الواثق بالله، المعتصم بالله، المستعين بالله، الراضي بالله، المستضئ بأمر الله، وكل شئ لله، وهي لله هي لله.
ومن ثم أصبح الدين للأمة محصور في القيام بالطقوس الشكلية للعبادات ومن ثم رفع الأيادي بالدعاء: "اللهم أنصر الدين والدولة وأرفع أمتنا في "خبر كان"."


وهم الخلافة..

و مع أن عمر بن الخطاب لغى لقب خليفة وأبدله بأمير المؤمنين ما زال السلاطين يستخدمونه في عهودهم البائدة. ولا يزال الكثير يعتقد بالفهم المخادع بأن إن لم تكن هناك دولة إسلامية لم و لا ينتشر الإسلام. ولا أدري الشكل الذي يرتسم لهم في أذهانهم "للخلافة" في هذا الزمان؟. لأيام الغزو والحروب التي قام بها السلاطين ليسبوا النساء والغنائم، أم للعيش كما كان السلف الصالح. فلا هذا ولا ذاك سيرجع لأن العالم تغير ويتطور يوميا، والأمم تتقدم وتسير للأمام والفات مات!. ويساعد في هذا الأرزقية والطبالين والمخدوعين المتحدثين بإسم الشرع والشريعة والمروجين لاقامة دولة إسلامية كما كانت، و يتجاهلون او انهم يجهلون أمر الشعوب التي ذاقت المر والويلات والكبت والإضهاد ولم يكن لها حق الكلام أو أبسط حقوق الإنسان من جراء سلاطين زمانهم. فقد كان القتل بالمجان وبأبسط الحجج الجاهزة وبالتكفير والزندقة وبالإعتراض و تكميم الأفواه و باللؤم والخسة، وإتخاذ التعذيب والإذلال كممارسة عادية بالحق الإلهي. فلم يكن هناك أساسا أي تداول سلمي للسلطة ولا كرامة للإنسان بل إستحواذ للسلطة بالقوة، وإرهاب بالدين.

و الواقع الآن يقول ان الإسلام ينتشر في البلدان الحرة والعلمانية، والتي يصفونها بالكافرة، أكثر من أي مكان في العالم بواسطة الأفراد، كما الماضي. بل وبالعكس فإن بلدانهم التي يدعون إنها بلدان إسلامية تعطي نموذجا سيئا وصورة مغايرة للناس عن الإسلام بعدم الإستقرار والحروب والتناحر والتعصب القبلي وإضهاد حقوق الإنسان.
فالدول الحرة تعمل بسورة الكافرون التي نقرأها تقريبا يوميا ((لكم دينكم ولي دين))، وبذلك نجدها تسير في تقدم ورقي لأن الكل يعيش بسلام وأمان وإحترام الآخر وبذلك ينتشر فيها الإسلام بحرية وأريحية. فالجميع يعيشون في وطن كإخوة ولهم الفرصة الكبيرة للتعرف على أخلاق المسلمين العملية بعيدا عن الفروقات الاثنية والعرقية والدينية ولهم حق التساوي في الحقوق والواجبات الوطنية. وفي تلك الدول الحكم بها هي المواطنة وخدمة المواطن ولا علاقة بالدين في الحكم اي فصل الدين عن السلطة، وتلك الدول تسعى دوما لتحقيق مبدأ العدالة الإجتماعية كما ينادي به الإسلام. سميها ما شئت بالدول غير دينية أو علمانية، فهي في النهاية أفضل من دولنا التعيسة التي تغصب الناس حريتهم و تريد أن تعيدنا لجاهلية قريش.

يعتقد الشيخ علي عبد الرازق صاحب الكتاب المهم "الإسلام وأصول الحكم" بأن العقيدة الغاشمة او "العقيدة السلطانية" التي أسبغت على سلاطين العهد الأول/ أو الخلفاء كما يحلو لهم وإصطباغهم بصبغة التقديس هي المسؤولة بالدرجة الأولى عما حل بالإسلام في عهوده الأخيرة من خنوع وإستكانة. فالإسلام بالطبع برئ من ذلك وهو دين خالص لا يعرف مبدأ "الحق الإلهي" أبدا. وهذا المبدأ يحذر منه الله تعالى في عدة مواضع ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)) [آل عمران: 64]. ((ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون)) [آل عمران: 80].

وسبحان الله يمكنك ان تلاحظ كلمة "أربابا" أتت تقابلها كلمة "مسلمون"، وكأن الحق يقول لنا بأن المسلمين لا يتخذون أربابا غير الله. والإتخاذ يأتي طوعا بنية الآخذ. فالمسلمين لا يتخذون أربابا لهم سوى الله عز وجل. وهذه كانت صفة من صفات اليهود والنصارى ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)) [التوبة: 31]. ولا يفوتنا ذكر بأن كثير منهم قد شارك في حكومات السلاطين في العهود الأولى لأن المسلمين العرب كانوا قليلي التعلم. ومن هناك ساعدوا السلاطين كثيرا ليجعلوهم أربابا ويثبتوا مفهوم التزلف للحاكم والطاعة والخضوع والإنصياع لأمر "جلالته" يحفظه الله ويرعاه.


عهود الظلام والتضليل والتزييف..

في عهود السلاطين بدأ التوثيق للأحاديث والقصص و بعض تأويلات القرآن الكريم التي صارت في ما بعد بما يعرف بعلوم الدين. وكيف أن نستوثق لهذا التأريخ وإن كنا الآن، ووسائل التوثيق بين أيدينا من إعلام وصحافة ولكن تزييف الوعي والتضليل والتجهيل يعمل بقوة في العقول. فالدين ليس له علاقة بالتأريخ المزيف. و من المؤكد و الخطير هو أن السلطة في فترات السلاطين كانت تتعمد التزوير والتحريف في الدين لما يتناسب مع اولوياتها للتمسك بكرسي الحكم. ولكن القرآن لم يتغير لأن الله وحده هو المتعهد بعدم تحريفه. وللأسف كل التوثيقات في الدين كتبت في عهد بني أمية وبني العباس. وكان في يد السلاطين السيف والمال ولم ينجو الشرفاء. فقد عذب الإمام أبي حنيفة في عهدي بن أمية والعباسية لأنه رفض أن يعمل لهم كواجهة تغطي ظلمهم وطغيانهم. وجلد وقمع حتى توفى في السجن.
وبالمقابل كان هناك بعضا من رجال الدين من اليهود والنصارى أسلموا للعبث ليقوموا بإدخال الإسرائيليات كقصص وأحاديث تم تدوينها كعلم شرعي، ولكنها تكشف على مرور الزمن شيئا فشيئا. وقد إستغل السلاطين بعض أسامي علماء ومشايخ كبار لتنفيذ تلك المآرب، بقصد او دون قصد، والله أعلم. فالامة وقعت فريسة التزوير او التفاسير الخاطئة وأصبحت الخرافة في خدمة الطغيان.
وظهر أهل المذاهب الذين إختلفوا في الأحاديث، بينما كتاب الله لا يختلف عليه اي مسلم مهما كان مذهبه؟. وإستغل المتعصبون والمتطرفون الأحاديث الغريبة والتفسيرات المضللة لينتج عنها تشرذم وشتات وعصبية و تحارب وتقاتل والذي نعاني تبعاته إلى اليوم. أفلا يؤكد هذا أن هناك أيادي خفية يخدم الاختلاف مصالحها فتعمدت العبث و التحريف والتزييف لكي يتفرق الناس ويتأجج الصراع بينهم وإن وصل للتكفير والقتل. نعم، إنها بالتأكيد السلطة التي تتخذ مبدأ فرق تسد لينشغل الناس بالخلافات الدينية و يقبع الحاكم في كرسيه بعيدا عن رقابة الناس يتحكم فيهم ويأكل أموالهم بالباطل ويستمتع بحقوقهم. ومن ثم يأمر فقهاء السلطان من إعتلاء المنابر وحث الناس على طاعة ولي الأمر وعدم الفرقة والإلتفاف حوله والسير تحت رايته حفظه الله.

لم تختلف دولة بني امية عن دولة بني العباس ولا الفاطمية حتى العثمانية ولا فرق بينهم جميعا وبين اي دولة اليوم تدعي انها تطبق شرع الله، لأن مبادئ الإسلام السامية محيت وتكاد تكون ضللت تماما. لقد رميت دول السلاطين المترفة الظالمة في مزبلة التاريخ وتعاني الأمة مما عاشته وهي ترزح تحت ظلامها الدامس إلى الآن وتنبش منها القيح والزيف والضلال كل مرة.


عهد فتوحات أم توسع ممالك؟...

أولا نحن نتحدث عن "نظام الحكم" الذي إبتدعه بنوأمية بغصب الناس وسار من خلفهم معظم السلاطين والطغاة من بعدهم. فالنظام كان فاسدا وبالتالي "الخلفاء" والسلاطين كانوا يتبعون أنظمتهم إلا من رحم الله، كالخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز الذي يتفق المؤرخون بعدله. ولله حكمة في ذلك، فكل دولة لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ولكن المحصلة العامة هي ضياع الأمة بإستنان هذا النظام التعيس الذي ركز على الدولة والكرسي وتحكم فيها بإسم الدين. وما يخص زمانهم من محاسن فلا يمكن التباهي بإطلاق به لإختلاف الأزمنة. فالمحك الحقيقي ما هي مثالبهم و ما هي المبادئ التي وصلتنا منهم والقيم التي ورثناها منهم.

ويقولون إنها عهد فتوحات و أن الإسلام إنتشر بالسيف!. و الله تعالى يقول إن الدعوة بالقول والحسنى وليست بالسيف ((ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)) [فصلت: 33]. فمن نصدق، نصدق كلام الله وديننا أم نصدق التأريخ المزيف وأطماع السلاطين. لقد ذكرت لك سابقا بأن الحروب أسموها "حروب الردة" ليمرر بها السلاطين هجومهم و لتقنين حروبهم على الشعوب وأخذا اموالهم ونسائهم شرعا، ومسألة الإسلام وإنتشاره شئ آخر. ولقد بينا سابقا بأن تلك الحروب، في زمن أبي بكر الصديق، لم تكن لردة وإنما لرد عدوان وكسر شوكة المعتدين. و لقد جاءوا بحديث (أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمد رسول الله) يناقض كلام الله و عكس ما يدعون. فالنبي صلوات الله وسلامه عليه خلقه القرآن و القرآن يقول: ((ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟)) [يونس: 99]. فكيف يكرههم بالسيف؟. ويقول: ((لست عليهم بمسيطر))، وغيرها الكثير من الآيات ولا نريد التكرار.
لذا فإن حروبهم كانت من أجل ممالكهم وتوسيع إمبراطورياتهم الدنيوية. ولكن الإسلام إنتشر أيضا بالرغم من الظلم والطغيان، وهذه ظاهرة تستحق الوقوف عندها.

فكيف دخلوا إذاً؟..

أولاً من السذاجة الإعتقاد بأن تلك الشعوب المفتوحة دخلت الإسلام مباشرة وفي طوع ذلك السلطان الذي قتل أهليهم وشردهم وخطف بناتهم ليتسرى بهن. فالناس تتقيد بالمواريث والمعتقدات كثيرا. وبالعكس، فأنت إذا فرضت عليهم دين بالقوة سيأتي بنتيجة عكسية عليك.
وهناك قول آخر إنهم دخلوا تهربا من الجزية. و دخلوا الإسلام لإعفائهم ولكن هل نضمن بأنهم صاروا فعلا مؤمنين حقا؟، ومع إن بعض السلاطين الحذقين لم يعفوا احدا ولو أعلن إسلامه بإعتقادهم إنهم أسلموا لكي لا يدفعوا مالهم. وكان ذلك في عهد بنو أمية وإستمر الحال إلى أن جاء عمر بن عبدالعزيز و أوقف هذه المهزلة.
لذلك لا يمكن ان نقول بأن تلك الشعوب دخلت الإسلام بحد السيف لأن عدم الإقتناع والإجبار يعني عدم وقار الإيمان. ولهذا لا نصدق هذا الإفتراء أبدا لأنه كان سينتهي إيمانهم بالله على مر الزمن.
ولا يمكن أن نقول أن نقول بأن تلك الشعوب دخلت الإسلام بعدما وجدوه خيرا من دينهم. لأن الناس من الصعب عليها جدا أن تتخلى عن التقاليد والموروثات والأعراف بسهولة وكما تعنتت قريش.

يقول دارسو تاريخ الأديان بأن الناس يعتنقون ديناً جديداً عندما يجدون فيه سدا لحاجتهم النفسية أو الإجتماعية ويحسون بها معنويا. فالشعوب التي فتحت كانت ترزح أساسا تحت وطأة دول وإمبراطوريات وممالك دينية، تجبرها على دين السلطان والملك. ولكن عندما وصل لهم الإسلام لم يجبرهم على شئ بل وجدوا أنفسهم أحرارا في حرية إختيارهم أو بالأحرى حريتهم الدينية. وكان مع جيش المسلمين حملة القرآن الذي جاءوا مع الجنود لنشر الدعوة. ومن ثم بالتأكيد قد رأت تلك الشعوب أول ما رأت في دين الله "الإسلام" السلم والأمان أنه ثورة خلصتهم من طغاتهم. ومن ثم تعرفوا على الثورة ومبادئها من قرب عبر التجار والأفراد.

ولكن في نفس الوقت، هم قعوا بعد فترة فريسة السلاطين الفاتحين الذين يستخدمون الدين للخضوع والطاعة والإنصياع لأمرهم ويجعلهم عبيده ونسائهم سبايا. ولكن تعلموا بأن الأنبياء كانوا يمثلون خط الثورة ويدعون لعدم الإنصياع للطغاة وعبادة الله عز وجل وحده. بينما المترفين يمثلون خط الحكام الطغاة الذين يريدون التحكم في الناس وإذلالهم وجعلهم طبقة تحتهم لتخدمهم و يدوسنها ويسحقونها في أي وقت إذا أرادوا. وبعدما إنتشرت بينهم مبادئ الإسلام الإجتماعية عرف الكثير منهم إن هؤلاء لا يمثلون الإسلام كثورة وإنما هم راكبون لها. لذلك بعث الدين روح الحماس فيهم ليكون ثورة على الظالمين و السلاطين المترفين والطغاة.

لقد كان معظم حملة السيوف ومناصري السلاطين من العرب والبدو لإهتمامهم بالغنيمة والفتح. أما معظم الموالي، الذين حررهم الإسلام، كان سلاحهم هو الدين. ونتج عن ذلك ثورة فكرية هائلة بعلماء أعاجم مبدعين في الدين وعلوم أخرى كالإمام البخاري والغزالي و الفارابي والخوارزمي وأبو بكر الرازي، وحتى في اللغة العربية: كسيبويه. أما العرب فنجدهم قد وأصلوا في بروعهم في الشعر والإرتزاق والتطبيل ومسح الجوخ للسلاطين. فأبدع منهم: المتنبئ، وأبي نواس والكثير غيرهم من شعراء الملق والدهان في أبواب السلاطين. وأصبحت هذه عادة عن العرب واصبحت رزية كثير من المثقفين منهم إلى اليوم.
والله تعالى يقول في كتابه ((والشعراء يتبعهم الغاوون)) [الشعراء: 224]. بينما العلماء هم الذين حقا يخشون الله وحده ويقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم. ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)) [فاطر: 28].
وكما يقول المفكر إدوارد سعيد: "المثقف الحقيقي هو الذي يقول الحق، في وجه السلطة". وعن نبينا صلوات الله وسلامه عليه (إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر). فصدق نبينا الكريم وهذا هو الجهاد الحقيقي الذي ينضوي تحت المجاهرة بالحق والشجاعة في وجه الظالم ومقارعته بالفكر والصبر على تحمل كل تبعات العواقب حتى إذا فقدت الروح. وليس كما يفهم الإنتحاريون الجهاد. فآية الشهداء إنهم يبخسون حقهم في الحياة ليهبوا بأرواحهم الحقوق لغيرهم. وعندما ينالوها تخلد ذكراهم بينهم.

يقول نيتشه "الدين ثورة العبيد"، ويقول ماركوس "الدين أفيون الشعوب". وهذا يؤكد بأن الدين نسبي ويقف في المنطقة الوسطى بين الحكام والمحكومين فإذا أخذ الدين مكانه الطبيعي بينهم فلا يكون هنالك إختلال في الكفة، أو طغيان في الميزان. فدين السلاطين والحكام دوما يفضي للإستبداد والطغيان والغخضاع، بينما الدين الحق عندما تتخذه الشعوب لها دينا يكون ثورة ضد الظلم والفساد تفضي للإصلاح.
لذلك يستخدم الطغاة الدين للتحكم في العباد. وبالمقابل عندما تثور الشعوب تتخذ الدين لإشعال الحماس بتلقيب الذين فقدوا أرواحهم شهداء وتخليد ذكراهم. فالفهم الصحيح للدين والإصلاح الديني هو أول مفتاح لإسقاط الطغاة.

لقد إتخذ الملوك والسلاطين ومن حولهم المترفين الإسلام مطية لمآربهم. فما أقيم من ممالك فاحشة الثراء ومفرطة الترف واللهو واللعب والإستمتاع، ليس لها علاقة بالإسلام ومبادئه ولا أخلاق النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. وللأسف كتب التأريخ عنها إنها الحضارة الإسلامية. وما فائدة تلك الحضارة إذا تمخض منها الزيف والأباطيل وسفك الدماء والأساليب القمعية و قهر الأمم و السيطرة عليها ماديا وعقل الأمة خاوي على بلاط السلاطين حيث تعيش المجتمعات في تفرقة دينية وعصبية وقبلية و تشرذم وخلاف وحرابة وفي تردي وتقهقر وتخلف مستدام.

و هذا زمانك ...

وعاشت الشعوب تحت القهر والظلم وعربدة السلاطين، ولم ينالوا نصيبهم من نعيم الدنيا كما نال طغاتهم بسواء. فقد قيل إن أحد قادة بني أمية عندما فتح إحدى البلدان أتى بأربعين ألف فتاة عذراء، ذهب الجميلات منهن لقصور الأمراء و"الحرمليك"، والبقية إلى سوق الله أكبر. ولا ندري أكانت الشعوب المغلوبة على أمرها سعيدة بفتح تلك البلدان أم بالفتح العظيم الذي مقبل عليه السلطان!. أو ربما فرحين بإنخفاض الفجوة الغذائية والجنسية. فقد قيل في تلك الفترة ان أحدهم كان يشتري الجارية الدعجاء بنفس سعر الرطل من اللحم.
ويروى أن المتوكل كان لديه أربعة ألاف جارية وطئهن جميعا، ولا أدري عدد الأيام التي أخذها لذلك!. و خصى سليمان بن عبدالملك في إحدى البوادي مغني سمعه يغني بصوت جميل وذلك مخافة على عفاف النساء وأن يفتتن ويفسدن من صوته الرخيم. بينما يعود هذا المغني ومثله لإحياء اليالي الملاح للسلطان و جواريه اللائي يتراقصن بأجسادهن البضة لسعادة حضرة جنابه
وقيل ان هارون الرشيد كان سلطانا ورعا وتقيا حيث كان يتلو القرآن بخشوع ويقبله ويضعه على جبهته عدة مرات كل يوم. فكان هذا لا يمنعه من أن يقضي الليالي بين المغنين والجواري اللاتي يهززن خصورهن وأردافهن أمامه ليخر بعدها مغشيا عليه من خشية الله.

وقد جر فحش الغريزة وترف الشهوة الجنسية بعض السلاطين والأمراء للبحث في ما وراء المعتاد فوجدوا ذلك في اللواط. وقد إنتشر في العهد العباسي و اصبحت الحانات أماكن للسكر ومواخير للغلمان.
وقد زاد من ذلك الوضع المزري الذي مر به العراق في العهد العثماني عندما فرض الحجاب بالحديد والنار على المجتمع حيت صار عشق الغلمان من المفاخر التي يتباهى الرجال ولا تزال آثار ذلك باقية إلى وقت قريب.

وبالنسبة لإنتقال السلطة السلمي بين أفراد تلك العوائل المالكة لم يكن بالسلاسة. فكانت هناك إغتيالات فظيعة بين أفرادها. حكي إنه أكثر من عشرة سلاطين من بني العباس توفوا مسمومين ومقتولين من أقاربهم. فالأخ يقتل أخاه وزوجة الأب تقتل أبنائه في سبيل تولي إبنها، كشجرة الدر وفاختة بنت عم مروان بن الحكم التي تزوجته ثم قتلته ليتولى إبنها خالد بن يزيد. فعندما نعت مروان ابن الحكم إبنها خالد: تنح يا ابن رطبة الإست والله لا أرى لك عقلا. قررت قتلته أم خالد. فقتلته كتما لأنفاسه جالسة في الوسادة على وجهه وهو نائم. و فعلت الجارية خورم التي تزوجها السلطان سليمان القانوني وزينت له قتل إبنه مصطفى، ولي العهد، لكي تؤول الخلافة لإبنها. والكثير من الروايات عن هذه المهازل.
و إن صحت تلك الروايات أو لم تصح فإن حال الأمة يدل على مصداقية جلها ويغني عن السؤوال والغوص في مزيد منها. فلقد أصبحت الأمة ترزح تحت قدم السلطان او الحاكم المستبد. فهو يضع قدمه فوق رأس الشعب أو بعبارة أخرى المستبد والطاغية يضع رجله فوق رأس الشعب بينما تتراقص الجواري أمامه أو نساءه، ويضعن مؤخراتهن فوق رأسه.

و بينما العالم والأمم تتقدم كانت أسواق النخاسة والعبيد والجواري مكتظة بشدة وإنتظر المسلمون كأمة مفترض أن تكون خير أمة لكي توقف هذه المهزلة. ولكنهم أمة بالكلام وطفقوا يرددون بأفواههم فقط "الإسلام هو أول ما شجع على تحرير العبيد".!! وبعدين ماذا صنعوا؟!!. إتبعوا السلاطين والأمراء وجبلوا على الإنصياع والطاعة والخضوع، و أبوا أن لا يتطوروا إلا بالإجبار و بعد أن وقّعت إنجلترا مع الخديوي إسماعيل معاهدة منع الرقّ 1865 التى قاومها ما تبقى من السلاطين و المشايخ أو رجال الدين الذين يعيشون على فضلات السلاطين.
إن الإسلام يريد للناس الحرية وللإنسان كرامته ومبادئه تقتضي التخلص من هذا العار من العبودية والرق والجواري ولكن هذا لا يتماشى مع مباهج وترف السلاطين وحبهم للدنيا وزينتها.

ورجوعا لمقولة المؤرخ توينبي: هل كان محمدا نصابا يريد الملك أم كان نبيا يريد الإصلاح. فنشهد الله وملائكته ورسله والمؤمنون بأنه صلوات الله وسلامه عليه كان نبيا مبلغا ومبشرا ونذيرا، يريد الإصلاح. ولكن ما أحدثه السلاطين وكتبه التأريخ بإسم الإسلام يبرأ منه تماما، وليس له علاقة بدين الله بتاتا.


*الحلقة القادمة الإثنين بإذن الله.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 7648

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#914028 [مواطن]
0.00/5 (0 صوت)

02-12-2014 11:03 PM
بسم الله والله ما استطع ان اكمل القراءه في هذاالمقال الذي تفوح منه الريح الخبيثه المنتنة الكاتب الظالم أسأل الله ان يعاملك بعدله ولا اراك الا شيعيا خبيثا الم تعلم وانت تستدل بحديث الرسول صلي الله عليه وسلم انه وصف معاوية رضي الله عنه بالإيمان حينما قال ان ابني هذا يقصد الحسن عليه وعلي معاوية واصحاب النبي السلام يصلح بين فريقين من المؤمنين اوكما قال عليه الصلاة والسلام ثم ان معاوية رضي الله عنه خال المؤمنين وكات الوحي بين يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم بلل دعاء النبي صلي الله عليه وسلم له عندما قال اول جيش يغز وا البحر مغفور له او كما قال صلي الله عليه وسلم فان قائد الجيش معاوية و الفتوحات الإسلامية لاتعد ولاتحصي ثم هل انت ايه اللعين اعلم من ابوبكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم حينما استعملوه وولوه بعض شؤن المسلمن واستأمنه الرسول صلي الله عليه وسلم كاتبا لوحي الله .لعنك الله سيف الباطل، بل يكفي انه صحااااابي وان معاوية هوالباب الذي من ولجه تحدث في اصحاب النبي عليه الصلاة والسلام .هذا نقطة من بحر وقيد من فيض.لعنك الله سيف الباطل الباطل .


سيف الحق حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة