المقالات
منوعات
مقدمة كتاب توماس هوبز
مقدمة كتاب توماس هوبز
02-14-2014 09:27 PM



اسم الكتاب: الوحش (Leviathan)
أو لسان الحال

الكاتب: توماس (هوبز) (1588 - 1679)

(1) المقدمة
(2) الجزء الأول: الإنسان


ترجمة: سيد أحمد عبيد


(a)

لوحة الغلاف


قال هوبز:
"على من يريد أن يحكم أمة أن لا يقرأ عن هذا وذاك ولا عن شخص بعينه بل عن كل الناس"

(b)

تقدمة

تجد في هذا الكتاب شيئاَ من تحويل بسبب اختلاف اللغة، إلا أن التناول المبدع حفظ روح الكتاب الجذابة، فالكتاب منقح وخالي من لغة الزمن الماضي، إلا أنه يوثق للكاتب، وعلى القارئ أن يبحث عن فهم سليم لما كتب (هوبز)، هذا ما يرمي إليه الكاتب لذا لزمت التنقية ولزم الابتعاد عن لغة أهل (الأنتيك) – وتجد الكتاب موثقاً في كل ما به. كما تجد الملاحظات في، الفلسفة، والنص، والتاريخ والسيرة، كل هذه المعلومات متوفرة إن لزم.
يحاول الكاتب إعطاء مزاوجة بين (هوبز) وأفكاره الفلسفية مع التبسيط، عليه يتوجب أن نقرأ هذا العمل برؤية تتناسب مع الأجيال، أضف المقارنة مع رؤى حديثة، بحيث يتمكن القارئ من إبداء نظرة ثاقبة، أو حتى جارحة، كما يلزم النظر إلى ما فيه من اندهاش وإثارة ناجمة، والتي تداهم القارئ أثناء قراءته.
الشكر والتقدير لكل من أعان وحفز على هذا العمل.
(جون قاسكن) منقح الكتاب.




عالم أكسفورد (الكلاسيكي)

عالم الآداب ذات الشهرة التاريخية وهو عالم نموذجي، يشمل الآداب الرومانية والإغريقية.
في هذا الكتاب (Leviathan)، يعني حيوان ضخم بحري متخيل، أو الدولة ذات النظام (الدكتاتوري)، ورد الاسم في الكتاب المقدس. وكاتبه هو (توماس هوبز). كان لا يضع عصاه عن ظهره، محب للترحال، وجاءت أول كتاباته في كتابه مبادئ القانون، تحدث فيه عن الطبيعة والإنسان والمجتمع، إلى أن كتب (ليفاثان) إضافةً إلى كتابات أخرى مثيرة للجدل.
تحدث عن الإلحاد، عن إنكار الله، عن العاديات، عن الطبيعة، عن نواميس الطبيعة، تحدث عن الإنسان، عن المحسوب بدقة، أصبح شخصاً مرموقاً في زمانه، عرف بمناداته بالمذهب الطبيعي. أي الفكر المبني على الغرائز، والرغبات الطبيعية فحسب. أي إن نواميس الطبيعة كافية لتعليل كل الظواهر. وهو ينكر أن يكون للشيء معنى مخالفا للطبيعة، ويعتمد المذهب القائل أن نواميس العلم كافية لتعليل جميع الظواهر، مثال الواقعية في الفن والأدب.
له من الكتب:
(1) البحث عن ضالة منشودة؛
(2) فلسفة هيوموز عن الدين؛
(3) تعدد أشكال الإلحاد؛
(4) تنوع اللاإيمانية؛

المقدمة:
إن ما يلزم فهمه هو هذه الاستمرارية وتلك الحيوية والنشاط الذي يتصل ويتواصل، نقداً ومنطقاً قوياً وينتهي إلى هذا الشكل البديع وتلك الدراسة الرائعة وهذا العطاء الذهني منقطع النظير، كل هذه الإشارات لا تخذل من يقرأ هذا الكتاب. والناتج هو واحد من الأقوى والأكثر تأثيراً وشغفاً، كتاب من أحسن ما كتب، بل هو الكتاب الوحيد باللغة الإنجليزية الذي يرقى إلى مستوى كتابات، أفلاطون، وأرسطو، وهيقل، وماركس.
التعليم – النفوذ، والنتيجة:
والد (هوبز) كان لا يحبذ التعليم ولا يرغب في أن يتعلم ابنه، إلا أنه اختفى بعد أن اعتدى على أحد رواد الأبريشية. عمه (فرانسيس) كان غنياً ولا أبناء له، تولى أمر تربيته.
ذهب (هوبز) إلى مدرسة الكنيسة في (وست بورت) وكان في سن الرابعة وفي سن الثامنة ذهب إلى مدرسة (مالميلز بيري) وسرعان ما تفوق في اللغتين، الإغريقية واللاتينية. كان كثير المجادلة في الأكاديمية وبسبب عنده وتمرده، قررت أكسفورد حرق كتبه عام 1683 مع مخطوطات أخرى، مع شهادة الدكتوراه، وقد أحرقت بسبب تهم الهرطقة، وعدم امتثاله للديانة المسيحية. وأنه مخرب ومعادي للكنيسة، والدولة. هذا ما فعلته أكسفورد مؤخراً بكتابات (هوبز) وثمنت أعماله على أنها عديمة القيمة ومجرد أفكار طلاب مدارس ثانوية، أنها مجرد فيزياء (أرسطية) متقلبة متدنية المعاني، فيها تحريض وعصيان، يرمي الكنيسة وطهرها بأفكار سياسية مخربة، واعتبروه باسم الدين يعادي الأمير والحاكم والحكم، ويحرض على حمل السلاح وعلى الفتنة وتم تعنيفه وتهذيبه.
ولأسباب غير معروفة تم اعتماده موجه في الجامعة، بل ومرافق لابن عميد الجامعة، إلا أن اعتماده تعرض للمشاكل، واستمر مع عائلة (كافندش) حتى وفاته. وبعد احتجاب طويل خرج عليهم بسبع مجلدات فلسفية دون كتاباته اللاتينية حيث عاد وكتبها بالإنجليزية. بالنهاية كان كتابات (هوبز) سبباً رئيساً من أسباب الحرب الأهلية، الحرب التي أشعلها الصراع بين (شارلس الأول) والثوار من البريطانيين.
كانت السلطة تخشى هذه الصحوة التي قد تؤدي إلى تمرد عليها الشيء الذي قد يقود إلى العلمانية وإلى التمرد على الكنيسة والتحلل من الولاء لها، وعلى من يديرون شؤون السلطة والدولة من المشايخ. هكذا أقحمت العلمانية في جسد السلطة والسياسة مما أثار جدلاً بين الحكومة والكنيسة والعلمانيين، حول السياسة الخارجية وعدد من القضايا الدستورية، هذا الجدل تحول إلى مصدر خلاف بين الحاكم والأسقفية مع (البيروتانيين).
ودارت الشكوك حول قدرة الملكة على تضييق شقة الخلاف بين السلطتين الكنيسة والبرلمان الذي كان ينظر إلى الكنيسة على أنها مؤسسة غير مرغوب فيها ومتطفلة، وبدأت محاولة لإقناع الملكة بإصلاحات محددة.
عملت السلطة على إبعاد الولايات عن أي تدخل في إدارة شؤون البلاد وأن يقصروا دورهم على النقد فقط وعندما يستدعي الحال أو وحين تصبح الدولة في وضع حرج.
هذا النهج طبق في عهد الملك (جيمس الأول) والذي خلف والده على أساس أنه ملهم وذو حظوة سماوية في الحكم، ومع استمرار الصراع والذي اشتد مع البرلمانيين (اللوردات والبرلمان) مقابل الكنيسة والحاكم. وفي عام 1640 أجبر الملك على إعادة البرلمان وكان قد حله لكنه سرعان ما عاد وأنهى صلاحياته بسبب الخلاف الناشب. كان البرلمان محدود الصلاحية كما لو كان هبة من الملك أو منة منه، إلا أن تمرد ال (برسبتيريان) أجبر الملك على إعداد جيش وحل البرلمان مرة أخرى. البرلمان الذي حجب عام 1636 وأعيد عام 1640 لم يدم طويلاً مما جعل الثورة (الحرب الأهلية) ممكنة بسبب الخلاف الدائر بين الملك وبرلمانه.
والخلاف الدائر حول القضايا الاجتماعية والمطالبة بالفصل بين الدولة والدين والحالة الاقتصادية المتردية، ثم الملك والبرلمان، الذي استمر لمدة أربع سنوات. انتهى إلى هزيمة الملك واستسلم الملك للاسكتلنديين عام 1646 وفي عام 1646 أعدم في لندن خلال الحرب الأهلية الثانية. قاد الحرب اللورد (كرومول) وهزم الثوار في (اسكتلندا) وأصبح (كرومول) راعياً للدولة.
وفي عام 1660 توج (شارلس الثاني) ملكاً وبحسب اتفاق تفاهم شمل الجميع.
من المؤكد أن (هوبز) اهتم بالتداخل وبالخطر الناجم عن (تداخل الدستور) مع المؤسسة الدينية. ومع بدايات مشواره في (أكسفورد) اتضح الأمر وأصبح طلاب الجامعات هم رأس حربة الحراك المعارض. قد كانت رؤاه مستنيرة دفعت شباب الجامعات مؤخراً إلى التمرد على السلطة.
احتدم الصراع ما بين (البرسبتريان) و(الكلفانيين)، داخل البرلمان ولكن بتريث شديد، وحذر في عهد الملكة (اليزابيث). وبعد أن بدا واضحاً أن الوزراء وكبار رجال الدولة بدأوا يتململون من جهالة رجال الدين وثاروا على المجلس الكنسي والذي هو برأيهم ليس أكثر فهماً منهم، أيضاً الصراع مع الدولة والذي أرجعهم إلى التاريخ، وإلى مفهوم الحريات التي تمنحها الدول الأفريقية لمواطنيها، والرومانية، وأن الدولة عندهم كانت بفعل الإرادة الحرة.
تطلعات (هوبز) وهمومه أصبحت ذات قيمة بعد أن أصبح قريباً من رجال أقوياء وأصحاب نفوذ في الدولة، حيث عمل أمين سر مكتب اللورد (كافنشي). لقد كانت مخاوف (هوبز) السياسية مجرد مرجعية تاريخية، جاء ذلك في عام 1640 ولم يتناول دور الصفوة إلا أنه يمكن أن نذكر له خمس منها:
(1) حين منحت له حقوق دراسة مقتنيات مكتبة (كافندش) في منزل (آل كافندش) (1629-1638) كتب للابن الأصغر يمجد مقتنيات الأسرة.
(2) بعد مغادرة (أكسفور) كان قد أتقن اللغة اللاتينية وبدأ مونتاج أفكاره كتب باللاتينية، وكانت معظم كتاباته في عام 1640 باللغة اللاتينية وكان بارعاً في الترجمة من اللاتيني.
(3) في ترجمة لكتاب (Thucydides) عام 1629، كان هذا الكتاب هاماً عنده، وقد أبدى نقداً للديمقراطية اللاتينية وقال عنها لا تناسب دول (الكومنولث) ولا تحافظ على وحدتها، وقال إن الديمقراطية ليست وحشة لكنها لا تساعد على بسط السلطة والسيطرة على دول (الكومنولث).
(4) اعتمد علم الهندسة في دراساته (1628) وراح يروج للشروحات الهندسية في حواره.
"قال إن علم الهندسة هو العلم الوحيد الذي يحبذه الرب ولا بد أن يسود عالم الإنسان".
حتى منتصف القرن التاسع عشر أصبحت أفكاره الهندسية هي النموذج الذي فرض نفسه مذهباً للاستقامة والتقوى.
غادر هوبز (أكسفورد) بسبب أن (أكسفورد) لا تثمن الأفكار الجديدة على مستوى القارة، قد أثرت ثلاث رحلات إلى أوربا على أفكاره وعمقت لغته الفرنسية وشيء من اللاتيني. لكنها أثرت أيضاً وأثرت أفكاره النموذجية ذات النكهة العلمية، حين التقى العديد من العلماء ومنهم (غاليليو) وأقام علاقات بناءة خلال إقامته في باريس (1640) تعلق بالميكانيكا والخيال العلمي. ذكر ذلك في كتابه الصادر عام (1676) كان ذلك خلال تواجده في باريس.
خلال دراسته لما يدور حوله في العالم الطبيعي عالم المعرفة الحقة بدأ يتفهم تعاليمه والتحقق من عالمه الجديد، وبدأ يراجع أثر كل ذلك على الصفوة وعلى الخيال والحواس، مع دراسة أثر كل ما هو طبيعي عليهم. واعتمد لذلك كل فروع الفلسفة ومتأثراً بذلك وأورده في كتابه، مبادئ القانون وفي الطبيعة والسياسة وفي كتابين الأول، أولويات السياسة والثاني، الطبيعة والإنسان (أثرها).
هرب (هوبز) إلى باريس عام 1640 خوفاً من الصراع الأهلي أو الحرب الأهلية، والخوف أيضاً من كتابه الأول مبادئ القانون وتأييده للحكم القائم.
في فرنسا وخلال علاقته مع (المريسيين) في صالونهم طور كتاباته السياسية وظهر (De cive) عام 1647 في (أمستردام) ثم في لندن 1651 ثم عمل على كتابة (الأس) عام 1646 إلا أنه لم يظهر إلا في 1655 وهي دروس في علم المنطق الرمزي، أي تمثيل المسائل المنطقية بالرمز إلا أنه لم ينشر إلى ذلك الحين.
رغم مرضه استطاع أن يكتب كنابه (ليفياثان) الوحش، في باريس ما بين (51-1646) إلا أن الحقائق عنه لم تؤكد، لكن (جون أوبريز) أكد أن هذا الكتاب كتب، وحدث عن نشاطه رغم المرض. طبع الكتاب عام 1651، وبعد عام عاد إلى وطنه ليقيم، لم تكن العودة هي ما أراده، رغم الحنين إلى الوطن، وإن كان الظرف مخالف لما عاد. إلا أن كتاب (ليفياثان) كان قد أثار الأسرة الحاكمة في باريس بسبب الالتباس الناجم عن تناوله للقوانين السارية هناك. كما أثار رجال الدين وعادوه بسبب هذا الكتاب الذي هاجم فيه الكنيسة وتدخلها في السياسة، واعتراه إحساس بأنه مستهدف، وفي عودته إلى لندن أعلن فروض الولاء للدولة وواصل حياة طبيعية دون خوف، إلا أنه اشتط في تناوله المثير للجدل عن الحريات وعن ضرورات الحياة، تناول الرياضيات والعلوم المفارقة والفيزياء والعديد من كتب القانون، كما ترجم لـ (هيوم). ورغم عناده ورفضه الاستسلام للخطأ حتى عندما يبدو جلياً جنوحه ورغم الهجوم الساخن عليه من أدعياء التدين، حين حقروه، ورغم الالتباس والغموض والتجني على الفكر السياسي، في كتابه، إلا أن الأعيان والخيرين أحبوه، أحبه رجال الدين رغم التجني، أما الملك (شارلس الثاني) وبعد توليه الحكم أولاه الرعاية، أما عائلة (كافندش) فقد اتخذته صديق مدى الحياة.
وبعد واحد وتسعين عاماً، عانى فيها المرض وحبس البول، ودع (هوبز) العالم إلى الضفة الأخرى. هذا ولم تُخِلْ العداوات ولا الكتابات المعادية بسمعته، ولم تستطع طمس كتاباته ولا أفكاره.



العقد الفريد في ثلاث أجزاء

مع بدايات عام 1640 أو مع كتابة مبادئ القانون، والتي بدت كما لو أنها تهيؤات أو مفكرات، أو أنها صياغة متعجلة حملت في طياتها رصد مبكر لأفكاره العلمية والفلسفية وأسست لفلسفته الأولى، أي الفلسفة المادية حيث جعل ميدانها الطبيعة، وجعل مرتكزها الميكانيكا والحركة، كما اعتمد علم النفس مرتكزاً على الميكانيكا. وانتهى به المطاف إلى ما هو أخلاقي، وإلى علم السياسة وعلم الفلسفة. ثم مضى في دربه لينتهي إلى ويعود إلى الطبيعة البشرية، وكانت عملية رصد للإنسان بزيفه وجبروته، كما وردت في كتابه (ليفيثان) إلا أنها ظهرت بالأول في كتابه الجسم باللاتينية عام (1647) وبالإنجليزية عام (1651).
درس الفلسفة لأغراض شخصية وجمع كل إحداثياتها وقننها في ثلاث أجزاء:
(1) للترويح عن الجسد وما لحق به،
(2) الدولة المدنية وكلياتها، أي مما جميعه،
(3) الدولة المدنية وواجباتها الخاصة بها، أي دورها.
يحمل الجزء الأول الفلسفة في بداياتها وبعض عناصرها، في هذا الجزء نراعي أهمية الزمن، المكان، السبب، القوة أو المقدرة، العلاقات البينية، النسب، والكم، الشكل، والحركة،
الثاني: يخاطب الخيال العلمي، الذاكرة، النبوغ، التناسب، الشهوة، الاشتهاء، العزم، الخير، الشر، المصداقية، الضلال وما شاكل.
الثالث: هو الحسم، بعض ما به ورد في كتابه بدايات القانون، إلا أنها تتجسد في كتاباته حتى في (ليفياثان).
برهن في المقام الأول أن حالة الأمة والمجتمع المدني هي حالة الطبيعة. وما هي إلا احتراب، الكل ضد الكل، وحين يدرك الناس مرارة الاحتراب وقبح الواقع تراهم يطلبون الفكاك أو الخلاص، حتى الطبيعة تدعوهم إلى ذلك. ولكن الخلاص لا يستوي إلا بميثاق، يراعي الكل ويباعد بينهم وبين الصراع المدمر. كذا تتضح أهمية الميثاق ومتطلباته وكيف يمكن أن نتمم ذلك؟ من هو صاحب الحق في ذلك؟ وإلى من يولى الأمر؟ كيف نرى قواعد السلام؟ كل هذا ممكن أن تؤديه هذه الدكتاتوريات المتعقلة. الشيء الذي يمكن أن نطلق عليه اسم قوانين الطبيعة.
من ثم فإن أساس الفلسفة عند هوبز ينقسم إلى قسمين مختلفين أساسيين، يتقدمان كبحث بعد تفعليه، أحدهما فعل الطبيعة أي جسم الطبيعة والثاني مجموعة الدول ذات المصالح المشتركة، حين يتم التوافق، يتضح من هذا أننا أمام نوعين من الفلسفة، ما هو مدني وما هو طبيعي، لذا وجب التعرف على مخرجاته، على وجدان الشعوب، وعلى سلوك الجماعة.
مرة أخرى تنقسم الفلسفة المدنية إلى قسمين، الأولى هي إذعان الناس وقبولهم وتفهمهم. أخلاقياتهم، مبادئهم السامية. أما الثانية تختص واجبات الناس المدنية والاجتماعية، وهنا تسمى سياسة أو الفلسفة البسيطة، أي فلسفة الموقف الحضاري المبسط. عليه سوف يطال الكتاب البدايات، ويحدد الاختصاص في جسد ما هو طبيعي ثم حسم أو مقاربة مسلك الجماعة عموماً، ثم الواجبات المدنية ذات الاختصاص المنوط بالكل.
في هذا يكون مؤكداً حتى لو لم يكتب هوبز (ليفياثان) قد نعثر على الكثير من محتوياته في كتب سابقة، وبالتحديد في كتاب أسس أو مبادئ القانون وفي كتابه الحسم، أن ما ورد في (ليفياثان) وما تبعه من اهتمام خاص كان بسبب الحرب الأهلية، والحروب المدنية في بريطانيا، وبقصد تقديم عمل مميز، وجاء العمل متكاملاً في كتابته واستمراريته وانسجامه مع أفكاره الفلسفية والسياسية التي تحاور وتحاول تفادي الانفجار المدمر.
بنية وتركيب (ليفياثان):
إن أهم ما يشير إليه (ليفياثان) وأهم افتراضاته يمكن رصدها باختصار، أولاً: أنها تشير إلى أن الإنسان يهمه أن يحافظ على سلامته وأن يحصل على ما للآخرين أو يحوز عليه. عليه نفهم أن الإنسان لما فيه يجنح نحو التعاسة، والعزلة والاستحواز، يسمى (هوبز) هذا الحال حال الاحتراب، كما نجد أن الإنسان بمقدوره أن يتفهم ضرورات السلام وأن يباعد بينه وبين التصادم مع الآخرين ثم يتبين ضرورات التعايش السلمي وتفادي الاحتراب. إلا أنه من غير المفيد أن يلتزم أحدهم بالسلام حين تجد الآخر يمارس عدوانيته، هذا يلزمنا بأن نبتعد عن العدائيات ونتمسك بسيادة القانون. أي القوانين المدنية مع تطبيق القانون الطبيعي وكل ما يترتب عليه.
يواصل (ليفياثان) مشواره يعرض علينا مفهوم الدين والمشروعية، والدستور الشيء الذي يمنح الدولة حق تأمين المجتمع ومن ثم صناعة السلام وبعيداً عن الاحتراب.
نفس الفرضية نجدها في كتاب مبادئ القانون، وهو يحاول في كلا الكتابين أن يزاوج ما بين حراك (الميكانيكا) وحراك الجسد مع عقلنة أسباب الصراع في المجتمع، وفي نزوع بعض الأفراد للعنف وتحاشي البعض الآخر له ثم الكراهية والبغضاء. هكذا في حال النزاعات والتصادم ووسائل تحاشي ذلك وغرس بذار الطمأنينة في النفوس وكيف تتفاعل وتثمر السلام، أيضاً رصد حال الحرب وكيف يكون مصير البشرية إذا ما سلك الناس مسلك الطبيعة التي تسكنهم.
في هذين الكتابين نجد المسلك الطبيعي وهو المطلوب ممارسته إذا أردنا الابتعاد عن حال الحرب، هناك متسع كيف نحصل على السلام إن يتنازل كل عن بعض حرياته وطبعه المفارق ونلتزم بالقوة العامة التي تنتظم وتنظم المجتمع، ثم يخبرنا (ليفياثان) كيف بالنهاية يكون حجب القوة التي تدمر المجتمع وتفسد جسد السياسة واختص فاعلية الموروث ومقدرته على الهدم.
قبل مراجعة هذا الكتاب بالتفصيل علينا أن نحدد ونعلم أن هذا الكتاب يتناول عملياً العلاقة ما بين أسس الوجود المادي الشيء الذي يمكن تسميته، عالم واحد لا شيء غيره، كما ورد في أطروحته في الفلسفة.
إن العلاقة التي تجمّع العالم ذات خيال فراغي. هذا الشيء الذي بالإمكان ملئه. وهو على ما يبدو كأنه خارج عن حدود وعينا مع وجود ما يمكن أن يدعوه البعض حقيقي، لكن هذا لا يمكن أن نركن إليه ولا يصادف وعينا. إذ يصادف ويفارق ويتلاقى في الفراغ. ساعتها يمتلئ شيء يمكن أن نسميه الفراغ الحقيقي، هكذا تتدرج المعاني والمفاهيم وبالنهاية نسمع عن حركية الأجسام. على ما يبدو هناك علاقات شكلية تنشأ عنها وحدة الكون أو تماسكه، ونتج عنها حراكه الميكانيكي أو تفاعله أو تواصله الحركي. فالوجود ما هو إلا مكونات من أجسام وفراغ يمكن تعليلها بالحواس وهكذا يمكن فهم الوجود بالحاسة في محاولة لفهم أو عقلنة غير المفهوم من المفهوم.
إذا لم يكن هنا فراغ ما، فالأجسام لن تجد لها مكان لكي تكون أو توجد أو تحرك، بينما نحن نرى حركة دورانها. من غير الجسم والفراغ لا يوجد شيء يعقل أو يدرك أو به دلالة تعقل وجودنا.
ما عناه (هوبز) بالحركة وطبقاً لغاليليو هو عكس ما عناه أرسطو وهو أن الأجسام لا تتحرك ما لم يحركها شيء. (هوبز) يقترب من (أبيقور)، أي أن الأجسام في حالة حراك ما لم يوقفها شيء. عد إلى رصد (هوبز) للقوة الدافعة، أي القدرة على التواصل (يدفع) في كتابه (الأصول)، الوجود، العالم هو كل شيء أو كل التكتل للأشياء مجتمعة، كما هي، أي الجسم بأبعاده الثلاث، كما أن أي جزء من الجسم يحمل صفة الجسم، كما أن أي جزء من الوجود، هو جسم، وما لم يكن جسم لا يكون جزء من الوجود، ولما كان الوجود هو كل شيء فإن ما عداه هو العدم.
هذه النظرة أو تلك، لا تؤرق (الأبيقوريين)، عندهم الروح هي الجزء الأخلاقي المزمع أو المحتمل للجسد (أما عن الإله والذي هو بأي حال لا صلة له بنا ولا يهتم بنا) نحن نرى ما هو إلهي طاهر ونقي وشاهد علينا، أي على هذا الوجود الأدنى، الدنيوي أو الفراغ الأرضي المبتذل، وهم يقولون إن الأشياء تتحرك ذاتياً بسبب حركة داخلية أصيلة كامنة فيها أو في جزيئاتها (حركة الذرة لاحقاً).
إلا أن (هوبز) لم ينحى هذا المنحى ولم يسوق هذه القرائن، ولا كانت في حسابه، بما أنه مسيحي يلزم عليه تأكيد مسيحيته. إن لم يفعل يقع في عقوبة. إلا أننا ومع ذلك نجد في حواره في (ليفياثان) يقترب من هذا التوصيف والتأكيد على ذلك، أن الروح هي الحياة، أن الله هو المادة والجسد. الأرواح هي ذات خاصية مختلفة أو مغايرة. الحياة هي الروح الإله هو المادي – بالإمكان وصف ذلك بأنه قبل فلسفي، لئن كان (هوبز) و(أبيقور) ينظران إلى عالم واحد منظور، لا إلى الغيب.
إنه عالم واحد لا غيره لأنه ينفي وجود أي قوة أخرى تحرك هذا الوجود. كل هذا تفسره طريقة واحدة أو منظومة واحدة، إله واقعي لأنه ببساطة يبسط الإشكال الفلسفي، أي العلاقة بين ما هو داخلي وما هو خارجي، من تجارب، ولأنه يجنب ويلغي كل ما هو غير ذلك، على أنه غير طبيعي أو ليس من مقتضيات هذا العالم، (هوبز) لا يقر ولا يثمن ما هو أسمى من الطبيعة، ولا يتعاطاه إلا لأجل ترتيب أفكاره ونظمها ونجده يميز بين نظرية المعرفة في العلوم (وكيف يتكلم الإله) (ربما حسب ما ورد في المسيحية) أو أنه ذكر ذلك فقط إلى القليل من محبيه من البشر.
الحديث عن ما فوق الطبيعة محدود وغير عادي، أي معرفة زائدة عن حدود معارفنا نحن البشر ولكن ليس هناك نظام لما هو وراء طبيعي أو ما يميزه.
لماذا يركن (هوبز) إلى عالم حقيقي مدرك، ببساطة لأنه يمهد إلى رؤية علمية أكاديمية، يحفز ما هو ديني، لأنه يناسب العقل العادي وتجاربه ولأنه ينفي فلسفة أرسطو أو علميته، كما أنه قدم نفسه (في ليفياثان) وطرح كل أفكاره، الشيء الذي زاوج المفهوم الطبيعي مع الجسم السياسي والدين مع الاثنين.
أسلوب التعريف، متوفر بكثرة في رصد (هوبز) ولغته، إلا أنها أتت محددة في كتابه (ليفياثان 4) وفي مبادئ القانون. إنه يتعامل مع اللغة على أنها رباط جمعي، كل صوت أو اسم هو ناجم عن إنسان، بشكل اعتباطي أو استبدادي، معطوفاً عليه كعلامة تؤدي إلى فهم أو تصور مثمر (خيال – فكرة – أو فهم) لتحديد الشيء الذي تعنيه في كتابه (De corpore). يتضح تماماً أن أي علامة تؤدي إلى تصور مشترك. اللغة هي للكل وليست خاصة بأحد بعينه ولكن أحياناً علينا أن نحدد ما نتصوره، وما تعني كلمة مركب بالتحديد. أو أي رسالة تبعث إلينا (المعنى المركب هو كلمة تحمل أكثر من معنى، عليه يمكن اعتبارها من جنس ذلك التوصيف) أحياناً يلزم أن نضيف اسم مركب آخر لإبراز تصور لما تم عزله سابقاً. وكما قدم (هوبز) في (ليفياثان) وهي تعني المحاولة أو السعي إلى، وقد يكون مهماً وخاصةً في حالة تدريس أو ربط أو توصيل معلومة أن نفصل المكونان لإدراك المعنى المحدد، أي الذي نسعى إليه، وبحيث يصبح الاسم المركب أكثر تحديداً فيما عناه في ليفياثان 10) نجد كثيراً من الأسماء المركبة، وقد استعملها للتحليل والشروحات والتقديم لأسماء جديدة، أو مسميات جديدة، بعيداً عن أي احتياجات بعينها فإن الاحتياجات الأولية للشروحات واضحة ومتفقة مع العمل. لكي يتفق المعنى مع الكلمة يتوجب أن يكون التعريف مفضياً إلى نفس التصور عند الشارح وإلى نفس الفهم عنده. الشيء الذي يتم تأكيده في حال استعمال الكلمة في مكان آخر (ويكون هو نفس المعني) في (ليفياثان)، نجد أن (هوبز) أحياناً وليس دوماً يستعمل حروفاً كبيرة لتحديد المعنى، مثلاً (SENSE) أو غيرها.
هنا يبدو (هوبز) كأنه يعنى بالتحديد (ليس غير) معنى عاماً في شروحاته حين تحدث بإيجاز عن حواره وأطروحاته، بمعنى أنه يسوق النهايات (المعاني) من تعريفاته، بحيث تصبح معرفة عالمياً، بمعنى أن تكون الكلمة محددة الفهم ومتعارف عليها عند الجميع، إن كان محلياً أو عالمياً. وأحياناً يستعمل كلمات جديدة مثل (Endeavour) أي يسعى إلى أو مسعى. أو حتى كلمات مثيرة للجدل، لكنها تستدعي المعنى المطلوب ببساطة إلى العقل؛ مثل حين يصف الحياة بأنها الحراك (Motion) بحيث يمكن استعمال الاسم المعنى المفيد الذي يستدعي الاسم متعدد المعاني إلى العقل (أي المعنى المطلوب فهمه).
للمزيد عن جدلية أو حوار (هوبز) المعرف (عن طريق التفسير) فإنه يعطي ظاهرياً. وتحديداً تأكيداً قوياً وهاماً ويستنفر بقوة معاني نهاياته (الخاتمة) وهي حقيقة ذات قوة وتأثير على المعنى حين يستعمله، مثال: نقدي مثير حين تراه يستعمل، جيد أو إرادي، أي أن اختلاف أي منا يحدده فعله الإرادي. هكذا يستعمل (هوبز) شروحاته للتوضيح وعلى شاكلة عمل شبه هندسي ومثير للغضب إلى أن يأتي إلينا بمصطلح آخر، وهو في هذا يوازن تصورنا لمصطلحاته بحيث يكون المعنى قوياً وذا دلالة وله علاقة مع ما ورد في كتابه (ليفياثان) وبحيث يمكن تطبيقه وإطلاقه كاسم على الجسم الطبيعي (أي ذو المزايا الطبيعية)، وعلى الجسد السياسي، الجسد الروحي (لا يوجد جسد روحي) بل هو سراب روحي، قد يكون المعني بالجسد الروحي هنا جسم الكنيسة، ممثلاً في أحبارها ورجال دينها، ولهذا استعمل التجسيد لغرض حفر المعاني في الذاكرة أو إن أردت تطبيعها، فهو دوماً يبحث عن التطبيع.
يحاورنا الكتاب دوماً بشكل مثير للغضب مع التأكيد على التاريخ والسياسة والعلوم والقانون واللغة وبطريقة تأخذ منحىً دينياً وتوراتياً معلوماتياً، هذا الكتاب في سياقه العام وفي بعض أجزائه أبسط من المقدمة، مع ذلك نجد إن بعض هذا الجدل، نجده مذيلاً في آخر الصفحات بحيث يحتضنها المعنى المطلوب، وأقول بانتظام ودقة دلالاتها، تتعلق بالإله وبلغة الدين، وتنتهي بوجدان روحي، ودفع روحي، كما أنها تمس بقوة جسد السياسة وهي إلى حدٍ ما مستبدة ومتحكمة.
أما، إن، كان، (هوبز) يؤمن بالإله أو لا يؤمن، وإن كان يؤمن إلى أي مدى، لكن مشكلته بأي فهم وبأي تأهيل هو مؤمن، هذا غير مؤكد، لا في كتاباته الخاصة، ولا العامة، وظلت مشكلته قائمة، فإن لم يؤمن (أو أنه كان فقط يؤمن بالأرثودكسي) فالآخرين لا يؤمنون، وهكذا. كما إن قوانين زمانه والرؤى ضد الهرطقة والإلحاد أجبرته، أمام الناس أن يعلن إيمانه، وأنه (أرثودكسي)، إلا أن ملاحظاته فيما أسماه بالقدم وبعالم واحد موجود، جعلت من ادعائه الإيمان مجرد كلام عن (الأرثودكسي) وغير ذا معنى وحسب ما ثمن هو المعاني (ضئيل المعنى).
وحسب ما أورد (هوبز) نجد أنه يلزم أن يكون هناك محرك واحد لهذا الوجود وهو البدء والنهاية، وهذا ما ندعوه الإله، وبحكم الضرورة، إذ لا يوجد سبب مسبق إلا أنه أبدي، سرمدي، خالد، وهو ما يطلق عليه الجميع اسم إله، وهو نفس الأفكار التي نجدها في كتابه (مبادئ القانون) ولكن بشكل يوازي سلبيته في الإله المعبود وحين لا نجد له توصيف واضح.
ولما كان الإله عنده غير واضح المعنى، في هذا يصعب إنتاج فهم محدد للألوهية، عليه إن كل ما ورد أو نسب إلى (هوبز) يعبر عن عجز في التعرف أو التوصيف، اللازم لفهم طبيعة الألوهية، أو الإله أو يقود إلى خيط يصل هذا المفهوم، عدى هذا التصور وأنه يوجد إله.
هذا السلب في فهمه للألوهية غير متوازن في كتابه (ليفياثان). إلا أن المختصر أوضح أن كل ما تخيله له نهاية، عليه لا شيء يمكن أن نسميه، لانهائي، كذا فإن كلمة إله لا تعبر بما يفي، ولكن نستطيع أن نعبده، أي هذا الإله السلبي، وهو هذا البحر المتسع في فكرنا، إلا أنه يتباعد بشكل غير مفهوم أو معبر مما يجعل كل ما نقوله عن الآلهة مبهم كما ورد في (مبادئ القانون).
كل ما ورد هنا مرتبط بفهمنا الفطري لمعاني الإله وليس إلى فهم علمي، ونحن في هذا ننتسب إلى إله معظم جبار، يسمع، يرى، يتكلم، يحب، إلخ وبهذه الأسماء نفهم شيئاً فينا. ننتسب إليه إلا أن هذا لا يكفي لتعريف معنى الإله. هذا الفهم المحدد جداً والتوصيف والتشخيص في اللغة الذي يمكن أن نورده عن الإله، هو مجرد إشكال ابتدعه (هوبز) للمسيحية (الأرثودكسية) في بعض أعماله التي لم تنشر في حياته، بدا أكثر وضوحاً. إذ قال إن مسألة الإيمان بالله، يمكن أن تؤخذ بحكم الضرورة، أو حتى يمكن البرهان عليها إلى حد ما، وفي هذه الكتابات التي لم يصدرها (جرب) الحقيقة وبطريقة منطقية وضيقة، وبناءً على ما هو رسمي وما هو مطروح للحوار وبه دلالة شكلية، بمعنى آخر أنه لا يمكن الاستدلال على الإله، هكذا في ملاحظاته إن من يريد أن يدلل على وجود شيء تلزمه التجربة اللازمة للفهم، وفي هذا المساق يكون من يريد أن يعقلن مسألة وجود الإله بعيداً عن فهم ما هو فلسفي.
يدفع (هوبز) بشروحاته أو برهانه غير المقنع، إلى حدود الإيمان، إلا أن ما أورده ليس أكثر مما جاءت به المسيحية ومن زمن طويل، وإن البرهنة عليه لا تعني الإيمان أو تعود إليه بل مجرد معلومة طبيعية، أي علمية. وكلما زادت وتيرة الفلسفة تراجع وضعف مفهوم الإيمان. عبره مؤكد أن احتكام (هوبز) أو حججه أحدثت صدمة نفسية حين أوضح رؤيته للحوار وبإمعان (وحين قال أن الإله موجود، لكنه لم يزد على ذلك) ولم يجب على هذا التساؤل المعتاد عند (الأرثودكسي) هو كيف وبأي طريقة هو موجود (الإله)!!
السؤال هل الإله موجود من غير مكون مادي، والذي في تجمعه يصنع الجسم المادي الموجود في عالمنا، الله عنده وجود عام وعالمي غير مجسد وما هو بروح، وفي جملة فلسفية يقول (هوبز): الله شيء غير مادي ولا نميزه في عالمنا أو نشبهه. هذا ولما كان (هوبز) يرى أن الله لا يتشابه مع عالمنا الموجود، إلا أنه يقول ويردد، أن الجسم غير المادي لا وجود له. هذا أشبه بأسلوب التخاطب كأن تقول: العبارة، والتعبير، أي حين تشرح شيء وتقول عنه غير مجسد أو أنه توصيف مثل قولك هذا الشيء دائري مربع، تماماً حين نفكر في الروح الموجود في أجسادنا، فنحن لا ندركها ولا نعرف لها معنى.
إن التفسير الذي يقول إن الأرواح مجرد شيء معنوي غير مادي لا يمكن فهمه عند أي إنسان وبحكم طبيعة الخلق (روح وجسد) رغم أن الإنسان بإمكانه أن يحاكم المتناقض والمعرف المشهود ويسميه روح، هذا مجرد تعبير لكنه لا يملك خيالاً لفهم ذلك، أو الإجابة عليه.
إن حوار (هوبز) الشديد القوة، لا يشابه المعنى الحقيقي والوثيق الصلة والمتفق مع ما هو كتابي (أي له علاقة مع الكتاب المقدس) أي أن الله وروح الإنسان لها وجود مادي، أي كما نقول أن الشخوص التي توافق الحواس لكنها تقع في محيط أو معنى عالم واحد متخيل، هي موجودة.
وحين انتقده البيشوب (برام هول) في ما ورد في كتابه، رد عليه بحديث غير متسق السياق والذي لم ينشر إلا في عام 1682، جاء فيه أن الإله المادي، عنده هو الأكثر نقاءً وتبسيطاً، هو روح غير مرئي ومادي. ثم قال: بموجود أعني به الأبعاد أي الروح الرهيفة، السائلة الشفافة، غير المرئية. وفي سياق أخر ذكر (هوبز) أن رفضه لوجود الله أي وجود له معنى أو مغزى، هذا لا ينقص معنى ما ورد في الإنجيل.
نستطيع أن نقول أن (هوبز) يذعن لما ورد في الآية، إلا أنه لا يذعن في حضرة معلم، في هذا نحد أن (هوبز) يركن في حواره إلى الحد الأدنى حين يحاور في معنى وجود الإله ويؤكده قبولاً لوجود إله وحسب فهمه (هوبز) يرفض الفهم العام الذي يدعي أن الله يمكن تشخصيه. كما يقول إن الله موجود ضمن مفهوم عالم واحد ويؤكد على ذلك. إن ما يظهر في (أعمال أبيقور) أو ما ورد في القصص والروايات يناسب أو ينسجم مع القيم الروحية، وفي بعض مقاطع الكتاب المقدس نجد تماثلاً أدنى مع روح الإنسان، فالروح في الكتاب المقدس تعني إما الحياة أو الكائن الحي، أي الجسد والروح معاً، أي الجسد الحي. ولكن في توصيف (هوبز) فهي تعني الجسد أو العضو المتحرك، والحياة ما هي إلا الحراك، هكذا إن أردنا أن نعرّف الحياة، فهي جسد في (روح) وليست الجسد لوحده، وهو لا يتحرك. إلا أنه حين كتب عن البعث والخلود كان أكثر صرامةً فيما يختص الروح، أي أكثر مما نقوله عن الإله، حيث إن روح الإنسان في خلقها أبدية، وأن الكائن الحي يوجده الجسد، وإن أي إنسان بحت لا يموت وخالد، خلاف البعث في اليوم الآخر...
وفي رصده للبعث يؤكد بشدة ما أورده القديس (بول) وما أوردته الكاردينالية، حول بعث الجسد، لكنه لا يرقى به إلى ما هو سماوي أو علوي. ويرى أنها حياة جديدة على الأرض، مادامت هناك أرض أو بقيت أرض، وهنا المقارنة بين ما أورده (هوبز) وما ورد في الإنجيل عن عالم واحد مشهود، وهو متأتي عن ثورة العلم. ويبقى هذا الفهم مساحة فاصلة ما بين الفلسفة والعلوم من جهة، والفلسفة والدين من جهة أخرى، إلا أن هذا الفصل بينهما يبقى مشكوك فيه. حيث يتراجع أمام التعبير الموجز أعلاه. وحين تكون طبيعة الشيء غير مفهومة يتضح المعنى في كتابه (de corpore) حيث قال: إن الفلسفة تلغي الديني، ويقول: أعني بذلك تعاليم الإله أو الاعتقاد في الإله الأبدي، غير الكلي، وغير المفهوم والمحدد المعنى، الذي لا يوجد به شيء تجمعه أو تعرفه (الواحد الأحد) ولا يمكن استنتاج أي تصور له. لكنا نجد أن ما تم تحديده للإله من معنى له، كالربوبية يباعد بينه وبين الفلسفة والعلوم هذا بالضبط هو ما عناه في حديثه غير المترابط وغير الواضح في كتابه (ليفياثانق) الوحش.
يجوز أن يكون (هوبز) جاداً في فكره الإصلاحي وفي آرائه حول كيفية وجود (الإله) وفهم الروح، إلا أن الكثيرين يرون أنه ما كان جاداً، وحتى لو كان جاداً فقد أخطأ خطأً كبيراً، وحتى الآن نرى أن رصده للروح المجسد والتي هي الإله عنده قد يبدو مقبولاً أكثر إذا ما تحدثنا مثلاً عن موجات الراديو أو عن الجاذبية.
من جانب آخر نجد أن تأويل (هوبز) للإنجيل، يبدو كأنه حديثاً محدثاً، مثيراً للشك، لأنه جاء ليقول ما يمكن أن يقوله الكثيرين الآن. أي أنه قرأ الإنجيل بطريقة تزاوجه مع فكرة عالم واحد حقيقي. في كتابه (ليفياثان) يوظف (هوبز) وبطريقة مفهومة، التمايز ما بين ما هو هام وحيوي، الحركة عند الحيوان وما بين اللاإرادي. فالحراك الحيوي والضروري هو الحراك اللاإرادي للجسد كتعبير عن أننا نشاهد كائن حي، كضربات القلب، التنفس، حركات الصدر وغيرها.
حراك الإنسان إرادي حين يتكلم، يأكل، يحرك أعضاءه، هنا يحدث (هوبز) ويقول إن الإحساس أو الشعور عند الإنسان، أي تردده، ما هو إلا رد فعل حين نشاهده أو نسمعه، هذا الحراك يتأتى كمنتج يتخلل العصب، يعبر إلى الدماغ، لكنه حراك ضئيل وسريع ولا يمكن أن نراه.
وفي عقل الإنسان وكما يقول (هوبز) في (ليفياثان)، يقول: إن العقل يتدارس هذا الحراك ولا يتوقف، إلا أنه يرسل رسالة إلى القلب، والتي مفادها أن تساعد أو توقف هذا الحراك، فإن كان ضرورياً يغمرنا بالسعادة نحفزه، وإن كان سبباً للألم رفضه، فالإحساس بالسعادة يتنامى بينما يتراجع الإحساس بالألم.
مهما يكن الموضوع وتكون الرغبة عند الإنسان، كأن تكون شهوة أو غيرها، فإن ما نراه جيداً، أو نكرهه، كل هذه المعاني هامة وهي أكيدة الحدوث وهي ليست مجرد حالة كره أو محبة بحيث يمكن تشخصيها هكذا، بل هي متأتية عن شخصية لإنسان أي قراءته، أو حين يكون هناك (كمون ولث) ويأتي الرد من الإنسان الذي يمثله.
يبدو أن الحديث عن (الكومنولث) هو هاجس (هوبز) الحي!
هكذا يتوفر الترابط بين الفلسفة الأولى، أي الجسد، والحراك، ومسلك الإنسان وطبعه، وترانا محزمين، مدعويين أن نتصرف وفقاً لمحرك عضوي به حراك محدد، هكذا نستعمل شخصيتنا أو تشخيصنا على شاكلة ما بما نعرفه أنه المبتدأ أو أنه البدء وهذا يحدث عن ما هو صالح وسليم وما هو وحشي وقبيح والذي تحركه تلك الأحزمة المربوطة فينا وقد تشدنا إليه أو تباعد بيننا وبينه.
وحين نعود إلى تعريف (هوبز) لمعنى الشعوري ومعان الرغبة في الشيء أو الارتكان للشيء نجد أن كل الأفعال الإرادية والتي تتحرك بلا خوف أو خشية. تتحرك في اتجاه ما تريد، أي كيف أن إنسان على حدة يستدعي فهمه الخاص به وكيف يتفهم ما هو صالح أو حق، هكذا يرسم (هوبز) (وهو دوماً يرسم) وينتهي إلى ما هو شعوري داخلي محرك للإنسان. إلا إن ما يعبر عن نفسه جيداً.. نجده في كتابه مبادئ القانون، أي أن كل إنسان بالنهاية هو مفيد لنفسه أو متفهم لنفسه، متأكد منها. هكذا نجد الإنسان على الدوام ينزع إلى ما هو خير له، ويباعد بينه وبين الشر، لكن أكبر ما في الطبيعة من شر هو الموت، وهذا له فعل وقوة دفع طبيعية لا تقل عن قوة دفع حجر يسقط من عَلٍ (قانون الجاذبية) هنا نلاحظ التأكيد الزائد أو الافتراض الزائد أو العودة إلى ما هو نفسي (الأنانية) وهذا ما ندعوه الآن بالطبيعي، هكذا نحن مرهونين لقوة جذب الطبيعة. إن غرابة التعامل مع الصكوك الطبيعية، الحقيقية كما هي معرفة ومؤكدة، تضعف دوماً قوة ما هو حقيقي (أسلوب هوبز).
معلوم أن معظم البشر وبشكل عام، يتفهمون المعاني، إذا لاحظوا براهين تدلل على ذلك، أكثر من تأكيدها على أنها ضرورة منتجة عن ما ورد ذكره سابقاً. وعلى ما يقول (هوبز) أنا أفعل هذا الشيء لأنه مفيد لي ويناسب رغبتي حتى لو تعارض مع رغبات الآخرين، أحياناً مساعدة المحتاج ولو على حسابك. نستنتج من ذلك أن رغبات الفرد تشمل رغبات الآخرين (حيث يستنفر الإنسان الخير في داخله)، يبدو أن (هوبز) يقبل هذا الاحتمال أعلاه وكما كتب عن الرغبة والخير، والسمعة الحسنة والصدقة، وهي كلها دلالات خيرة، إلا أنه من الواضح أن معظم ولعه ونهمه إن حللناه نجده، المحب للتسلط، الباحث لنفسه، المستعرض لنفسه، يحب القوة والنجاح، والامتلاك وكل إشباع أناني وهو بالنهاية لا يشبع نهمه. الإنسان العادي لا يكتفي فقط بالبحث عن مصالحه، ذلك أن نشاطه لا يني ولا يتكئ يستريح (الحياة هي الحراك ولن يكون ذلك دون رغبة أو تطلع، بالمقابل وحسب ما ورد في مبادئ القانون، نجد السعادة، أو الاستقامة تعني الراحة المستدامة، وهي لا تأتي مما هو عظيم بل تأتي مما نعظم نحن حتى لو كان شيئاً سيئاً، هل يعني ذلك بنهاية المطاف تحقيق رغباتنا الشخصية عن طريق المنافسة، يوضح ذلك وبشكل أكبر (مبادئ القانون) إن قدرات الإنسان تهدد وتقاوم وتمنع الآخر من تحقيق رغباته أو ما يريد، أي أن قوة أحدنا هي ما نسلب من قوة الآخرين، هذا من ذاك.
لا نجد في الأدب تحليلاً بهذا الشكل أكثر مما ورد في قصيدة النثر التي ختم بها كتابه (مبادئ القانون). هي لوحة تحدث عن طبيعة الإنسان كما لو أنها حقيقة ماثلة أو أنها ما كانت موجودة. ستكون الحياة سباق بلا مقاصد له ولا شيء فيه يزينه، يضفي عليه شيئاً من الدعة والراحة والقبول. لكنه يبدو بارزاً متألقاً إلى.... هكذا يتوالد عنه سباق محموم والذي استمر إلى أبعد حد.... دون أي متعة أو لباقة أو احترام. لهذا الغرض ومنه يتوالد هذا السياق المحموم والذي يندفع إلى أبعد حد ... دون أي متعة أو لباقة أو احترام... هكذا إلى حد الموت، وهذا هو المقام الذي نهرول إليه جميعاً (هذه لوحة عدمية غير واضحة ولا بد من تحديد مفهومها، لأجل أن تفهم ما ترمي إليه، لا لشيء آخر).
يجوز أن نقرأ تحليل (هوبز) على أنه قراءة مستبصرة استشرفت ثقافة سباق الفئران كما ورد في (ماكميرسون) أي النزعة الفردية البرجوازية الداعية إلى التملك.
إن (هوبز) وبكل الوضوح يقدم الحقيقة هكذا في قالبها الشعري الدرامي كل هذا الصراع يحدث حين لا يكون هناك جسم سياسي يشمل كل متطلبات التنافس المشروع، صراع السباق أو التنافس، هذا يحدث كثيراً، وبقوة ولا ينتهي، ذلك أن المجتمع السياسي يحتاج أو يتطور من تلقاء نفسه وينمو وينبثق من الإنسان الخير الموجود فينا تماماً كما وجد الإنسان الشرير، هنا تتماسك لحمة المجتمع.
إن تحليل معنى الطبيعة، أي السلوك غير المنضبط يشكل المشجب الذي تخرج من جلبابه كل نظرية (هوبز) السياسية. إذ يقول: إنها حقيقة طبيعية أن نتصرف حسب ما تملي علينا به رغبتنا. هذا الحراك اللاإرادي ولأنه فينا نراه خير، إن ما هو خير فينا هو ما نحبه لأنفسنا، أي حبنا لذواتنا وأحياناً حبنا للآخرين، أن نحب الخير للآخرين هذا إيثار وهو نادراً ما يحدث وإن حدث يكون في نطاق ضيق (محيط العائلة – تجمع محلي محدود) في هذا نجد أنه ما لم تتحرك قوة فاعلة أكبر من قدراتنا وتضبط إيقاعنا، أكيد يكون هناك انفجار بسبب الاختلاف، أي حبنا لأنفسنا والرغبة في تحقيق ما نريده على حساب آخرين وتصبح المعايير هي حالة الحرب.
لو قبلنا طبيعة الإنسان حسب تعريف (هوبز) ولو منحنا الإنسان قدراً من الحريات وفي مجتمع منعدم الترابط الأسري، ومنح كل إنسان حقه الطبيعي أن يفعل ما يريد، أن يحمي حياته وشخصه، سيكون الناتج مدمراً لحياة الجميع.
إن ما أورد (ليفياثان) عبارة عن معلومة عن كل بلد يتحدث الإنجليزية، كما هو في كتابه (De cive) وبحيوية وجلاء، حيث يكون المجتمع محدود، متوحش يعيش حياة قصيرة، فقيرة، متسخ، كريه، حيث لا متعة، ولا حياة جميلة، حيث لا سلام اجتماعي، هذه الكارثة أو النكبة أو اللعنة التي تطارد الجميع وهي أكبر مأساة يمكن أن تطال الإنسان (ليفياثان). السؤال المتجدد الذي يطرحه (هوبز)، إذا كانت حالة الاحتراب هي حقيقة تاريخية، أو كانت لا، هل هي واقعية بالطريقة التي نراها في (ديزني لاند) أو حتى مع (يوتوبيا موريس) الاشتراكية (بعيداً جداً عن الواقع).
إن إجابة هوبز التاريخية تبدو قوية وناجعة، نحن نمتلك خبرة شعوب متوحشة، وهي عائشة الآن، وتاريخ أجدادنا سكان ألمانيا شاهد على ذلك. ويرد على ذلك أن أي مجموعة سياسية متى ما دخلت في حرب أهلية، تتملك حالة الحرب الجميع (سكان بيروت – البسنة – الصومال – السودان) كلها حالات متشابهة. إن الحقيقة التاريخية عن حالة الحرب عند (هوبز) هي بعض ما عرفناه عن مجتمعات التخلف أو بعض ما ورثناه وناجمة أيضاً عن المقارنة بين مجتمعات التخلف وبين أجدادنا القدماء ووحشيتهم، أضف رصيدنا من الحروب الأهلية. أيضاً ربما هو هام جداً أن نفهم أنها منتج لسلوكنا أو طبعنا البشري، ذلك أن نقول إن الإنسان بطبعه نفعي، متنافس مع الغير، مخيف، أناني، هذا بعض ما أورده (هوبز).
إنها حالة الحرب كما وردت في سفر الرؤية أو الأساطير، ماذا يحدث لو أن الإنسان تصرف حسب طباعه، وبشكل يناسب قواه الجسمانية ربما هذا سهل الفهم أو متخيل أو في حال تخريب، أو ممارسة هادئة قد لا يحدث هذا دوماً: لماذا؟ لأن روح الاحتراب هي منتج طبيعي لحالة الخوف من الموت وما هو أقل منه توحشاً. إن أجمل ما يستنتج من هذه الحياة، يدعونا إلى السلام وبها يجنح الناس للتوافق إن كان خلاف ذلك، نبقى أمام قوانين الطبيعية (الوحشية والتخلف).
قوانين الطبيعة:
إن موضوع السلام أو الحديث عن قوانين الطبيعة كما يطلق عليها (هوبز) أي توصيف ما هو صحيح ومقبول، لما يسميه في (ليفياثان) بالمبدأ أو التعاليم أو ما تم التوافق عليه بعد التجربة بحيث يمتنع عن فعل ما، أو أن الفعل ضار بنا ومؤذي وينبغي حذفه أو حذف ما يرى أنه يتوجب التحفظ عليه.
شيئان يميزان قوانين (هوبز) عن الطبيعة فيما تقدم مثل مصطلح قانون الطبيعة، هذا التعريف الذي أورده (هوبز) خاص بالإنسان وحده. الامتناع والقبول كدلالة معرفية عامة ليست أكثر من ما نريده بطبعنا، إن ما يلزمنا وينتج عن هذا المبدأ هو المكون الذي نجم عن هذا التعريف، أي أن هذا المكون ليس أكثر مما نحاوله نحن جميعاً بعيداً عن القانون وبإحساس المحافظة على حياتنا. الإشكال هو إذا لم يمتثل الآخرون لهذا المبدأ أو تلك القاعدة، قد لا يكون ذلك هو الشيء المناسب لي للمحافظة على نفسي وحياتي وسعادتي. بمعنى آخر لو أن أحدهم جنح إلى ممارسة العنف والأذى ينبغي عليّ أن أتجه أنا نحو العنف، يبقى السؤال وفي إنفاذ قانون الطبيعية هل يستطيع أحدهم أن يلتزم بالقانون ويطبقه، ما لم يكن هناك اتفاق هدنة يمهد إلى ذلك أو يدعو إليه، بحيث يتخلى الناس عن سلوك الطبيعة (أي حقهم في أن يفعلوا ما يشاءوا بحرية تامة).
نجد إجابة على السؤال الهام والذي عبرنا وتركناه خلفنا، إذ يميز (هوبز) ما بين الالتزام بالفهم الداخلي والفهم الخارجي، إنه يضع الأمر هكذا. إن آلية دفع قوانين الطبيعة لا تأتي من خارجنا حتى نجد ضمانة للتعامل معه لكنه دائماً ذو حراك داخلي، حيث إن فعل الطاعة غير مؤكد ذلك أن الرغبة والاستعداد لاحترام القوانين هم الضمان الممكن في حال لا توجد قوة ضامنة. الاختلاف هنا يأتي من أن قوانين الطبيعة تأتي بدافع داخلي، أي تركن إلى الرغبة التي يجب أن تحدث أو تكون، أما في حال الدافع الخارجي يكون الفعل (أي تجمع أشياء وفي حالة انفعال) ولكن لا يحدث هذا دائماً.
يقول (هوبز) في زمن الحرب يكون قانون الطبيعة ملزماً أو متحكماً لأنه هو القانون الذي يمكن أن نميزه ببساطة، بحيث يسهل الفهم واستنباط حالة السلم واستنهاضها ودعمها بالقبول التام لها. ذلك أننا في داخلنا نريد أن نتقبل السلام، ولكن يحتجب ذلك عنا في العلن.
الشيء الثاني الذي يميز قوانين الطبيعة عند (هوبز) عن قوانين الطبيعة المتعارف عليها، هي أن (هوبز) يبدأ أولاً مستقلاً عن أي مشيئة إلهية. إنها المعرفة الحقة، كما إنه يقول، إن كان صحيحاً أم لا أن قوانين الطبيعة قد عجمت في ظل جبل سيناء، أو أي مكان آخر، مع ذلك نجد (هوبز) يؤكد وكثيراً ما يحب أن يوضح إن قوانين الطبيعة هي قوانين الله، وهو بهذا يعطيهم قوة دفع أكبر مما لو كانت مجرد أوامر صادرة عن سلطة مدنية، وجعل منها قوانين حقيقية مادام الله هو من يدبر كل شيء، أضف إلى ذلك أنها سماوية أبدية، إذ لو أن طبيعة الإنسان كانت غير ما هي عليه يكون السلام ضرورة لتحاشي الاحتراب، وعلى الدوام، هكذا ترتفع راية السلام تنبذ الحرب.
ثم يذهب (هوبز) إلى القول إن القوانين هي قوانين أخلاقية من صناعة البشر، جاء ذلك في كتابه (مبادئ القانون) وهو يعني سلوك الجماعة (علاقاتهم معاً) وحوارهما الواحد مع الآخر وذلك في (ليفياثان) وفي (De cive). إن القانون الأساس للطبيعة كما يراه (هوبز)، (ابحث عن السلام واتبع ذلك أنى وجدته) وحين لا تجده وبحق الطبيعة يتوجب أن تدافع عن نفسك بكل ما أوتيت من قوة.
القانون الثاني والذي يرى (هوبز) أنه مأخوذ عن الأول:
إلا أنه لوحده يقف منفصلاً عن السبعة عشر قانوناً التي وردت في (ليفياثان) وباختلاف بسيط عنه في (De cive).
قد يريد الإنسان شيء بينما يريده الآخرون، فهو مدعو لأجل السلام الاجتماعي أن يدع رغبته ويمتثل لرغبات الآخرين، وأن يفعل ذلك برضاء تام، متخلياً عن رغباته، ويسميه (هوبز) بأنه قانون الكتاب المقدس، أي كل ما تتمناه لنفسك من خير تمناه للآخرين بمعنى آخر لا تفعل مع الآخرين ما لا تريده لنفسك. يقول (هوبز) عنه: قانون لكل البشر، ثم يقول: هذا هو القانون المبدئي الأساسي، كما أنه وبعد أن يمتثل إليه كل الناس لن يكون هناك ما يستدعي قانون آخر!؟
هكذا نجد أن قوانين الطبيعية تبتدعها موضوعتين أساسيتين للسلام وهي لا تحتاج إرادة خارجية (إله) رغم أنها تحمل في داخلها هذه الإرادة. هذه هي أقل الشروط اللازمة والتي علينا ملاحظتها، إن أردنا أن نتفادى ما نخشاه، حالة الحرب، الرعب، الخوف من الموت، الخوف من الإصابة.
بالإمكان معرفة دلالاتها بالمحاكمة، وهي تتمسك بمؤشر داخلي، لأننا نريد أن نطلع عليها. كما تكون ذات دلالة خارجية مادامت هناك قوة نافذة متنفذة تستطيع ضبط إيقاعها. هذه القوة هي القوة الدستورية، والتي نسميها في جسد السياسة بالقوة الفاعلة-الضامنة، التشريعية-التنفيذية، هنا يتبدل الحال ونتخلى عن رغبتنا في أن نفعل ما نريده. إلا أن قوانين الطبيعة ما لم تكن هناك أداة ردع، ومراقبة تنفيذية لا يمكن ضبطها لأن الضوابط تخالف أهواءنا كأفراد. حيث نجد أن أي رجل يبحث عن ما يريده هو. في هذا عليه القبول فالتراضي وحده لا يكفي لإرساء العدل، هنا يضع (هوبز) الأمر بوضوح في كتابه (De cive).
يلزم شيء آخر، وهو أن هؤلاء من تقبلوا الإرادة العامة، لأجل السلام والمقدرة الفاعلة، قد يمتنعوا خشية أن يعارضوا لاحقاً، أي حينما تتضرر مصالحهم بسبب إرادة عامة.
هنا تبرز قيمة، ما بين تعارض كلمتين الأولى أن تخالف والثانية أن تمتثل، وهنا يحضرنا (هوبز) برأي فاصل حين يقول: إن الشيء البديل هو تأسيس إرادة عامة. أن يمثلها رجل أو جماعة، أن تكون لها السيادة وأن تكون المرجعية بموجب عقد اجتماعي وهو حق طبيعي، وشيء من صلاحيات مارسناها بحرية وارتضيناها ميثاقاً لنا. بالطبع هناك شيء من تنازل أي الوسطية بحيث يتراضى الكل على شيء مشترك.
الجسد السياسي، المجتمع المدني، الاتحاد البريطاني (الكومنولث):
متى ما ساد القانون (سيادة الدولة) (عودة إلى الفهم النظري أي وقفة هنا) هنا يتجسد (ليفياثان) حال كونه دولة ذات سيادة، ومتى ما تم ذلك يكون كل ما قال (هوبز) نظرياً مطبق الآن على أرض الواقع، فالسلطة الآن في يد شخص طبيعي أو مدني (دستوري). أي دولة ذات سيادة واحدة، غير منقسمة على ذاتها، وهي مجموع سلطات متناغمة لعدة رجال، تمثل القصدية العامة وسيادة المجتمع. عليه تكون الإشكالية قد حلت وأن قانون الخير والشر هم الآن قرار السلطات العليا، هذه هي القوانين المدنية، قانون طبيعي وليس مزاج فردي، لكنه المزج الطيب الذي يجمع الناس حول السلام. ذلك إن القوانين حين تصبح نافذة وتصبح جزءاً من منظومة شعوب ذات مصالح مشتركة، ساعتها تصبح هذه القوانين فاعلة ولن يكون هناك قانون معيب لأن العيب يعني تناقض القوانين، وقد يكون القانون معيب إذا لم يكن به نفع لعامة الناس أو أن يكون ملتبساً أو غير واضح، إن السلطة تلزمها قوانين الطبيعة (كما هي) وليس فقط التشريع المدني. ويبقى على السلطة الحاكمة التنقية والتمحيص ومن ثم أداء واجباتها كما ينبغي.
من أسباب بروز اسم (ليفياثان) ومبادئ القانون هو توصيفهما لحال الحرب وما قدما من توصيف للطبيعة، ثم كيف ودون توقف نستطيع العيش بسلام وبحرية ووفاق نابع من طبعنا، مؤيدين بقوة عامة (مشتركة) قاهرة أو فاعلة. إن المخاوف عموماً تبدو وكأنها تدمر نوازع السلام فينا حتى وقبل أن نبدأ. إن ردود فعل (هوبز) قد تكون مفهومة فقط في حال حرب وهي لا ينبغي أن تكون رؤية خالصة لأنها تعود إلى أزمنة خلت، وعبر معبرة تاريخياً، وعندما كانت الأسرة هي الوحدة السياسية أو القبيلة أو حتى تجمعات بشرية صغيرة حين ترسم نفسها في كيان سياسي وتبدأ مسيرة تعايش سلمي وحيث ينتج عنه نموذج للسلام والتعايش المشترك.
ما يهم (هوبز) هو أن هذا الإنسان البسيط المنغمس في تلقائيته وبذكائه الفطري، لا بد أنه مهموم نظرياً بإمكان حلول حالة حرب شاملة وبفضل فعلنا نحن. كما بإمكاننا أن نطفئ نارها، لأننا متى ما بدأنا الحرب وأحسسنا بنارها لا بد أن نلجأ مباشرةً نحاول إطفاءها.
هذا بعض ما تعلمنا من حروب التخلف ومن الحروب الأهلية. حقاً إن مخاوفنا من مهددات الاحتراب، تدفعنا دائماً وفي (آخر الأمر) إلى تسوية ما حول الحكم، كأن تستحدث السلطة الوحدة، هذا ما حدث في (مي فير) عام 1620 حيث الأمر الملكي الداعي إلى التعاون والانضباط قائلاً أنهم بحاجة إلى ذلك، في وقت لم تكن هناك آلية تنفيذية بل مجرد أمر ملكي. نجم عن ذلك إحساس بالفراغ مما دعا إلى كتابات رسمية، سميها دستور. حيث ألزم الأحبار أنفسهم بتأسيس جسم سياسي لحفظ النظام وضبط القوانين، أصبح هذا النموذج، هو النموذج المحتذى به لإيقاف الحروب وأصبح هذا النموذج ملزماً للدولة ذات السيادة والبنوك، والجمعيات التعاونية. إلا أن (هوبز) حين خاطب الإنسان العاقل، أخذ في الاعتبار ما يحتمل أن يحدث بسبب خلاف أو نزاع افتراضي أو لمجرد الظنون بشكل متخلف لا يضع في الاعتبار أهمية السلام الاجتماعي.
إن أكبر إشكال عملي واجه (هوبز) في (ليفياثان) هو أنه حاول تفادي الكارثة التي نجمت عن الحرب الأهلية، وأنه تقبل واعتبر أن ما سن من قوانين وما مورس من دكتاتورية، والتي قوضت القانون، باسم القانون. هذا يحدث في حال أن أحدنا وجد أن حياته في خطر يكون له الحق ولغرض الدفاع عن نفسه أن يتخطى القانون. مع مرور الزمن ولثلاث قرون ومنذ أن صمم (هوبز) رؤيته للدولة القابضة، الديمقراطية وبمجهود كبير وخلال تلك الفترة تم تقنين سلطات الحكم والحد منها بحيث لا يكون هناك حاكم مطلق، إذ يؤدي ذلك إلى الإخلال بالنظام المتبع. ويقود إلى ما يشبه الحرب الأهلية، ذلك حين يتداعى هذا البنيان الدستوري وحين تتحول البلاد إلى فوضى. هنا محاكمة (هوبز) في سفر الرؤية كما وصفها واعتبرها مرجعية وقد كررها كثيراً، وقد ذكر أن أي حال منضبط هو أفضل من الفوضى المؤدية إلى الاحتراب (إلى قوانين الطبيعة من دون ضبط) أن تدافع عن نفسك هذا عمل عقلاني إلا أنه مرتبط بنشأة صاحبه وبتجربته أي بزمانها ومكانها.
وعودة إلى ما أورده (هوبز) نجده في غالبه يسهم في موضوع الحرب أي الحديث عنها وعن هذا الميل للانكفاء والنكوص، عن حال الحرب ذلك أن الإنسان بطبيعته يختزن مفهوم السلام بل يراوده السلام.
إلا أن قوة الفعل الديني وسيطرة الكنيسة (كما فهمها هوبز) والتي تمددت وأصبحت هي السلطة (السيادة) على وجه الأرض، نجد أن نصف ما ورد في كتابات (هوبز) كرس لهذا الفهم، واستخدمه لتفكيكه بما أنه مفهوم خاطئ للدين، أن سيادة الكنيسة ما هي إلا سيادة مغتصبة، أي أنها السيادة التي اغتصبتها الكنيسة من المجتمع. نعم أن كل ما بدا كان ذا صلة، بالمؤسسة الدينية.
إن بروز الدعاوى الإسلامية وبعض الفهم السلفي للدين، إن كان ذلك في الإسلام، أم في غيره من الأديان. كل هذا قد بدل القناعات عند الناس وقلب الرضاء والتعايش السلمي إلى حال احتراب، وقلب التوافق إلى بغضاء. لهذا نجد أن القليل المتضمن في كتابات (هوبز) صار الآن حاداً وذا صلة بكل معاناتنا، إن القتل باسم الدين برز من جديد وأصبح موضة عصره.
صوت الضمير، الدين، وحل الدولة الديمقراطية (أي ذوبانها) المعنى هو (الكومنولث) يضيف (هوبز) المكون السياسي، ويذهب به إلى حال الحرب ويتضح ذلك في:
(1) إن الإنسان هو نفسه الحكم سوى كان ذلك الخير أو الشر.
(2) إن كل ما يخالف صوت الضمير هو خطيئة.
(3) الإيمان والطهر يأتي عبر الكشف الروحي.
(4) إن إعلاء شأن سلطة وهمية (أي شبح مقابل السلطة المدنية) كما لو أن هناك مملكة تتحكم في مصير البشر، تماماً مثل دولة الجن، أو فيما نتوهمه وأن هذه الدولة تحرك وجدان شعوب (الكومنولث)، ترهبهم بالحساب في اليوم الآخر، فتوعدهم بالنعيم، خلافاً للأحكام المدنية والتي هي دنيوية لا علاقة لها بما هو مقدس ولا بالخلاص ولا بنعيم الآخرة.
إن حوار (هوبز) من (1) إلى (4) منشور في صفحات الجزء الأول والثاني من (ليفياثان) ثم أخضع بصفة دائمة وبتذييل مشدد في الجزء (3) و(4). حيث التأويل والتفسير والمقاطع الإنجيلية أو السور الدينية، وقد فهم منه في زمانه على أنه متين ومحدث وأيضاً مقنع، لكنه ينتهي إلى تلخيص وحيد حين نفهمه بطريقة صحيحة، أي الحديث عن دعاوى الدين، ونبض الضمير حين يصحو ويختزن مفهوم عالم حقيقي، وحقيقة الإنسان، والبعد السياسي الواحد، دون الالتفات إلى الخلاص والذي هو الإيمان بأن المسيح المخلص هو عيسى بن مريم.
هكذا يقدم (هوبز) مقترحه الذي أراد به أن يبعد عنه أي شيء يجرده أو يشكل خطراً عليه، ويتجنى على المزاج الخاص، على فهم الفرد أو يتناقض مع القوانين المدنية المرعية.
إن صوت الضمير أشبه بوخز الإبر ويأتي كمعلومة تتعامد مع معلومة أخرى أو معلومات أخرى ذات حقيقة محددة.
غير معلوم ما إن كان (هوبز) يريد أن يسكت الأصوات الناقدة لتدخله في ما هو مسيحي، ذلك إنه يريد أن يحدد تصوراً دينياً خاصاً به. كي يتآخى مع مفهوم عالم واقعي، حقيقي واحد، وأن يتحقق ذلك مع المنظور النقدي التاريخي المتصل مع الصورة أو الخلفية المرسومة له منذ القرن الثامن. كل ما استطاع (هوبز) قوله هو أن أخذ من الكتاب المقدس السورة أو الجزء كما هو ثم حاول أن يخاوي بين المعنيين، مثال: ما قاله عن البعث وعن كون الجسد موجود في الأرض خلافاً لـ (الشبح) الموجود في السماء المختفي في مكان ما، أو في لامكان. الشيء الوحيد المسموح به من هذا التحوير الشفهي يكون مقبولاً حين تكون الترجمة رمزية، وبهذه الترجمة الرمزية المحددة الفهم استطاع (هوبز) أن ينجز ويحقق ما هو ملفت للنظر.
من بعد شروحات (هوبز) راح الناس يستعلمون المجاز للتعرف على أسرارهم أو إبرازها هكذا، وبقوة، وراح الرجال يشايعون رؤاهم الخاصة بهم، وراحوا يطلقون على وجهات نظرهم شيئاً من التبجيل (الكهنوتية) ويرون في ذلك صحوة وجدانية، وكانت رؤاهم غير قابلة للنقض أو التحدث عنها بالانتقاد، وهم يسوقون رؤاهم على أنها هي الحقيقة كما يرونها أو يتوافقون عليها.
وبرهافة نجد الضمير عند (هوبز) وكما يفسره وكأنه رأى الفرد معطوفاً على برهانه الخاص به، بينما نجد الضمير الجمعي كما عرفه (ليفياثان) هو التشريع المدني، إلا أنه ولما كانت الخطيئة هي تخطي القانون أو تجاوزه، يكون معلوماً أن الانصياع للقانون يجب أن يشمل البعد عن الخطيئة، احترام الوجدان مادام الفرد هو جزء من الجماعة المدنية، ولكن وحينما يفقد الإنسان صحوته فإنه يجنح إلى قانون الطبيعة (روح التوحش) ولو كان ذلك مضمراً، أما إن أراد المغامرة فليجاهر به.
عليه تحكيم الضمير قد يعني الاحتكام للقوانين المدنية والقوانين الطبيعية معاً، مادام الوجدان صاحي، وهذا يمنع التصادم مع الدولة التي تحمي القانون، حين تكون ذات سطوة وقدرة على النفاذ.
إن الضمير الحي، وبرؤية فاحصة دوماً، يتساءل عن ماذا يحدث لمجتمع مدني حين تكون القوانين المرعية، والتي يفترض أن تكون من أحكام الطبيعة ومعبرة عنها ومترجمة من عند السلطة الحاكمة، تكون موثقة ومتناقضة مع قوانين الطبيعة (هذا لتحاشي الالتباس والاختلاف).
لنأخذ مثالاً افتراضياً ولنقول إن إحدى الولايات شرعت وقالت: إن كل من هو غير (سلتي) (العرق المميز) يحقن بمصل خطير، هذا الإجراء يتناقض مع التشريع الثاني الأساسي (قانون الطبيعة). في هذا يعطي هوبز إجابة بسيطة وهي أن الضحية لابد أن يرفض، إذ لا يوجد إنسان، وفي تجانسه وتوافقه مع الدولة، يمكن أن يتنازل عن حقه في الدفاع عن نفسه إن مسته يد بسوء. في هذا وبحكم قوانين الطبيعة، تصبح الدولة نفسها ملزمة بالتراجع، إذ لا يستطيع أحد غير الله أن يصادر حياة إنسان أو يعرضها للخطر. أيضاً الشعوب الأخرى لن ترضى بالتصفية العرقية، باعتبار الحياة حق طبيعي لا تجوز مصادرتها. إلا أن هذا لا يبدو واضحاً ولا ندري ماذا يطبخ البعض في جلساتهم العامة.
مع ذلك نستطيع أن نقول أن (هوبز) لا يتوقع شيء من هذا القبيل أو أن يصدر عن دولة مسؤولة ذات سيادة ممنوحة بإرادة شعبية صادقة، كما كان لزاماً عليه أن يضع هذه الاحتمالات في الاعتبار. هذا ما حدث في دول الأراضي المنخفضة أي الدول الوضيعة في القرن السادس عشر. وقد يحدث ذلك بناءً على حسابات سياسية (الأمثلة كثيرة في زماننا هذا).
حوار (هوبز) في (iii) والذي جاء فيه أن الإنسان يتوجب عليه أن يتصرف وفقاً لتدينه وإيحاءاته، يكون هذا أكثر تجذراً وأكثر فعالية، فإن كان دينه هو دين الدولة لن تكن هناك مشكلة، إن خالف ذلك فإن وجدانه لن ينسجم مع المبادئ العامة وقد يصعب عليه هذا الحال. ذلك أن الحس الإيماني في حد ذاته له طبيعة الاختفاء إن كان دين الفرد يخالف دين الدولة، وإن أجبر على ارتكاب خطيئة يكون ذلك مسؤولية الدولة لا الفرد صاحب الدين المختلف، يبقى الشهداء الوحيدون هم من أصابهم ضر وحكم عليهم بالإعدام. وهم من يرون بأم عينهم بعث المسيح، هذا هو تماماً ما جاء به الأسلاف من قول. يضيف (هوبز) شيئاً عظيماً هو أن الخلاص يحتاج الإيمان بالمسيح ويحتاج الإيمان بالقوانين وليس الارتكان إلى فهم ديني دبغ، أي عليك أن تلزم دينك، كما يكون عليك أن تلتزم القوانين المرعية المنظمة للمجتمع.
بعيداً عن الالتزام الروحي والذي يحدده (هوبز) ويعكس فهماً دينياً خاصاً عن معنى الوحي أو القناعة الدينية، إلا أنه يسلم بوضوح أن هذا الإيحاء أو تلك القناعات الدينية تبقى عرضةً للخطأ، لا أحد منا يملك فهماً دينياً موثوقاً حتى لو ادعينا ذلك، قد نصطدم مع قناعات آخرين، وهي في مجملها قناعات دينية، ومادام معظم البشر غير واصلين، أي لا صلة لهم مباشرة مع الرب، ومن أجل السلام والتجانس يلزم أن ندع الأمر للدولة تقرر فيه. إن أي تواصل روحي يعزز إيماننا ويباعد بيننا وبين الاختلاف ويتوجب أن يصبح هو المؤسسة الدينية المعتمدة (ورد هذا في إعلان الدين المسيحي، إبان عقد مؤتمر نيقي المسكوني في تركيا) والداعي كان الخوف من تمزق أطراف دولته، أي الإمبراطورية، عليه أصبحت (الأرثودكسية) هي الدين الرسمي للدولة وبفرمان إمبراطوري. راجع (ليفياثان) (أيضاً قارن فالليلة أشبه بالبارحة).
وكما أورد وأوضح (هوبز) طرق الخلاص، تبقى المصالحة أمراً ممكناً، وتبقى طاعة الرب ممكنة مع طاعة السادة الحكام، إن كان الحاكم مسيحياً أو ملحداً لا ديني، لئن كان الحاكم مسيحي فإنه يتقبل القول أن المسيح هو المخلص، فالإيمان يعني خلاصنا نحن وعلينا طاعة المسيح، واحترام كل القوانين حتى لو كان بها ما يخالف الدين، ويبقى على كل فرد أن يقاوم الخطيئة بمفرده، وألا يطلب من الدولة أن تطبق غير ما شرعت له (هذه هي قوانين الطبيعة).
أما الإيمان والطهر هما شيئان غير مرئيان، عليه يتوجب ألا نعرض أنفسنا لأي إشكال بسبب اعتراضنا على شيء ما، أما إن حدث وقاوم أحدهم منكراً وقُتِل أو عُذِّب فثوابه عند الله ولا يجوز له أن يطلب مقابلاً لطاعته والتزامه تعاليم دينه، بعض هذه الأنواع من التصدي قد تسبب حال الاحتراب لذا يكون الالتزام بالقانون الوضعي والاحتكام إلى محاكم الدولة (دون تصدي).
يمكن ملاحظة أن (هوبز) يذهب بعيداً في اتجاه ترويض بعض الأحكام مثال (التكريم الزائد) الذي يحظى به أحدهم أو تحظى به الكنيسة، وقد يحدث ذلك بسبب مخالفة تعاليم الدين حتى لو كانت المعلومة الدينية موقوفة التنفيذ لعدم أهميتها.
إن أهم ما يثير (هوبز) هو ما يهدد الجسم السياسي بسبب ادعاء الكنيسة وتشدد الكنيسة الرومانية، حيث يدعيان قوة فوق قوة الدولة وحجته أن الكتاب المقدس لا يقنن مثل هذا الادعاء. وبالتحديد المطلوب هو الانصياع للسلطة إن كانت سلطة فرد أو جماعة حكومية ولا يمكن إبطالها بسبب ادعاء أحدهم بأنها عبء زائد، أو لقولهم أن هناك هرطقة، فالهرطقة ليست أكثر من رؤية خاصة لكنها في خصوصيتها مثيرة، ذلك أن الدين المتبع في الدولة لن يكون هرطقة، إن كلمة هرطقة والانحياز لفكرة قد يكون من متعلقات الدين وليس الدين نفسه (تفسير) إن الهرطقة لا تهم الديانة الرسمية ولا تؤذي الدولة طالما هي تتعلق بخلاص أحدهم، إنما هي علاقة بين العبد والإله يجزي عليها خيراً كان أم شراً.
إن الانطباع الجاف الذي أورده (ليفياثان) ورغم أن (هوبز) وبصورة راسخة ومؤكدة وعادلة، يؤكد وجود الله (لا يزيد على ذلك) وأن عيسى هو المسيح (أيضاً دون استزادة) وإن كل أسنان الدين الخطرة تم إلجامها، ومادام التدين حالة خاصة وبإمكان الرجل أن يتدارس تعاليم دينه وأيضاً يكون له الحق أن يؤمن بما يشاء، فقط عليه أن يحترم القانون. على كل الثواب والعقاب في اليوم الآخر (البعث) قد لا يكون كما يحلو للبعض أن يصفه، إذا أخذنا الخطأ في التفاصيل الدقيقة التي يصعب على المرء مراعاتها أو رصدها، في حالة الدين المعتمد (المعمول به رسمياً). عدى حالة (الفاتكان) نجد الدولة منسجمة مع الدين وتعاليمه ولا ترعى سلطة غير ما تواثقت عليه الجماعة (الدولة المدنية). ونحن لا نستطيع أن نطيع أي سلطة دينية ما لم تؤكد على احترام القوانين المدنية.
لو كان ما قاله (هوبز) نافذاً يكون مؤكداً أن حرية العقيدة قد وجدت وأن الترتيبات ما بين الدولة المدنية والكنيسة قد تمت. الشيء الذي يسعى التطرف الديني لنسفه.
سيطرة (ليفياثان) وتمدد نفوذه:
كانت كتابات (هوبز) مقبولة إلا أنها كانت حادة الطبع، شروحاته الساخرة، تعمقه وأحياناً نفاذ بصيرته وفي أكثر من موقع، في لغته الحية واستعاراته المحكمة وذكاؤه الحاد الساخر، كل هذا جعل من (ليفياثان) كتاباً مرموقاً حتى لو لم يجاز ذلك شعبياً. لذا يمكن أن نقول إنه قدم إحساساً مثيراً فند أو أكد به بعض ما هو عادي دينياً أو ما هو سياسي ومناقض.
فيما يخص الدين قد اتهم كثيراً أنه على خطأ، وأن أفكاره محملة بالإثم، قال عنه (جوزيف قلانفيل) وآخرون أنه ينكر وجود أرواح خارقة فوق الطبيعة، وأيضاً الروح السامي الرباني روح الله، وهذا يرقى إلى حد إنكار وجود الله وإنكار وجود نشاط روحي أو أرواحي.
نجد في (هوبز) الإنسان غير المغرور الواقعي ذو الأطماع الذاتية إضافةً إلى أنه مثير ذو ثقافة عالية وذو فهم فلسفي رائع ونقدي. ثم جاء المد الثقافي، بسبب انفراج حالة الكبت مع (البيرتان) والذين ظهروا مع تولي (شارلس الثاني) الحكم (1660-1685) كان هناك إحياء درامي لمن عدلوا سلوكهم واعتبروا (هوبز) في خدمة تطلعاتهم الذاتية، بالإمكان اعتبار هذا المسلك، أي أنه يناسب طبيعة الإنسان، وهناك أمثلة عدة مشابهة، لذا يصعب أن تقول عنه ناجم عن حملة أخلاقية، يمكننا أن نقول أن الدافع الذاتي كان محسوباً إلى حد ما، واستدعى فهم أفكار (هوبز) ومزجها بعد أن أصبحت مميزة خلال الفترة (1660-1670) وأصبحت المحرك للعقل الباطني، والذي كان له فعله الواضح وحتى بصماته في القرن العشرين.
ردود الفعل الفلسفية على أعمال (هوبز) تظهر في كتابات من عاصروه، كتاباتهم عن الأخلاق وعن طباع البشر، (هوتسون) و(هيوم). جميعهم وبأشكال مختلفة حاولوا إبراز الطبيعة البشرية بشكل مختلف وإن رغبات الإنسان لها عدة زوايا صغيرة عاكسة منها الفرح المغروس الداعي إلى إسعاد الآخرين فقد يظهر ذلك بشكل بسيط ومشروع وقد يؤذي وقد يكون ببرود. قد يأتي عابراً أو مقيماً (أياً كان الشكل فهو دائماً متمسك بالفضيلة)، عليه لا شيء يلغي النزوع إلى عمل الخير والتعاطف مع الآخرين.
هنا شيء آخر عن أخلاقيات (هوبز) الشيء الذي جعل الفلاسفة ورجال الدين يستثنونه بشدة وهو المقاربة الأخلاقية، أي ما قاله عن النسبي، أي أن الحقيقة شيء نسبي، لذا كان اختلافه مع (صموئيل كلارك) و(وليم والتسون) في أوائل القرن الثامن عشر حين قالوا إن الفضيلة أكيدة وكلية (ليست نسبية) أي أن الفضيلة لا هي موضة ولا هي موقف ذاتي. إلا أنهم قالوا وتفهموا لماذا لم يقل (هوبز) ذلك، وبسبب أن الإنسان بعيد عن المؤسسة السياسية الحاكمة والفاعلة يتصرف وفقاً لقراراته (النسبية) أي قراره الخاص به وفيما يختص ما هو حسن له، ولكن في حالة القانون المدني أي التشريع الأخلاقي، وفي المجتمع المدني، نجد شرع الفضيلة وهو مأخوذ عن قوانين الطبيعة وليس ناجماً عن رؤية ذاتية، وهي مادة إعلان السلام المتعارف عليه دولياً (حقوق الإنسان) ذلك أن طباع الإنسان تتشابه في كل مكان. في هذا يُنتقَد (هوبز) دائماً في حديثه عن النسبي لأنه لم يكمل بشكل واضح ما قال به (هناك العديد من الكتاب البريطانيين تحدثوا عن الفضيلة).
بالنسبة للمنظور السياسي نجد (هوبز) مرةً أخرى يثير مشاعر غير مقبولة ومغايرة، ليست فقط مع الدولة (لأسرة الحاكمة) والتي لا ترَ في كتاباته ما يثير كثيراً، ولكن مع الكتاب إذ وجدوا فيه ما يلمس تقاليد الديمقراطية. لنأخذ (هيقل) والذي فكر ملياً فيما كتبه (هوبز) وفي ما قاله. وفي محاضرات هيقل عن الفلسفة وبعد 150 عام، لاحظ أن المجتمع، أي الدولة عند (هوبز)، أمر شديد الأهمية. إنها قوة جازمة وحازمة بلا استجداء أو مناشدة. وما إن كان الدين أو القانون وفي عدالتهما وفي صدقيتهما وفي علاقتهما مع الخارج لأن (هوبز) جعل منهما مقابلاً للدولة (خاص وعام) وأن تعاليمه ثمنت كأكثر ما يخيف الناس.
لم يكن واضحاً أن المعني (هوبز) ولكن شروحاته عن الديمقراطية، خاصةً تلك الدولة السيئة التي يصعب تبديلها، (تم استبدالها عام 1689) وبقي المجتمع على تماسكه ولم ينفرط. ويكون هذا من واجب الشعب أن يجدد وأن يسن القوانين التي ترعى مصالحه، أي أن يستبدل القوانين السارية متى ما كانت غير مكان ثقة ولا تعبر عن ما أولوه للسلطة من صلاحيات (الشعب هو المشرع). إن كل ما جاء في الفصل الثاني من هذا الإعلان (البحث الثاني) يدور حول هذا الموضوع. إذ لا علاقة بين التعديلات المشروعة (التي تأتي عبر الانتخابات أو الاستفتاء أو حتى إن جاء ذلك عبر وسائل غير مشروعة) وما دامت الغاية هي الإصلاح والتعبير والحرص الشديد على سلامة المجتمع (هذا ما قاله هوبز) وما لم يعترض عليه (لوك) في أواسط القرن الثامن عشر جاء في كتاب (هيوم) أن (هوبز) تم إقصاؤه وأهمل، إلا أن دراسات عن علم النفس الحركي، أي (ميكانيكا) علم النفس – أي الانجذاب ما بين الرغبة والكراهية جاء مطابقاً وكان ذا نفع كبير حيث تم رصد كل ما أورده (هوبز). وإن القوانين المرعية لعام 1832 جاءت وعلى متنها صورة ما أسسه وجاء به (هوبز) وقال به عن السيادة على أنها مركز كل حوار، أو أن السلطة هي المركز الذي يدور حوله كل ما يمت للدولة بصلة.
وفيما هو مرسل من أدب القرن العشرين واجه (هوبز) حرباً أشعلها محدثو العصر (أي المترجمين). بعض المفاهيم الدالة على الحوار يمكن التعرف عليها في كتابات (وليام ساك استيرد) 1879 وفي عام 1979 كتب عن سيرة (هوبز) وكتبه. (بولنق 1982) كتب عنه. أضف إلى اعتراضات عابرة على ما كتب يمكن ملاحظتها في كتاب (هوبز مورسلاند بولتكس) وفي عام 1945 أصبحت مقولات (هوبز) عن الحرب أو حالة الحرب، ذات أهمية بالغة. حدث هذا عندما لاحظ (هوارد) في (انسيكولوبيديا أمريكا) وحين قال: إن الدول تعيش الآن حالة أشبه بما قاله (هوبز) عن الإنسان القرد، هناك قوة دفع في اتجاه الحرب ما بين كل دولة وأخرى. بدافع الخوف والرغبة في توازن القوة (عن هوبز القوة ليست أكثر من فائض قوة الفرد عن الآخر). لذا ولأجل حفظ التوازن وكما لاحظ (فريز) في كتابات (هوبز)، يكون من المعقول قيام دولة عالمية واحدة، نستطيع أن نقول أمم متحدة واحدة ذات سيادة وصاحبة قوة قاهرة (الجمعية العامة ومجلس الأمن).
أخيراً كما أوردنا في المقدمة نجد اهتمام (هوبز) باختصار بل بإقصاء الدعاوى الدينية فيما يهم السياسة، ويتحتم أيضاً إبراز الضرر الناجم عن التدين الخاص (بعيد عن دين الدولة). هذا الزعم اكتسب أهمية وثيقة الصلة بما يدور في عالمنا اليوم، بالنسبة لنا ولما أورده (هوبز) حين قال: لا يجوز أن يتمتع السلفيون وأنبياء الكنيسة بصلاحيات غير محدودة لاعتراض ما هو فلسفي أو وجداني (الرأي مثلاً) إذ يأتي ذلك ضمن محاولاتهم الدؤوبة لإخضاع الجسم المؤسسي العام وتقويض الجسد السياسي.
لا توجد فلسفة ولا يوجد فكر مرتب أكثر مما ورد عند (هوبز) فهو مساوق ومعبر ومتماسك، سياسة وفلسفة وتميز بذلك في كتابه (ليفياثان) أنه يتصادم مع الفهم المتعارف عليه وهو أيضاً متميز في دعوته للسلام والنظام وهو يقول: لا يتوجب أن يلعب الدين دوراً سياسياً ولا حق له في سلطة تعترض الضمير إلا أن الدين دوماً يدعي ذلك. ولمعالجة أمراضنا السياسية، واحتواء حالة الاحتراب، كما يجب أن ننصاع لحكومات نحن لا نحبها، إن هذه الضربات الحقيقية المتكررة هي من صميم طبع الإنسان وهي غير سارة وأيضاً مدمرة. إن هذا المشهد يلمس شغاف قلوبنا ويلمس عصب الحقيقة عند معظم القراء. فالإنسان الحديث إن لم نقل كل الناس نجدهم يتساءلون من هذا المسلك الاعتباطي فينا، التنافس، التملك، الاستحواذ، اللهاث، الفردانية، الهم الشخصي. كما أننا مترددين غير مستقرين على رأي ونحاول أن نهيمن على كل ما نرى أنه جيد لنا. إنها هذه الورطة التي دفعت بمفكرينا وفلاسفتنا إلى تسفيهها، الشيء الذي يحسبه (هوبز) جدير بالذكر وبالتسفيه. تماماً لإبعادنا عن حال العزلة وتحريرنا من هذا السعي المحموم، أي اللهاث وراء رغباتنا الذاتية، أي طبيعتنا غير المدجنة. إنه هذا الذي من فعلنا والذي ينتهي بنا إلى حياة معزولة، بائسة، وحشية، وبالنهاية حياة تقصف عمرنا.
ملاحظات حول كتابات ليفياثان (الوحش):
آخر طبعة من (ليفياثان) تقول أو تشير بوضوح إلى أنه لم تكن هناك أكثر دقة وصحة من هذا الكتاب، إن كان ما نعيبه عليه أن العمل خالي من الأخطاء تماماً وكما أراده (هوبز) وفي آخر مراجعة له. الكلمة، العلامة، القوسين، ومع أي طبعة جديدة أو تعديل، بمعنى آخر كان عملاً كامل الدسم. لن يكن هناك ما هو أدق منه ولا كان. ولكن بعض ما كتب قد يكون أكثر دقة من أخرى، أو أن بعض الطبعات تجدها سلسلة ومفهومة ومقبولة لدى القارئ، وذات استفادة قصوى، متى ما أراد القارئ ذلك. النسخة التي بين يدينا أردنا بها أن تكون ذات مصداقية ومطابقة لما أراده (هوبز) من غير أن نلاحظ بوضوح أي شيء، أو أسلوب، أو عمل مطبعي نشاز، أو يمكن أن يشكل عائقاً عرضياً، لكن مثلاً وإن كان في الحروف أو في ما هو إيطالي، هذا لا يهم (هوبز) سوى إن قرأتها صاح أو لم.
على ما يبدو أن (ليفياثان) طبع بالإنجليزية مرة واحدة أثناء حياة (هوبز) بالتحديد عام 1651، ربما في أوائل (مايو). الطابع (لندن – أندرو قروك) في مطبعة (قرين دراقون) في (سنت بول). الحقيقة أن ثلاث طبعات أخرى حملت اسم الناشر، اثنان منهم جاءتا متأخرتان، ثلاثتهم تميزهم لوحة في صفحة العنوان، تماماً كما اقترح (ماك رونالد) (وهارقريغز) في كتاب (توماس هوك بيبلوغرافي) لندن 1952. الطبعة الثانية والثالثة يبدو فيهما وكأن الغلاف صمم على ثلاث مراحل، الرأس – الذقن – الشكل – على التوالي. الرأس وحده طبع في لندن 1651 وتولى (هوبز) من بعد تحريكه من باريس. الذقن طبعت في هولندا بسبب المنع في لندن والشكل العام طبع مؤخراً بواسطة طابعين مختلفين. ويلاحظ خطأ في الطبعة الموثقة وبعض أعراض الضعف في الحروف. هنا سبب لاعتبار (هوبز) مسؤول عن الوثيقة حين نجد الاختلاف في الذقن، اللوحة وأيضاً الرأس، أو يجوز أنه يعلم هذا الاختلاف وأصبح من المعلوم أن كل الطبعات الجيدة هي الطبعات ذات الرأس الصحيح، أي ما اعتمد على هذه الطبعة ولكن مع اختلاف في رسم الرأس. على كل يصعب أن تجد لوحتين متطابقتين أو أن تقول: هذه النسخة هي الأكثر صواباً.
هذا الاختلاف يبدو أنه ناجم عن (تكنولوجيا) القرن السابع عشر، أي الطباعة ثم الظروف الغامضة التي صحح فيها (هوبز) الكتاب. القليلون من طابعي القرن السابع عشر هم من يملكون حيزاً كافياً لاستيعاب كتاب كامل، خاصةً كتاب في حجم (ليفياثان). والمتبع هو أن كل جهة تطبع ملزمة حسب ما هو مطلوب ويتم التجميع في صفيحة ورق كبيرة، بحيث تتم تسويتها وبحيث تطوى وتقطع حسب ما هو مطلوب. هكذا نحصل على صفحات أي كتاب، أو أي الطبعة كاملة.
يتم التصحيح بواسطة مصحح الدار وأحياناً صاحب الكتاب.
الإشكال هو أن (هوبز) مقيم في باريس طيلة فترة إعداد الكتاب، كما قال (إدوارد ماير) والذي زاره في (أبريل 1651) وقال إن الكتاب طبع في لندن، وأن (هوبز) كان يتلقى ملزمة كل أسبوع في باريس لغرض التصحيح، وقال: لقد طالعت منهم واحدة أو اثنين.
كانت عملية بطيئة، مزعجة، ومكلفة، أقل ما يمكن قوله هو أن بعض الملازم وبعد انتظار طويل لقدوم (هوبز) تم تصحيحها بواسطة مراجع المطبعة، هناك ما يؤكد أن الجزء الأول والثاني تم طبعهم بواسطة طابع واحد والجزء الثالث والرابع بواسطة جهة أخرى.
عندما تم التصحيح وتم التجميع وروجع النص، بدأ طبع عدد من النسخ ووضعت على حدة، كما علمنا عنها، إلا أنه وعندما بدأ التجميع كانوا يجمعون دون العودة إلى ما تم تصحيحه، والناتج كان نسختين متطابقتين مع اختلاف طفيف في اللوحة الخارجية، لوحة الغلاف.
يتوجب تأكيد أن كل اختلاف كان طفيفاً ومحدوداً للغاية، وهولا يتعدى، أخطاء نحوية، تصحيح لغة، بعض الغموض، اختلاف في الفواصل، والتنقيط والتوضيح للمعاني... والترقيم، وأحياناً بعض الأقوال التي تعود إلى كلام سابق، وفيما يشبه التكرار، مع كل ذلك نجد أن الكتاب جيد في تناوله عند العامة وحتى عند الدارسين لفلسفة (هوبز). ولكن يمكن أن نعدل بدلاً من أن نطبع الكتاب كما هو ومع القليل من الأخطاء المطبعية، أضف صورة الرأس وبعض الأخطاء المطبعية الواضحة.
يوجد مصدران بالإمكان مراجعتهما والتأكد من تطابق صورة الرأس مع المصدر (لاحظ الاهتمام بالدقة حتى الاختلاف في صورة الغلاف).
هناك حديث عن مخطوطة خطت بلا عناية مع بعض التصحيح الذي قام به (هوبز) بنفسه. المخطوطة موجودة الآن في المكتبة البريطانية، كما قيل، وقد يكون ذلك صحيحاً وهي نفس النسخة التي قدمها إلى الملك (شارلس الثاني) في (نوفمبر) أو (ديسمبر) 1651 وتحتوي على (248) قطعة من الورق المقوى مكتوبة من الجهتين وبخط دقيق بالحبر والذي انمحي جزء كبير منه أو ذبل وما عدى قليل من الألواح الورقية فقد كانت الأوراق سيئة وامتصت أو طمست الحبر. عدى هذا كان كل شيء واضح إلا أن باقي المخطوطة صعبت قراءته أو استحالت قراءته. عليه تبقى العلاقة بين المخطوطة والمطبوعة معقدة حين نعود إليها. مثلاً بعض التصحيح يخدم ويطابق المخطوطة مع الكتاب، كما أن هناك اختلاف آخر في التفاصيل، هذا قد يهم بعض القراء.
لم أستعمل هذا الوصف فيما يتعلق بهذا الكتاب إلا لغرض لفت الانتباه أثناء ملاحظاتي حين يكون الاختلاف واضح ومرغوب فيه.
أيضاً ولأسباب بعينها نجد أن أهم تدقيق عن مقدمة النص كان متواجد في الأوراق الكبيرة، إنها ليست تمييزاً أو استعراضاً للنص كنسخة من الكتاب، لكنها وحدها كما قال (رتشارد لوك) وأنا أتفق معه، أنها عبارة عن تجميع لكل ما تم تصحيحه من الكتاب، كما حدد (لوك) الاختلاف في النسخة العادية في الطبعة الأولى، وهو موجود في النسخة الحالية، عدى في بعض الحالات وعندما يلزم شرحها، إذا لزم ذلك. هذا الاختلاف الهام تمت ملاحظته. إلا أن الرصد كاملاً والقراءة والمراجعة وهو ما يميزه، جاءا في كتاب (مالكولم) (كلارندون أيدش).
من ما قلنا يتضح وبشكل جلي وأكيد أن الحصول على طبعة صحيحة من (ليفياثان) غير ممكنة، مع ذلك وإلى حد كبير وكافي فلسفياً أو كوثيقة فلسفية (من المؤكد أن كتابه يضاهي كل ما كتب في عصره في جودته) يمكن اعتمادها كمطمح في نسخة مدروسة رغم أخطاءها المطبعية، وعندما نصحح الأخطاء الواضحة والقليلة وموازنتها مع قراءة بديلة ومع الصفحات الكبيرة في الوثيقة، نكون قد تجاوزنا كل خطأ في هذه الطبعة ويكون قد تم تنقيحها تماماً متبعين في ذلك الأسس المتعارف عليها، وفيما يلي شرحها.
(1) الترقيم في القرن السابع عشر انبنى على أسس، أن الحداثة لا يمكن قياسها وهي تتداخل ما بين المصحح والكاتب، وما يراه القارئ، كل على حدة (إن جاز قولنا) هكذا وضع الكومة مع (أس) الملك متى ما لزم وحسب ما هو مقروء وبنعومة وحتى النهاية (نهاية ليفياثان) أحياناً توضع الكومة مكان النقطة بينما لا نجد ذلك في إصدارة الذقن والزينة.
(2) ورود النطق مستحدث في كل الكتاب، لا يغير ذلك ما عناه (هوبز) لو كتبنا (Near) أو (Neer)، ذلك بقصد المحافظة على النطق في القرن السابع عشر وعلى طريقة كتابتها (كان التحديث قد بدأ مع ظهور الكتاب) ولكن ببساطة هذا لا يحجب عن القارئ فهم ما عناه (هوبز).
(3) إن استعمال (هوبز) للحرف المائل يعد مجرد مقارنة مع الزمن الحديث رغم ذلك رأيت أنه تلزم إعادة استعماله مرةً أخرى وفي الكثير من الحالات. إنه يوظفها للتقارب بين الفقرات، وللتأكيد حين تتناقض الكلمات عندما تكون متجاورة مع كلمات أجنبية، مثل عناوين الكتب، أحياناً الأسماء، إلا أن الأخيرة تبدو وكأنها معلومة طباعية أو تدخل طباعي، الشيء الوحيد الذي ألزمني بإرجاعها للزمن الروماني.
(4) حينما يعطي (هوبز) اهتماماً خاصاً لفكرة ما، عادةً لغرض تقديم مفهوم محدد نجد (هوبز) يكتب الكلمة بحروف كبيرة ربما للتوضيح، هذا الأسلوب موجود في الكتاب.
(5) فيما يخص ما هو حديث لقد وَضَعْتُ بشكل محدود حروف كبيرة أسوة بـ (هوبز) قد كان يستعملها كدالة في كتاباته، وللكلمة حين تأتي بعد الكومة ولكن أيضاً نقول لا توجد غرابة فيما عنى لو قرأناها مثل كلمة شجاعة بالإنجليزية (Courrage) فهو يستعمل في البداية حرف كبير حرف الـ (C) ويكتبها هكذا (Courrage) والحال هكذا مع أي كلمة بقصد التفخيم أو إبراز المعنى، أو لخصوصية ما. لقد تركتُ هذه الحروف الكبيرة على حالها.
(6) لنبقى مع طبعة (كلارندون برس) وما حدث بالفعل مع طبعة (كيرلي) (الأمريكية) تحت مسمى وثيقة (ليفياثان)، جاءت كل فقرة ممهورة برقم، وكل فصل أيضاً ممهور برقم. حدث ذلك مع (هوبز) في كتابه مبادئ القانون مع أنه أهمله مع آخر. هذه النقطة كانت مهمة جداً للمراجعة. لقد أراد من هذه الآلية المساعدة والتعرف على المراجع. رقم الصفحة، ثم الرقم المعني، هذا التجديد اعتمده من بعده الكثير من الكتاب.
(7) (هوبز) يعطي كثيراً مرجعية إنجيلية في نصوصه ويسورها بين قوسين إلا أنه أحياناً يستعمل الكومة وكثيراً ما يضع المرجعية على الهامش. في هذا النص نجد المراجع معطاة بين قوسين مدورين، عدى حين يكون النص جزء من النحو أو الصرف في حال جملة أو عبارة.
(8) مع تصنيف واحد متوقع نجد أن المراجعين الحاليين لهم ملاحظات متفقة مع المصادر، كالملاحظات الفلسفية، والسيرة الذاتية، والترجمة، وما كتب عن النص وغيره، ونجد عليها علامة نجمة سداسية. الاستثناء الوحيد هو عندما تكون هناك كلمة غريبة أو مستعصية، في هذه الحال يمكن تفسيرها بكلمتين معروفتين بغرض كسب الوقت عوضاً عن اللجوء إلى الملاحظات في الصفحات الأخيرة، مثل هذه الشروحات تعطى في قوس مربع وداخل النص مباشرةً بعد الكلمة المراد شرحها.
أثار (هوبز) جدلاً عنيفاً مع ما هو ديني امتد قرابة الخمسين عاماً أيضاً بين الدين والسياسة، وبعد الطباعة مباشرةً شق الكتاب طريقه رغم الإهمال المتعمد له خلال القرن الثامن عشر، ثم أصبح موضوع الكثير من الطبعات المعادية، واشتهر خلال الفترة (1880) وبعدها. أثار هذا الكتاب ضجة عندما اكتسب صفة أنه الكتاب الأكثر أهمية وربما الكتاب الوحيد الذي تناول الفكر السياسي (فلسفة الفكر السيا


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 24554

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ترجمة: سيد أحمد عبيد
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة