المقالات
السياسة
شروط الحوار تلغي الحوار!!
شروط الحوار تلغي الحوار!!
02-16-2014 12:48 PM


مما رشح من أخبار أن هناك حواراً يجري بين الأحزاب السياسية ونظام الحكم، وهو أمر طيب ومرغوب وتحتاجه البلاد حاجة ماسة، فالحوار أمر ضروري يجنب البلاد مخاطر الحروب والتمزق.
طبيعة الإنسان السوداني فيها شيء من الغرابة، فالسوداني عندما يحكم يتقمصه شعور بأنه يملك، وحتى في الشارع العام عندما يسير في الشارع بسيارته يتوقف في الشارع كيفما اتفق وكثيراً ما تسمع عبارة غريبة تقول «الشارع حقي» هكذا السودان الذي يحكم لا يحكم إنما يملك، أما الآخرون الذين لا يحكمون فكل منهم يدعي ملكية الشارع العام. نزعة التملك هذه ما تركت مجالاً للحوار بين المعارضين ومن يحكم، فالذي يحكم وخاصة أن طالت فترة حكمه تنتابه النزعة الفرعونية فيدعي ملكية ما يحكم والأنهار تجري من تحته، وان ما يقوله هو الرشاد بعينه. حتى في الخلافات الشخصية حين تحاول الإصلاح بين اثنين وتجمعهما للحوار فإن كل طرف يقدم شروطه للحوار، وبعد أن تدرس شروط الطرفين تخلص إلى أن لا داعي للحوار إن تحققت شروط الحوار. ونتيجة وضع شروط للحوار التي تنسف الحوار تكللت بثلاثة انقلابات عسكرية لنعود بعد كل فترة يقضيها الانقلابيون في الحكم إلى ذات الحوار المستحيل. فترات الديمقراطية هي فترات الحوار ولكنها كانت الأقصر عمراً، وبالحوار المستحيل لم يكمل أي نظام حواري ديمقراطي فترة حكمه وبلا حوار حكمت البلاد بالقمع سبعة واربعين عاماً. وكل من النظامين الديمقراطي والقمعي لا يقدمان اصحاب المعرفة بل قدموا فاقدي القدرات والفاشلين للحكم، وأن يفشل إنسان فهذا ليس عيباً ولكن العيب كل العيب في بقاء الفاشل ليحقق فشلاً بعد فشل. والفاشل حين لا يسأل عن فشله يفسد، وهذا ما حدث ويحدث بالفعل، ولا أدري لماذا تتخير الأنظمة التي حكمت السودان والتي تحكمه الآن لماذا الاصرار على الفاشلين الذين لا يسألون عن فشلهم ويكللون هذا الفشل بالافساد في الأرض؟!
الكل يدعي الديمقراطية، ولكن ذلك الكل يردع ويُردع بالبندقية ولو نظرنا إلى الانقلابات العسكرية التي نجحت وتحولت إلى ثورة والتي لم تنجح فبقيت انقلاباً، نجد أن وراءها أدعياء الديمقراطية من أحزاب اليبرالية ويسارية وحتى إسلامية، وهذا دليل كافٍ على أن كل الأحزاب لا تؤمن بالحوار الديمقراطي الذي يتشدقون به.
والأحزاب السياسية على اطلاقها لم يحدث فيها أي تحديث أو تغيير حتى في تكوينها.. فرؤساء الاحزاب هم هم قبل أكثر من نصف قرن من الزمان حتى أصبحت أشبه بتحضير الأرواح منها إلى الأحزاب السياسية المتجددة، بل ظلت هي هي رغم المتغيرات المتسارعة داخلياً وإقليمياً وعالمياً. والشعور السائد الآن وسط المواطنين هو رفض كل من نظام الحكم ومعارضته، فمنذ الاستقلال وحتى اليوم جرب السودان كل هذه الأحزاب بشتى توجهاتها السياسية طائفية وليبرالية ويسارية وأخيراً إسلاموية والأخيرة كانت حسرة على الإسلام والمسلمين.
انعدم التفاعل الشعبي مع كل من المعارضة ونظام الحكم، وأستطيع القول لو أن كلاً منهما حاول إخراج مسيرة معادية أو مؤيدة للنظام لحقق الاثنان فشلاً ذريعاً.
فالذي يفقد القدرة على إخراج مسيرة معادية أو مؤيدة فمن المؤكد أنه يفقد القدرة على إدارة البلاد والخروج بها من أزمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
الدول حين تنشأ تقيم المشروعات التنموية والبنيات الأساسية لقيامها، ولتسهيل التواصل الاقتصادي والاجتماعي وانصهار القبائل مع بعضها البعض تشق الطرق الحديدية والبرية التي تربط البلاد ببعضها البعض، وقد وجدت الأحزاب بعد الاستقلال هذه الروابط وبالذات خطوط السكة حديد التي ربطت المديريات ببعضها البعض ولكنهم بدلاً من الحفاظ عليها وتوسعتها أهملتها حتى حل النظام الحالي، فوضع عليها شاهداً كتب عليه هذا قبر المرحومة السكة حديد، وكذا الأمر بالنسبة لمشروع الجزيرة. المياه عصب الحياة كانت آخر اهتمامات الأنظمة التي حكمت والتي تحكم حتى تطورت مسألة المياه في دارفور من قضية مطلبية إلى قضية أمنية وسياسية استعصى حلها داخلياً، والسودان غني بموارده المائية ورغم ذلك يعيش تحت خط الفقر المائي. السودان لا يحتاج لسياسيين في الوقت الراهن إنما يحتاج لمن يبنيه، والسياسيون معارضون وحاكمون يفتقرون إلى قدرات البناء فهم إما فاشلون أو فاسدون أو الاثنان معاً. هناك عدم توافق تام بين النظام الحاكم ومعارضته من جهة والمواطنين من جهة أخرى، وعليه فإن أية حكومة تضم اطراف الحكومة والمعارضة لن يكون لها أي أثر فعال، بل سيقف كل طرف عند موقفه. فالمعارضة ستأتي إلى الحكم الجديد وهي تجتر حرمان ربع قرن من الزمان.. أما من يبقى من النظام في الحكم فسيحافظ على مكتسباته الشخصية في ذلك الربع قرن، وتنتقل المعارضة من معارضة في الشارع إلى معارضة داخل الحكم، ويتبارى الجميع في كشف فساد بعضهم البعض. اعتقد أن أقرب الحلول واقعية هو اختيار حكومة تكنوقراط تبني ما تهدم.. تقدم الماء للمزارع والراعي وتقدم الكهرباء للري والصناعة وتقدم السكة حديد للنقل والتواصل الاقتصادي والاجتماعي بين أجزاء السودان الواسع، وذلك في فترة لا تقل عن خمس سنوات يمكن فيها إعادة إعمار ما تهدم.. وغير ذلك ما هو إلا حرث في البحر.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 917

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#917052 [عبد الرحيم سعيد بابكر]
0.00/5 (0 صوت)

02-16-2014 01:32 PM
نتفق مع ما جاء في مقالك بنسبة كبيرة اخي هاشم..شكرن مرتين لهذا الطرح..


#917038 [ياسر الجندي]
0.00/5 (0 صوت)

02-16-2014 01:20 PM
هل ما حدث حول ملكية الإنتباهه فساد ؟ وإن كان لماذأ الصمت عليه!
أي بمعني لماذا لم يُكتب عنه أحد؟ ودائماً الإصلاح من المكان الي أنت فيه !!!!


دكتور هاشم حسين بابكر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة